ثقافة وفنون

أدبيات التواصل الاجتماعي.. "اللايك" وحدها لا تكفي

30-11-2016 | 11:17

أرشيفية

حسام عبد القادر
ما زالت شبكات التواصل الاجتماعي تدهشنا يوما بعد يوم، وأصبحت عادات وتقاليد الجمهور على هذه الشبكات تتغير يوما بعد يوم، مما يحتاج دراسات عديدة ومتنوعة من علماء الاجتماع وعلم النفس، فبعد أن كانت "اللايك" أو "الإعجاب" مطلب الجميع، ويقوم صاحب أو صاحبة البوست بعد عدد اللايكات من أجل التفاخر أمام الأصدقاء، أصبحت اللايك الآن لا تكفي، والبروتوكول أن تضغط على اللايك ثم تكتب تعليقا.


يحدث أن أنشر :بوست" به مقال أو وجهة نظر أو صورة، ويبدأ الأصدقاء في التفاعل الكبير فتنهال اللايكات والتعليقات، ولا أجد أمام سيل التعليقات إلا أن أسجل لكل فرد قام بالتعليق بإعجابي بتعليقه وأضغط "لايك"، ونفس الأمر عندما ينشر الأصدقاء بوستاتهم، فأقوم بتسجيل إعجابي عليها عندما تروق لي وأضغط "لايك".

إلا أن هذا لم يعد يكفي بأي حال من الأحوال، لأن الأصدقاء يريدون ردا على ردهم، وردا على بوستاتهم، والبعض يرى أن "اللايك" تقليل منهم أو لا تعبر عن الاهتمام بهم، بخاصة إذا قمت بالرد على البعض والبعض الآخر لا، فتبدأ الحسابات، أنك اكتفيت معي باللايك فقط بينما قمت بالرد على غيري، وهكذا.

حدثتني بود صديقة شاعرة قائلة: "أرجو ألا تضغط لايك على قصائدي، فهذا اللايك يشعرني بأنك لم تقرأ"، فضحكت وقلت لها: "لا أقوم بأي رد فعل على أي بوست إلا بعد قراءته"، فقالت: "أنا مصرة، فالتفاعل يجب ألا يكون بلايك، فلتكتب "لايك" بالحروف ولا تضغط على الاستيكر البغيض الذي يشير إلى أصابع اليد!".

وجدت أن عندها حقا، فكثير من رواد الفيسبوك يضغطون اللايك قبل أن يقرأوا وقد لا يقرأون، مجاملة منهم لأصدقائهم، فهكذا علمتنا السوشيال ميديا أنه واجب اجتماعي وإتيكيت يجب أن يقدمه الصديق لصديقه.

إلا أننا لو تفرغنا لكتابة التعليقات فلن نجد الوقت لكي نأكل ونشرب، فإذا تصورنا أن شخصا لديه ألف صديق يتفاعل منهم يوميا حوالي خمسمائة بنشر بوستات أو صور، فلكي يعلق على كل فرد منهم سوف يحتاج تقريبا إلى 500 دقيقة، أي ما يقارب من ثماني ساعات ونصف الساعة يوميا، هذا غير بوستاته هو وتعليقاته على التعليقات، وهو أمر مرهق جدا، ويحتاج لتفرغ.

هذا ما يخص الفيسبوك فقط، فما بال الانستجرام ولينكد إن وغيرها من وسائل التواصل الاجتماعي، فمن أين يمكن أن يأتي الفرد منا بهذا الوقت لكي يتابع ويرد على كل الأصدقاء؟
لقد جعلتنا وسائل التواصل الاجتماعي أسرى لها، لا نستطيع التنفس، لا يمكن أن نأكل أو نشرب، لا يمكن أن نمارس حياتنا إلا من خلالها.

لكن أليس الإنسان كائنا اجتماعيا، والمفروض أن هذه الوسائل جعلت الود والتقارب يعود من جديد بعد أن شكونا من عدم التواصل بين الأهل، والاغتراب الذي حدث بين الأسرة الواحدة، فلماذا نغضب إذن من السوشيال ميديا التي عوضت فقدان التواصل، والتي سهلت وجود علاقات عن بعد بين كل الناس؟

بل إن أي انسان يستطيع أن يستغيث بالأهل والأصدقاء عند الحاجة من خلال الفيسبوك أسرع من أن يطلب الجيران فقد لا يسمعونه إذا صرخ، فلماذا نعترض إذن؟

إن الفرد منا ما زال يبحث عن دفء المشاعر، وعن اللقاءات المباشرة وعن التواصل الحقيقي بين الناس، لا التواصل الافتراضي، ولا استيكرات المشاعر التي تحمل القلوب والوجوه المبتسمة والغاضبة، والتي تعتبر كلها علامات "باردة" عن المشاعر وليست حقيقية، ولكن كل هذه المشاعر المباشرة أصبحت ذكرى، ولذلك يغضب الناس من اللايك على أمل في أن يصبح التعليق بديلا لهذه المشاعر، فأصبحت "اللايك" وحدها لا تكفي، وسوف يصبح التعليق أيضا لا يكفي قريبا جدا.

اقرأ ايضا:

مواقيت الصلاة

اسعار العملات

درجات الحرارة