"بوابة الأهرام" تنشر وثائق تهجير أهالي النوبة وقيمة التعويضات الحكومية لهم (1-2)

26-11-2016 | 15:37

وثائق حكومية لتعويضات أهالي النوبة

 

قنا - محمود الدسوقي

تنشر "بوابة الأهرام" بنشر وثائق اللجنة الحكومية التي تم تشكيلها برئاسة لتعويض أهالي النوبة في ستينيات القرن الماضي.


وتم تشكيل هذه اللجنة من محمد صفوت وكيل الشئون الاجتماعية للمساعدات العامة، وعبد الهادي مصطفى وكيل الإدارة العامة ل تهجير النوبة ، وأحمد شفيق غنيمة من الإدارة العامة للتخطيط الاجتماعي.

وكان للجنة دور مشهود في حصر كافة التعويضات لأهالي النوبة ، سواء في ثلاثينيات القرن الماضي في عصر الملكية، و تهجير هم في عصر الجمهورية في ستينيات القرن الماضي.

وثائق اللجنة الحكومية التي نُشرت في كتيب نادر غير متداول بالسوق كثيرا، تضمنت إحصائيات ليست عن النوبة وتعويض أهاليها فقط، بل تضمنت كافة التعويضات التي تلقاها أهالي النوبة تعويضًا لهم عن نزع أراضيهم وأملاكهم وقراهم القديمة بسبب "المصلحة العامة" المتمثلة في تعلية خزان أسوان في الثلاثينيات، أو بناء السد العالي في ستينيات القرن الماضي.

الوثائق الحكومية وضحت جغرافية تواجد النوبيين في قراهم ومساكنهم، وأكدت أن النوبة تقع بين الجندلين الأول والثاني، وعلى امتداد النيل جنوب أسوان لمسافة 320 كم حتى حدود مصر مع السودان.

وتضم المنطقة على امتدادها 38 قرية، وبندر واحد، تتكون القرية من مجموعة متباعدة من المساكن، وتقع على كلتا الضفتين، وتسمى المجموعة منها نجع، وتبعا لذلك التوصيف، فإن القرية النوبية تمتد على النيل بنجوعها الكثيرة التي تتجاوز عددها الـ 30 نجعًا، لمسافة تبلغ في بعض القرى 30 كم.

ورتبت الوثائق كذلك أسماء قرى النوبة من الشمال إلى الجنوب حسب موقعها، وجاء تتيبها كالتالي:-
دابود – دهميت – الامبركال – كلابشة – أبوهور – مرواو – ماريا – جرف حسين – قرشة – كشتمنة غرب – كشتمنة شرق – الدكة – قورته – العلاقى- السيالة – المحرقة – المضيق، وهذه المجموعة من القرى يعيش بها نوبيين "الكنوز"، وتمتد لمسافة 145كم، ويتحدث "الكنوز" اللهجة "الموتوكية"، ولهم عاداتهم وتقاليدهم التى يعتزون بها، وتعتبر المنطقة التى يقطنون بها من أفقر مناطق النوبة .

لمجموعة الثانية من قرى النوبة تضم خمسة قرى، وتقع جنوب المجموعة السابقة مباشرة، وتمتد لمسافة نحو 40 كم، بين الكيلو 145 وحتى الكيلو 183 جنوبا، وتضم، السبوع – وادى العرب – شاترمة – السنقاى – المالكى، ويقيم في هذه القرى "العرب"، الذين يتحدثون اللغة العربية، ولهم عاداتهم وتقاليدهم، والمنطقة التى يقيمون بها قاحلة مثل منطقة "الكنوز".

