قبل ساعات من انطلاقها.. هل تستطيع "قمة الأزمات" ترميم العلاقات العربية الإفريقية؟

22-11-2016 | 15:47

صورة أرشيفية - القمة العربية الأفريقية

 

سعيد قدري

تمثل القمة العربية الإفريقية التي ستبدأ فعاليتها بالعاصمة الغينية مالابو غدًا فرص ة لبحث آفاق التعاون المشترك بين الكتلتين العربية والإفريقية، وتقييم مسيرة الجانبين نحو الاهتمام المشترك، في ظل ال تحديات الأمنية والعسكرية والاقتصادية التي يعاني منها الطرفان، لاسيما أن كليهما "العربي والإفريقي" أضاعا فرص ًا عديدة لعقود طويلة من الزمن فيما يتعلق ببلورة تصور واضح لبناء علاقات استراتيجية تحفظ الأمن القومي للمنطقة العربية والقرن الإفريقي اللذين أصبحا ساحة للحروب والمعارك الدولية.


ومع تراجع الدور العربي في القارة السمراء توجهت معظم دول أوروبا وأمريكا وآسيا إلى منطقتي الساحل والقرن الإفريقي، بما يمثل تهديدًا على مستقبل العلاقة بين الشريكين اللذين كان بإمكانهما تشكيل محور إقليمي قوي في السياسة الدولية بالنظر إلى الإمكانات المادية والثروات الطبيعية والموقع الجيوسياسي لهما، حيث تتقاطع المنطقة العربية جغرافيا بين قارتي آسيا وإفريقيا.

وعلى الرغم من الطابع الاقتصادي للقمة والذي يظهر في شعارها "معًا لتنمية مستدامة وتعاون اقتصادي" إلا أن البعد السياسي موجود على أجندة جميع الأطراف خصوصًا فيما يتعلق بالسياسة الإقليمية وتوازنات القوى التي أتاحت للطرف الإفريقي اختيارات متعددة تصلح بديلاً للتراجع العربي ، كالتعاون مع الصين وأوروبا وفرنسا وتركيا والهند وكوريا وإسرائيل.... الخ.
إسرائيل والقضية الفلسطينية

القمة العربية الإفريقية التي ستعقد في غينيا هي القمة الرابعة ، حيث سبق وعقدت القمة ثلاث مرات ، الأولى: في القاهرة عام 1977 خلال فترة الحرب العربية الإسرائيلية ، الثانية: كانت في ليبيا 2010 ، الثالثة في الكويت 2013.

ولعبت الحرب الإسرائيلية العربية دورًا مهمًا في تشكيل الوعي العربي الإفريقي بضرورة التعاون ومواجهة ال تحديات الخارجية ، وكانت القمة الأولى عام 1977 دليلاً على قمة التفاهم بين الشريكين ، حيث وقفت دول القارة السمراء موقًا إيجابيًا مع العرب ودعمت القضية الفلسطينية في المحافل الدولية ، في المقابل لعبت الدول العربية دورًا مهمًا في دعم حركات التحرر الإفريقي وحصول معظم دول القارة على استقلالها.

وقال نائب الأمين العام للجامعة العربية أحمد بن حلي، إن القمة العربية الإفريقية سيصدر عنها قرار خاص بفلسطين ليكون الدعم الإفريقي للقضية الفلسطينية حاضرًا وبشكل قوي في كافة المحافل الدولية ، مؤكدًا أهمية القرار الذي صدر مؤخرًا عن منظمة "اليونسكو" حول القدس والمسجد الأقصى المبارك، الذي ينص على الحفاظ على التراث الثقافي الفلسطيني وطابعه المميز في القدس واعتبار المسجد الأقصى وكامل الحرم القدسي الشريف موقعًا إسلاميًا مقدسًا ومخصصًا للعبادة، مؤكدًا أنه لابد أن يكون لهذا القرار موقع في إعلان "مالابو"، منوهًا أن هناك تنسيقًا مع الجانب الفلسطيني واللجان التحضيرية للقمة حول هذا الشأن .

وكشف بن حلي عن وجود محاولات إسرائيلية لاختراق التضامن العربي الإفريقي والتسلل الى بعض الدول الإفريقية .. قائلًا: "ورأينا أن هناك نوعًا ما من عدم اهتمام بعض الدول الإفريقية -وإن كانت قليلة- بالتصويت لصالح القضية الفلسطينية في المحافل الدولية، وهناك تقرير معد لنتكلم بكل صراحة وشفافية مع هذه الدول الإفريقية لأن القرارات الإفريقية سواء على مستوى القمم أو المستوى الوزاري، كلها نفس القرارات التي تصدر عن الجامعة العربية بالنسبة لفلسطين، فهي قضية الكل ولا خلاف عليها".

وتعتبر مسألة التسلل الإسرائيلي إلى قلب القارة السمراء أحد مخاوف المنطقة العربية بسبب ما يمكن أن يسببه هذا الاختراق من متاعب وصعاب لمنطقة الشرق الأوسط والخليج تحديدًا في سياق إشكالية العلاقة "الخليجية الإيرانية الإسرائيلية" ومخاوف من توظيف التقارب الإسرائيلي الإيراني في إفريقيا في إطار العلاقة مع الخليج .

