[x]

ثقافة وفنون

الوجع الإنساني في "فجائع الشمس" للكاتبة الجزائرية جنات بومنجل

8-12-2016 | 11:48

فجائع الشمس للكاتبة الجزائرية جنات بومنجل

طارق لحمادي‎
يرتبط الأدب أقرب ما يرتبط بحياة الناس، إنه اللسان الأقرب والأعمق لفكّ شيفرة النفس في زخم تعاطيها مع الواقع، وهو الصورة الكاملة التي تتقاطع فيها جذور الماضي براهن الحاضر بآفاق المستقبل، وتحمل من الحياة لتضيف إليها وفق تصوّر بالغ التعقيد والتبسيط في آن واحد يقدّم جماليته التي تتجاوز الحياة، ويكشف بمرآة الكتابة عن طبيعة النفس البشرية في محدودية علائقها بظروف الزمان والمكان.


الأدب يتجاوز لحظة الحاضر، لينتصر حتى على ذلك الخط الأرسطي في مفهوم التزمين، ويقدّم الحياة بالصيغة الأكثر إنسانية، والأبعد عمقًا، والأوضح أثرًا، وهو الأمر الذي يتحقّق في تجربة " فجائع الشمس " للكاتبة الجزائر ية جنّات بومنجل، إذ تحملنا نصوص المجموعة عبر ذلك الخسران والفقد المتخم بالشجن من أول نص " معطفٌ لرجل طويل القامة " إلى آخر نص "رذاذ لون".

تتشح الفواجع في لغة جنّات بنكهة إنسانية عالية عبر ذلك التناغم في الأفكار وهو يجرّد الحياة من بهرج قشورها الزائف ليعرضها بقوة قبحها الماثل، والحياة في قلم كاتبتنا هي الفجيعة الوحيدة المركّبة عبر صور الوهم، الوهم الذي نعيشه ونتعايش معه بكثير من الاندفاع والغرق. إنّ الحياة لا تعدو كونها المعطف المراوغ على جسم "المانيكان"، وإنّ أحلامنا وآمالنا وتصوّراتنا وخيالاتنا وقوتنا وضعفنا وساعات انتظارنا في الحياة هي نفس وقفة بطل " جنّات " أمام معطف بِيِعَ في النهاية، إنها الحياة التي تنتهي في أغلب التقدير إلى هذا التحطيم الفاجع أمام الوهم والانتظار والرغبة والأمل والأحلام، وهو الصورة الأخرى المقابلة في مسافة النصوص بين البداية والنهاية في شكل فراشة تتناوبها خصيصتان.. الطيران والوقوف، والقوة والضعف، والسعادة والشقاء حتى تنتهي إلى غياب اللون " وفي كل مرة يسقط رذاذ اللون عن جناحيها، حتى بهتت ألوانها " ص 77.

في هذا الجدل الذي يبني المدخل والمخرج في "فجائع الشمس" تحملنا الكاتبة بقدرتها التأملية - حتى باستخدام الشكل السريالي - إلى صورة الحقيقة في قيمة الفقد، وجه الحياة المملوء بالأحلام والأماني العريضة في علاقة البطلة بحبيبها عبر الانتقاء الجمالي " معطف - زي " في المدخل هو نفسه الذي يورّط جنّات لاشعوريا في المخرج عبر ذات الجمالي "فراشة - ألوان".

والجمال يتحطّم في الوجهين كناية عن موت وهباء يُلْحَقُ بالحياة.. " يلحق بالمعطف في صورة الأسف بأنه قد بيع " و"يلحق باللون في الجناحين وقد بهتا من حركتيّ الطيران والوقوف " وهذا الجبر الذي تفرضه الظروف أو اللاوعي على نهايات نصوص الكاتبة أو على المآل الموجع لا ينتقص من روح الحياة ونبضها في متن النص، " فالسّاحر " – الحاوي - مثلا الذي غيّبه العمر في زخم ذكريات الماضي، والذي يحمّل البطلة مرارة الفقد أيضا، فقد حلاوة المشاهدة في طفولتها من خلال عين حاضرها، يمنحنا بالمقابل تلك اللذة الطافحة بمعانقة الحياة في عمق ذلك الخسران الفادح.

إننا هنا إزاء نص أو استقبال قرائي ( سادومازوشي ) ينبع من طبيعة العمل نفسه، فالهامش يتوفر على الإمكانية والقدرة في راهنه لكنه يخسر عملية إسقاط تلك الإمكانية على رغبة الماضي، والماضي بكل انفلاته وجماليته ولذته وعفويته يخسر عملية المشاهدة لأنه لا يملك وسائل حاضره، وفي هذا الصدام المحموم والخسران المرعب تقع لذة النص الآثمة، ويقع التعاطف مع البطلة في شقيّها ( الطفلة – والبالغة ).