والمجموعة الثالثة تضم قرى، كورسكو والريقة- أبو حنضل – الديوان – الدر وتنقالة – توماس وعافية – قته – ابريم والجزيرة – الجنينة والشباك – عنيبة «بندر» مصمص – توشكى غرب – توشكى شرق – ارمنا – ابو سمبل – قسطل – بلانة – ادندان، ويقيم في هذه المجموعة النوبيين "الفادكة" ويتحدثون باللهجة "الفيديكية"، وعاداتهم وتقاليدهم تتفق أحيانا مع تقاليد وعادات العرب في خطوطها الرئيسية.

وأكدت اللجنة الحكومية، أن تعداد النوبيين في عام 1960 يبلغ نحو 98.609 ألف نسمة، منهم 48.028 ألف نسمة مقيمون بمنطقة النوبة ، و 50.581 ألف نسمة مغتربة عنها سعيا وراء الرزق.

وبلغ عدد الأسر المقيمة كلها أو بعضها ب النوبة 16.861 ألف أسرة، في حين بلغ عدد الأسر المغتربة عنها 8.467 آلاف أسرة، وأكدت إحصائيات اللجنة، أن نسبة كبيرة من النوبيين المقيمين ب النوبة من الأطفال والنساء وكبار السن غير القادرين على العمل.

وكشفت الوثائق عن مراحل تهجير أهالي النوبة ، وكانت كالآتي:-

عندما تم بناء خزان أسوان سنة 1902، وبلغ منسوب المياه أمامه 106 أمتار، وبسبب ارتفاع المياه، اختفت تحتها من موقع الخزان وحتى قرية "الدكة" بعض الأراضى الزراعية، التي كان يزرعها النوبيون، ويعتمدون عليها في حياتهم المعيشية، ولم يمض وقت طويل حتى تم تعلية الخزان الأولى سنة 1912؛ ليرتفع منسوب المياه إلى 113.9 متر، ليضيف ذلك إلى الأراضي المغمورة بمياه الخزان أرضا جديدة، حُرم النوبيين من زراعتها.

وفى عام 1933 تمت تعلية الخزان التعلية الثانية، ليرتفع منسوب المياه أمامه إلى ما تجاوز 121 متر، لتغمر مياه الخزان جميع الأراضي الزراعية بمنطقة النوبة ، والواقعة تحت منسوب 122 مترا، والممتدة من الخزان حتى حدود مصر والسودان.

ومع أعمال التعلية الثانية لخزان أسوان، وما ترتب عليها من غمر أراضي النوبيين بالمياه، أصدرت الحكومة المصرية في مارس 1933، القانون رقم 6 لسنة 1933، بنزع الملكية التي تستلزمها التعلية الثانية لخزان أسوان، وجاء نص القانون:-
مادة 1: تعتبر من المنفعة العامة غمر المياه التي ستخزن بسبب التعلية الثانية لخزان أسوان لبعض الأراضي، والأملاك الأخرى الواقعة بنواحي (الشلال - دابود – دهميت) بمركز أسوان، وبنواحي (الامبركاب - كلابشة - ابوهور - مرواو - قورته - ماريا - جرف حسين - كشتمنة - الدكة - العلاقى - محرقة - سيالة - المضيق - وادى العرب - شاترمة - المالكى - السنقاى - كورسكو - ابوحنضل - الريقة - الديوان وتنقالة وقتة - ابريم - جزيرة ابريم - توماس - عافية - عنيبة - الجنينة - الشباك - مصمص - توشكى غرب - توشكى شرق - ارمنا - ابوسمبل - بلانة - قسطل – ادندان) بمركز الدر.

مادة 2: تنزع على الوجه المبين بهذا القانون ملكية الأراضي بالنواحي المذكورة، والواقعة تحت منسوب 122 مترا من البحر الأبيض المتوسط، محتسبًا أمام حائط خزان أسوان، والكائنة في المنطقة، فيما بين الحائط المذكور والحدود المصرية السودانية، وتنزع ملكية أراضي النواحي المذكورة على المنسوب 122 مترا أو منسوب أعلى اللازمة لإنشاء الجسور الواقعة فى المواقع المبينة على الخرائط المساحية المشار إليها في المادة الخامسة، وتعتبر من أملاك الحكومة العامة الأراضي المشار إليها فى الفقرتين السابقتين والمملوكة للحكومة.