ال تحديات .
مجموعة من ال تحديات تبدو حجر عثرة أمام اكتمال صورة التفاهم العربي الإفريقي، منها ما يرتبط بالقارة السمراء وبعضها خاص بالدول العربية بالإضافة إلى التنافس الإقليمي في إفريقيا ومحاولة السيطرة على المنافذ البحرية وتوظيفها في الصراع الدولي .

وتعاني منطقة القرن الإفريقي أزمة حقيقية بسبب أوضاع خلفها الاستعمار الأجنبي لهذه المنطقة حيث تأزم الوضع كثيرًا في السودان بعد انقسامه إلى دولتين، واحدة في الشمال والأخرى في الجنوب، بالإضافة إلى خلافات وانقسامات داخل كل قسم ومطالبات من بعض الأقاليم بالانفصال "دارفور-النيل الأزرق-كردفان" ، وهناك أيضًا المواجهات العسكرية بين إثيوبيا وإرتيريا علي الحدود، التي تندلع بين الحين والآخر وتخلف وراءها مئات القتلى.

الباحث السوداني دكتور حيدر إبراهيم أبدى تشاؤمه من قدرة القمة العربية الإفريقية على تحسين مسار العلاقات بين الكتلتين، مشيرًا إلى الأزمات السياسية والاقتصاية التي تعاني منها دول إفريقيا ، وعدم وجود رؤية واضحة وصريحة عربيًا لاحتواء إفريقيا ، معتبرًا أن عدم قدرة السودان على التعايش بين الشمال العربي المسلم والجنوب المسيحي المتعدد الديانات يعتبر أكبر دليل على عجز العرب وإفريقيا عن توظيف القواسم المشتركة لتشكيل محور اقليمي قوي، وبدلاً من أن تكون السودان جسرًا بين العرب وإفريقيا لتقريب الرؤى، أصبحت بعد التقسيم أحد ال تحديات الذى يقف عقبة في طريق التقارب العري الإفريقي، مشيرًا إلى احتمال تكرار النموذج السوداني في نيجيريا.

انشغال معظم الدول العربية بمواجهة الآثار المتربة على الربيع العربي ومحاولة إعادة المكانة الدبلوماسية التي كانت قد فقدتها خلال السنوات السبع الماضية ، حيث عانت مصر بعد أحداث الثالث من يوليو 2013، وبذلت مجهودًا كبيرًا حتى تعود إلى أحضان الاتحاد الإفريقي بعد أن تم تجميد عضويها ، بالإضافة إلى أزمة مصر مع دول حوض النيل واتهامات إثيوبية بدعم مصر للمعارضة ردًا على أزمة سد النهضة الذي تحظى إسرائيل بحضور قوي فيه، بما يمثل ابتزازًا حقيقيًا للقاهرة والخرطوم من أجل الاستفادة من مياه النيل ، وتعاني ليبيا من انفلات الوضع الأمني بعد الثورة التي أطاحت بالقائد معمر القذافي ، والمغرب عانت من العزلة التي أفقدتها أي تحرك تجاه الدول الإفريقية وأبعدتها عن عضوية الاتحاد الإفريقي على خلفية أزمة "البوليساريو" وتحاول الرباط مؤخرًا استعادة مكانتها من خلال زيارات مكثفة للملك محمد السادس لعدد من الدول الإفريقية، وتسعى مصر كذلك لإعادة المكانة الدولية بعد موجة الربيع العربي ، والجزائر مشغولة بإدارة علاقتها مع دول الجوار وتحاول عدم التورط في أي توترات مجاورة، خصوصًا في ليبيا وتونس، بالإضافة إلى انشغالها بترتيب الأوضاع الداخلية على خلفية قضية خلافة الرئيس عبد العزيز بوتفليقة.

ويرى مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق السفير حسين هريدي أن القمة الإفريقية العربية الرابعة لن تكون محاولة لمناقشة القضايا الخلافية بقدر ما ستكون محاولة لإيجاد تواصل مؤسسي بين الكتلتين العربية والإفريقية ووضع خطوط ورسم سياسات عامة نستطيع من خلالها تقييم مدى التقارب في القمم القادمة.

"هريدي" دلل على ذلك بأن مشكلة سد النهضة بين مصر وإثيوبيا لن تكون مطروحة على مائدة القمة ، أيضًا الأزمة بين الشمال وجنوب السودان لن يتم التطرق إليها، وإنما سيكون هناك توصية من القمة بضرورة الالتزام بقرارت الأمم المتحدة والمؤسات الإفريقية في هذا الخصوص، معتبرًا أن انتظام انعقاد القمة دليل واضح على رغبة الطرفين بتعزيز التفاهم بينهما.