وهكذا تستمر الكاتبة في حياكة الوجع الإنساني عبر توليفة من النصوص الحارقة والموجعة، أبطال جنّات يحملون مأساتهم في أرحام كونهم، إنهم يتجاوزون الصورة التي وصف بها شيكسبير أبطاله " الأقدار أجنّة في رحم الطبائع " الشخصية الجنّاتية تحمل خذلانها من وجودها ذاته، وبرودة الحياة بين زوجين على مقعدين متجاورين يتنقلان بين قنوات التلفاز في بيتٍ خالٍ من دفء الحياة يقدّم باختزال مكثّف وحدة الإنسان المرعبة حيث تتحوّل حياتهما إلى ألبوم صور، إنّ بطليّ جنّات لا يختلفان بهذا البرود الحياتي الميّت عن حقيقة صورة زفافهما المبروزة على الجدار ( ص 11) وهي الوحدة المرعبة عينها التي تنفتح على نص " غربة ص 12 " و " وحيد ص 15 " و " الزمن والعطّار ص 16 " حيث البطلة تتمزّق في وحدة تراجيدية وفي زمن تجاوز قامة أفراحها، البطلة مدعوة إلى فرح الجيران وهي التي تمنّت أن تمتد يد كائن، لتصلح حياتها بالفرح بعد عطب الانتظار الطويل والوحدة الآسنة.

هذا هو الكادر الإنساني الذي تضع فيه الكاتبة صور أفكارها المتلاحقة، إنه الواقع بصوته وشحمه ولحمه، الواقع بتراجيدية الالتقاط وتخريج الصدمة عبر كون الكتابة، الكتابة التي تقوم على رماد الجمر لا على رذاذ العطر، وهي لا تنحاز ( ولكونها الأنثى ) إلى وردية الكتابة التي أغرقت فيها الكتابات النسوية، ولا تميل إلى الصدامية مع مؤسسة الذكورة التي اشتهرت بها بعض الكاتبات، ولكنها تقف في خط وعيّ جمالي يحمل من الحياة ويضيف إليها، وتتبنّى موقف الإنسان في صراعاته مع نفسه ومع الآخر ومع الطبيعة ومع الزمن ومع تقاطعات ظروفه، وتقدّم الصوت الأصل في نصوصها بتكنيك سحري يتجاوز كلاسيكية النظرة وبدائية التصوّر وقِدَمَ التشكيل، فنص " أسماك الزينة " مثلا يقلب رؤانا رأسا على عقب ويخلق زاوية نظر متجدّدة لفهمنا ووعينا للحياة والفنّ والكتابة، وبقدرة مدهشة تتحوّل الأسماك الحقيقية إلى مجرّد وهم فيما تتحوّل الأسماك المرسومة بفرشاة الطفلة " الوهمية " إلى حقيقة ذات معنى.

إنّ جنّات ترى الحياة في الفنّ، وتؤمن باستمرار السلام والمحبّة بالفنّ، وتمسك على الحقيقة بالفنّ، والحياة التي انتهت إلى فناء الناس ودوابهم كمادة حفظهم الفنّ بحفره على جدران الكهوف، إنها الحياة الأبقى أمام وهم الحياة الكبير، كأسماك الزينة التي تلاشت رغم حقيقتها وبقيت حيّة في شكل الفن.
ومنه، فنحن أمام كاتبة لا تكتفي بالوجه الأول لعمليتها الكتابية، ولا تنتهي إلى تلك القراءة الأحادية، ولا تتوقف في شكل الحدث الظاهر من نصها بل تتجاوز كل ذلك إلى العمق، والتنويع، والتأويل لتقدّم النص كحالة متجدّدة مشعّة قابلة لأكثر من تصوّر قرائي.

ورغم هذا القصر الذي يمنى به نص كاتبتنا، والذي يقع أحيانا في بضعة سطور إلاّ أنه يقدّم الصورة والحالة الإنسانية بجمالية بالغة الإيحاء، يبدأ فيها القارئ عملية السؤال ورسم الإسقاط بانتهاء القراءة، وهذا دأب الكتابة الحديثة التي تتوخّى قيمة التشارك بين الكاتب والقارئ، وينفي هذا النوع من الكتابة ذلك التخيل القديم الذي يصور الكاتب العارف أمام القارئ الجاهل، لتقدم الكاتب الذي يتلمّس الظلام في بحثه عن نور الحقيقة مع قارئ يتشارك معه في عملية كتابة أعمق وهي القراءة، ولعل نص " قطّة مشمشية ص 28 " يحقّق ما أسلفنا من قول، فالكاتبة تقدم نصّها بإيحاء قاتل يكشف عن نزعة إنسانية موجعة في هدنة طبقية فاضحة بين برجوازية غير آبهة (القطّة) وبروليتارية خامدة (المتشرّد) وهو حال وضعنا.

"فجائع الشمس" لصاحبته جنّات بومنجل، الصادر عن دار "اقرأني" بالإمارات العربية المتحدة والذي يقع في نحو 80 صفحة من الحجم المتوسط يختزل خلاصة الوجع الإنساني في قصص قصار بالغة التكثيف والعمق والفنية بفرشاة كاتبة تكتب بهدوء وصمت وحكمة الكبيرات.
----------
طارق لحمادي
(قاص وناقد جزائري)

اقرأ ايضا:

مواقيت الصلاة

اسعار العملات

درجات الحرارة