مادة 3: يستثنى من الأراضي التي تنزع ملكيتها بمقتضى الفقرة الأولى من المادة السابقة : الأراضي المسماة على الخرائط المساحية المشار إليها «أرض علو» والمبينة باللون الأخضر بنواحي (الدكة – العلاقي - قورته - محرقة - سيالة - المضيق - توماس - عافية - عنيبة - الجنينة - الشباك - مصمص - توشكى غرب - توشكى شرق - ارمنا - ابو سمبل)، وكذلك الأراضي المسماة على الخرائط المذكورة «أرض علو» والمبينة عليها باللون الأخضر، والواقعة أمام جسور الوقاية التى ستنشا فى المواقع المبينة على الخرائط المشار إليها بنواحى (بلانة - قسطل – ادندان).

أما الأراضي الواقعة خلف الجسور المذكورة ومع ذلك تنزع من أصحاب الحقوق في الأراضي المشار إليها في المادتين (1) و(2)، ملكية جميع المباني والنخيل والأشجار والسواقي والآبار المقامة على هذه الأراضي، أو الموجودة فيها، كذلك يكون الحال بالنسبة لشاغلي الأراضي المذكورة أو الأراضي المملوكة للحكومة المشار إليها في الفقرة الأخيرة من المادة الثانية.

وحددت المادة 4: يعوض أصحاب الحقوق عن الأراضي المشار إليها بالمادة الثانية، بأن يدفع لهم ثمن الأراضي والمباني والنخيل والأشجار والسواقي والآبار بحسب تقديره، أما فيما يخص أصحاب الحقوق والشاغلين المشار إليهم في المادة الثانية، فيدفع لهم تعويض عن المباني والنخيل والأشجار والسواقي والآبار، وكذلك يدفع للأولين منهم تعويضا مقابل النقص الذي سيحصل في انتفاعهم بسبب غمر أراضيهم الجزئي بمياه التخزين لمدة محددة خلال السنة.

كما سردت الوثائق وبالشرح التفصيلي، تعويضات التي حصل عليها النوبيين سنة 1933، حين شرعت الدولة في التعلية الثانية لخزان أسوان، وأخذ التعويض إحدى صورتين، الأولى بتخصيص جزء من أراضي الحكومة شمال مدينة أسوان، مقابل أراضي أصحاب الحقوق النوبيون، والتي أقام بها بعض النوبيين منذ ذلك الحين، وجاء ذلك بالتوازي الصورة الثانية للتعويض، وكانت بدراسة وحصر الأراضي التي يمكن زراعتها بمنطقة النوبة ، والتي تفتقر إلى الماء اللازم للري، وتزويدها بمشروعات الري والصرف اللازمة ثم توزيعها على النوبيين.

وأكدت الوثائق، أن وزارة الأشغال العامة وضعت حينها مشروعا يستهدف تزويد جميع الأراضي الصالحة للزراعة بالمنطقة بمشروعات الري، بيد أن المشروع لم ينفذ، وتوقف نتيجة بدء التفكير في إنشاء السد العالي، رغم تنفيذ وزارة الأشغال العامة بمنطقة النوبة 13 محطة لطلمبات الري، منها 6 طلمبات تروى نحو 4100 فدان ريا نيليا، و7 محطات تروى نحو 7500 فدان ريا مستداما، وبقية أراضي المنطقة ومساحتها نحو 2000 فدان تروى بالسواقي والشواديف ووسائل الري الأخرى.

