رسائل تنقلها القطط

27-11-2016 | 12:52

 
بعد انتظار تأتي. يسمع خطواتها الحذرة على السطح المجاور. السطح يعلو سطح بيته بطابق، يخفي نصف بدر حلق وحيدًا في سماء صيف صافية، وتطل من جانبيه الكراكيب الخشبية، ويبث صوت كأكأة الدجاج في العشة المغلقة خوفًا منها.


تثير عاصفة بين الدجاج إذ تمر فتضرب بقدميها خشبة أو بقايا زهرية مهشمة. تموء فتحتد العاصفة، وتطل بوجه حذرٍ من بين الحطام، يرتبك في فرح، يبتسم، تقفز برشاقة على بعد خطوات منه، تطل بحذر. يمد يده إلى الطبق الصيني يتوسطه فخذ دجاج مسلوق، هي تحب الدجاج. خديجة أيضًا تحب الدجاج.

تميل، تشم الطعام بحذر، تلعق عن بعد ثم تشرع في الأكل. يغرق في فروها القصير، تسبح فيه سحابات رمادية في سماء بيضاء نظيفة كالقطن. لها عينان عسليتان. خديجة أيضًا لها عينان عسليتان، مسحوبتان بالطريقة نفسها، متكحلتان دون كحل.

يمد يده يداعب رأسها وهي مستغرقة في الأكل، الجارة أيضًا مدت يدها، ولكن بالعصا. عندما تورمت ذراع خديجة، وهي نائمة، قالت إن الجارة ضربتها بعصا غليظة. "طلبت منها أن تطعمني فضربتني" قالت.

الأم تشكو في جلسة النساء، والجارة تقسم على كتاب الله لم ترها. الأم تبتسم، رغم حزنها البادِي على الذراع المتورمة المزرقة، وتشرح. أرواح التوائم مختلفة عن أرواحنا، نحن الذين أتينا فرادى. تحلق في ملكوت الله. تسبح إذ ينام أحدهما. القطط منزلها المتنقل، تتلبسه، تدور فيه وبه، إذا ما آذاها أحدٌ ما يصيب الأذى الروح والجسد.

الذيل كان هو القضية، الجارة تقول إن الروح لا تنتقل، بل تفارق الجسد عند النوم وتتشكل قطة، قطة دون ذيل، والقطة التي ضربتها كان لها ذيل. الأم تعترض، الروح تخرج وتختار، تنشب معركة بين الإنساني والحيواني، وإن فازت تسكن، تجعل الجسد محل ارتحال لها حتى يفنى فتختار الجديد.


تنتقل الحكاية، تعرف الأم القطة فيعرفونها، يعطونها مكانة مختلفة عن القطط الهائمة المتسولة، تدخل البيوت ليلًا ونهارًا دون اعتراض، يحفظون طيورهم فقط، يقدمون لها الطعام المباح. تخبره زوجته بالحكاية.

ولكن خديجة ليست كتوأمتها، في الرابعة عشرة وتبدو في العشرين. يمنعونها عن لعب الصغار منذ أن اختلفت عنهم.

صغيرة كانت تحكي عن البيت المهجور في نهاية الحارة، جنيات ثلاث يستوطنه تعرفهن ويعرفنها، تتوعد العيال فيهابونها، وحدها تجسر على الاقتراب من سكن الشيطان حيث ارتكبت من قبل، ولم تزل، كل الموبقات، دماء قتلى مغدورين تذوب في عرق بغايا.

ليلة قالت إنها رأت جميلة قرب البيت نهرتها أمها، أقسمت، فتلقت لطمة أسقطت السن المهزوز، وفي الصباح – عندما علمت أن أبا جميلة قتلها في أحضان صبي الميكانيكي في بيت الشيطان – تمنت لو أنها سقتها لبن البعير قبل فطامها. لبن البعير ينشب أظافره في الروح، يثبتها في الجسد، هكذا قالوا ولم تستجب.

كبيرًا كان يراها تلعب الأولى، ترفع الفستان فتكشف عن ساقيها الطفوليتين المتقوستين قليلًا، والغامقتين عند الركبة مع خدوش قديمة وحديثة، ولما طال الفستان، وغطى الساقين، ليبرز، دون قصد، أشياءً سواه، رأى في قعر الفستان النقطة الحمراء اللزجة المتسربة والمنسية. عندئذ احتجب الجسد.

الروح تمضي بلا حاجب، يراها ويعرفها، تغيب في بيت الشيطان. ومرة لم تخرج وحدها، يصحبها آخر، أسوده يطغى عليه دون شعرة بيضاء، أو من أي لون آخر، معفر كصبي الميكانيكي، يتودد ويتشمم، تتدلل دون منع، وتمتنع دون رفض، الفروان يتلامسان بهدوء ثم بقوة، هل هي الروح أم الجسد الحيواني؟ يسأل دون مجيب، ولما رأى الأسود يمضي في خطته الموسمية انتفض، ركله دون خوف من أن يكون كما تكون، إنسانيًا في الجسد الذي طردت روحه.

تذوب روحه الحبيسة في قلق أسود، كلون القط الباحث عن أنثى تحت نداء الغريزة، يخيفه نداء الروح الإنسانية لا نداء الغريزة الحيوانية، يخيفه التواعد بين روحين هربا من محبسهما المنظور، إذا ما آذاها أحد يصيب الأذى الروح والجسد، لعل الجسد الآن فض قفله السري، لابد من لقاء تم خلسة، لعله في بيت الشيطان حيث الآثام الرابضة تحت أقدام الجنيات الثلاث.


يهفو إليها وهو ابن الأربعين. يرقبها إذ تقضي لأمها المشاوير، ولكن من وراء حجاب. التقرب منها شاذ ومشين. يريد أن يقفز الحواجز كلها كما تقفز القطة الرشيقة من سطح الجارة القاسية المليء بالكراكيب، حتى كراكيب تلك القابعة في البيت، التي نسيها.

يتقرب إلى القطة أكثر من الجميع. ينتظرها، يختلس لها الطعام. يراقب أثر التدليل على وجه الفتاة فلا يعرف شيئًا. يراقب أثر اللقاء المختلس في دروب العالم السري.

ينتظر أن تنقل القطة رسالة ما في ليلة تتلبس فيها الروح الجسد الرشيق القافز للحواجز. وقتها يقفز على كل حاجز، ويرمي الحطام كله.

تنهي القطة أكلها. تبلل قدميها الأماميتين، أو يديها، وتمسح وجهها الأبيض، الموسوم بنقطة رمادية كأنها شامة. تتلمظ في بطء وكسل، يمسح الفرو الناعم بيدين معروقتين مرتعشتين فتستكين، تتمطى بهدوء ورشاقة. تحرك العنق المرن تحت يديه، وتسحب الجسد اللين إلى حيث تبتعد. هي تتمشى على السطح النظيف المرتب في دعة، ترقب السور، قفزة سريعة واحدة بعدها تغيب. هو يجلس مراقبًا كقط شيخ أثقلته التخمة.

اقرأ ايضا:

الأكثر قراءة

مادة إعلانية