وتمثل إيران أحد أهم ال تحديات التي تواجه القمة العربية الإفريقية ، وتعتبر المحرك الرئيسي لدوافع الخليج نحو القارة السمراء في إطار الصراع السني الشيعي بمنطقة الخليج العربي ومحاولة تطويق دول الخليج من خلال اختراق إفريقيا، نظرًا لأهميتها في حسم الحرب اليمنية والسيطرة على منافذ البحر الأحمر الذي يمثل مرتكزًا مهمًا في تحديد شكل علاقة إيران مع الدول العربية عمومًا والخليج خصوصًا.

وهناك مؤشرات على تنسيق إسرائيلي إيراني في القارة السمراء، حيث حاولت إسرائيل الحصول على عضو مراقب في الاتحاد الإفريقي، وأوجدت إيران لنفسها مكانة مؤثرة في القارة الإفريقية، على حساب الفراغ العربي، بالإضافة إلى انتشار الأسلحة الإيرانية والإسرائيلية في حروب منطقة القرن الإفريقي "الكونغو-السودان- نيجيريا- الصومال- النيجر" ودعم الجماعات المتمردة وتسليح المعارضة، ومحاولة السيطرة على العمق الأمني لدول الخليج.

دكتور أيمن شبانة خبير الشئون الأفريقية أشار لـ"بوابة الأهرام"إلى التدخل الخارجي وبطء التفاعل بين الطرفين والذي يعكس عدم إلمام بأهمية التواصل بين العرب وإفريقيا، مشيرًا إلى أن التعاون بينهما هو تعاون نخبوي لايتعدى حدود اللقاءات التي تجمعهما.

"شبانة" لفت إلى الثروات الهائلة التي تزخر بها إفريقيا والتي تمثل مطمعًا بالنسبة للدول الإقليمية الكبرى ، حيث تعتبر القارة السمراء غنية باليورانيوم والمعادن والمياه ، وكلها ثروات تجعلها محط أطماع الدول الاستعمارية الكبرى مثل فرنسا وإيطاليا وإنجلترا ، وكلها دول تستغل علاقتها الاستعمارية بالقارة السمراء وتصنع معها خطوط تواصل بالاعتماد على إرثها الاستعماري.

الاقتصاد
من المؤكد أن القمة العربية الإفريقية ستبحث ما تم تنفيذه من قرارات في القمم السابقة، خصوصًا قمة الكويت 2013 التي عقدت تحت شعار "شركاء في التنمية والاستثمار" وذلك بمشاركة 34 رئيس دولة ووفود من 71 دولة، فضلاً عن مشاركة منظمات إقليمية ودولية، وتبحث القمة إمكانية إنشاء سوق عربية إفريقية مشتركة وتعزيز التبادل التجاري والاستثمارات والأمن الغذائي، فضلاً عن قضايا سياسية.
وقال نائب الأمين العام لجامعة الدول العربية إن الاستثمار والتعاون الاقتصادى بين الجانبين العربى والإفريقى له أهمية كبيرة أيضًا، حيث سيُعقد اجتماع وزارى مشترك بين وزراء الاقتصاد والمال من الجانبين العربى والإفريقى، والذى سيعقد قبيل انعقاد القمة لمناقشة الاستثمار بين الجانبين، وتكنولوجيا المعلومات، والطاقة، بالاضافة إلى الأمن الزراعى وهو من أهم القضايا ذات الأولوية التى تهم التعاون العربى الإفريقى، مشيرًا إلى أن وزراء الزراعة العرب والأفارقة وضعوا مسار خطة خاصة للأمن الزراعى، على أن يكون عام 2025 إنجازًا عربيًا إفريقيًا واضحًا فى هذا المجال، خاصة أن هناك 65% من الأراضى الإفريقية والعربية هى قابلة للزراعة، وغير مستثمرة وغير مستفاد منها.

رئيس اتحاد المستثمرين العرب السفير جمال بيومي قال إن القمة العربية الإفريقية ستمثل فرص ة لتفعيل التعاون الاقتصادي بين دول القارة السمراء والدول العربية ، معتبرًا أن القارة السمراء لديها من الإمكانات مايؤهلها للعب دور قوي في ترجيح موازين القوى الإقليمية ، مشيرًا إلى أهمية الصناديق العربية كصندوق التنمية العربى الإفريقى، والصناديق السيادية الوطنية كصندوق دولة الكويت والصندوق السعودى، بالإضافة إلى الصندوق المصرى، والآليات الصادرة من الدول العربية فى هذا الشأن، متوقعًا أن تسفر القمة عن مزيد من الاتفاقيات والاستثمارات بين الجانبين.

الإرهاب
تعتبر مكافحة الإرهاب من أهم الموضوعات المطروحة على خطة العمل العربية - الإفريقية للعامين المقبلين، وأحد البنود الأساسية في قمة مالابو، إضافة إلى أن الموضوع حاضر باستمرار على أجندة الاجتماعات الإفريقية والعربية، والتنسيق بين مفوضية الاتحاد الإفريقي والأمانة العامة للجامعة العربية فيما يخص المشاريع والاتفاقات الإفريقية الخاصة بمكافحة الإرهاب.

مادة إعلانية

[x]