كما أكدت الوثائق صرف تعويضات لأصحاب الأراضي التي تغمرها المياه -فترة من العام- بقرى تماس وعافية في مدينة إسنا بمركز الأقصر، مما يجعل زراعتها لمرة واحدة سنويا، بعد انحسار المياه عنها، وقد صرف لأصحاب هذه الأراضي تعويضات عن نقص الانتفاع نتيجة غمر المياه لأراضيهم فترة، وتم تقدير هذا التعويض بما يوازى نصف الثمن المقدر لهذه الأطيان، رغم بقائها في حوزتهم.

وأوضحت الوثائق كذلك، بأنه حين تبين لوزارة الأشغال عدم استفادة بعض النوبيين الذين تم تعويضهم "جزئيا" بأراضيهم، حتى لمرة واحدة سنويا، أصدرت الوزارة قرارا في يوليو 1942، بنزع ملكية أراضي (عنيبة - توماس – عافية) نزعا كاملا، مع صرف النصف الباقي من ثمن الأرض، ولكن جميع أصحاب التعويضات بناحية (توماس – عافية)، والبعض من ناحية (عنيبة) امتنعوا عن صرف التعويضات، معللين بأن قيمة التعويضات غير عادلة، ودفع ذلك وزارة الأشغال إلى زيادة قيمة التعويضات بنسبة 50%، ومع ذلك أصر أصحابها على الرفض مطالبين بإعادة تقدير ثمن أراضيهم، وتدبير أطيان أخرى يزرعونها.

في عام 1951 وافقت وزارة الأشغال على تخصيص مساحة 8000 فدان من أملاك الحكومة تقع خارج الزمام، بنواحى إسنا والنجوع والقرى بمركز إسنا -محافظة قنا آنذاك- لبيعها إلى أهالي توماس وعافية بحالتها التي عليها، كما أشارت وزارة الأشغال إلى أن أراضي ناحية "عنيبة" يمكن الاستفادة بزراعتها، وأصدرت قرارا عام 1954 بنزع ملكية أراضي ناحية توماس وعافية، والاتصال بمصلحة الأملاك الأميرية وتزويدها بالبيانات اللازمة عن الأراضي المنزوعة ملكيتها من لمواطنين الذين ستباع لهم أراضي الحكومة بمنطقة إسنا.

وفى نفس العام 1954، أبلغ مجلس الوزراء وزارة الأشغال باحتجاز ما يعادل 30% من مبالغ التعويضات المستحقة لأهالي توماس وعافية على ذمة إصلاح الأراضي التي ستباع لهم بمنطقة إسنا، بدلا من أطيانهم التي نزعت ملكيتها، وقامت مصلحة الأملاك الأميرية بوضع قواعد توزيع الأراضي على أهالي توماس وعافية بمنطقة إسنا، وقامت بجمع ما يعادل 10% من ثمن الأرض من المواطنين الراغبين في شراء أراضي بهذه المنطقة، وبلغ عدد المبيعات حينها 1035 "بيعة"، بمساحتها إجمالية 4956 فدانًا و8 قراريط و22 سهما، كما حددت مسطحات بلغت مساحتها 1740 فدانًا و3 قراريط و16 سهمًا لأهالي الناحية الذين لم يتقدموا للشراء.

ظل أهالي توماس وعافية على ارتباط بالأراضي المخصصة لهم بناحية إسنا، دون وضع يدهم عليها، إلى أن صدر قرار عام 1959 من لجنة مراقبة تنفيذ برامج استصلاح الأراضي بوقف مبيعات مصلحة الأملاك نهائيا، بما فيها الأراضي البور، وأراضي وضع اليد، وهي عبارة عن مخلفات المنافع العامة والأراضي الزراعية.

ومنذ هذا الحين أهدى "خزان أسوان"، مصير ومستقبل أهالي توماس وعافية إلى "السد العالي" لتقابل مشكلتهم أزمة سكان النوبة ، الذين باتوا يتطلعون إلى الشمال، حيث موقع السد العالي الجديد، الذي بدّل إنشائه مصير النوبة .
# # # # #
[x]