ثقافة وفنون

"وجوه وأسرار من الحرب اللبنانية".. يكشفها نبيل المقدم

23-11-2016 | 10:40

غلاف كتاب نبيل المقدم

رؤوف الصياح
يتضمن كتاب "وجوه وأسرار من الحرب اللبنانية" للصحفي اللبناني نبيل المقدم، الصادر عن "دار نلسن للنشر"، مقابلات مع ستة عشر مسئولا من طرفي نقيض، تحاربوا بعنف مفرط بلغ حد المجازر، وينتمون الى ثلاث فئات، من سياسيين وعسكريين رسميين، ومسئولين حزبيين في أحزاب أنشأت أجهزة لها من خارج الهيكلية الرسمية لمنظومة الدولة، بدءا من سيرة أصحاب العلاقة الذاتية وارتباطهم السياسي، الأمر الذي أوصلهم إلى درجة المسئولية، ومشاركتهم في صناعة القرار السياسي والعسكري في لبنان.


تدور أحداث المقابلات في الكتاب خلال العقود الثلاثة العجاف من أواخر القرن الماضي، على أثر انهيار مؤسسات الدولة اللبنانية، لأسببب كثيرة منها، تأجيل البت في النقاط الخلافية، وغياب مفهوم الأمن القومي، وشخصية المسئولين، وبلغت الخطورة ذروتها عندما سلمت القرارات الإستراتيجية إلى أدنى درجات المسؤولية في سلم المسؤوليات، فتقاسم القرار في لبنان، قوى إقليمية ودولية، وغير لبنانية أمسكت العصا من نصفها. وتحولت الحرب اللبنانية استنادا للقانون الدولي الإنساني إلى نزاع مسلح غير دولي تطور إلى نزاع مسلح دولي.

أكدت معظم الشهادات، أن الصراع العربي الإسرائيلي، والعربي العربي، أرخيا بظلالهما على لبنان، وأن يدا خفية كانت أحيانا وراء الكثير من القرارات، وتلاقت مصلحة العديد من الأطراف كل من موقعه على توسيع رقعة الحرب في لبنان، وبات اللقاء بين اللبنانيين لإنقاذ الوطن، جعجعة من دون طحين نتيجة جدلية عقيمة، وأصبح القتل فعلًا وردة فعل، ما دفعني إلى تذكر عبارة وردت في خطاب رئيس الجمهورية الياس سركيس: إن من مات في لبنان حسبه أنه استشهد عن إيمان، لذلك سأترك للقارئ شخصيا متابعتها.

إن ما جاء في عدد من الشهادات مادة علمية يركن إليها، وتوضح أحداثا كثيرة كانت غامضة، أو ناقصة تحتاج إلى توضيح لمعرفتهم بجزء ضيق من المشهد العام، فيما ساد الغموض واختصار كبير لبعض الأحداث التي تجنب عدد منهم توضيحها لمسؤوليته أو لمناقبيته، مما يتطلب التعمق أكثر في تاريخ لبنان المعاصر، لأن عدة مقابلات، لا يمكنها أن توضح أحداث حرب دارت رحاها لمدة عقد ونيف، كادت أحداثها تخرج أحيانا عن سيطرة القوى التي رسمتها، لكنها خرجت من يد معظم القادة المسؤولين على سبيل المثال لا الحصر، معارضة الزعيم كمال جنبلاط حركة "جيش لبنان العربي الذي نشأ بصورة عفوية، وتحت ضغط يد غير منظورة، وكان الناس يلعبون بالنار من دون أن يدروا.

وكنا نحافظ على وحدة الجيش اللبناني، لأن الجيش يستطيع أن يلعب دورا مهما في الحفاظ على النظام عندما تتوقف الحوادث أو حين يقبل الملأ كله بحل سياسي" . وعارض الرئيس كميل شمعون حرب زحلة 1981، وبلغ اليأس حده مع الرئيس شفيق الوزان عندما توجه إلى السماء أن تمطر محبة.

وفيما كنت أقرأ الكتاب، شعرت مرارا بألم عميق في داخلي للطريقة العبثية التي كانت تدار بها أمور لبنان الإستراتيجية في الظروف الصعبة، فنظرت إلى مضمونه من ثلاث وجهات، النقد، والتأييد، وتقديم عدد من الاقتراحات ، للعمل منفردين ومجتمعين على بناء مجتمع يتمتع بثقافة وطنية صلبة، ومبنية على العدالة القضائية والاجتماعية، وتعطي من حق الجماعة لصالح الوطن، تلزمه الحوار الذي أقترح أن يدرج مادة إلزامية في الكليات كافة، وعدم الاحتكام إلى السلاح لدى اختلاف الرأي، وتطوير النظام التعليمي.
وضع الأستاذ المقدم كتابه بتصرف فئتين من القراء. الفئة الأولى: المؤرخون الذين يبحثون عن إقفال ثغرة في خزائن تاريخ لبنان.
الفئة الثانية: القراء الراغبون في الإطلاع على احداث تاريخ لبنان المعاصر، الأمر الذي سيدفعهم بالتالي للعودة إلى العشرات من الكتب التي أرًخت أو كتبت عن لبنان، على سبيل المثال لا الحصر، الصراع الدولي وولادة دولتي سورية ولبنان، الحروب السرية في لبنان، المذكرات لفؤاد بطرس، حرب لبنان بجزئيه للدكتور عبد الرؤوف سنو، لبنان العبث السياسي والمصير المجهول، الشريط اللبناني المحتل، كمال جنبلاط الرجل والأسطورة، هذه وصيتي، تفكك أوصال الدولة اللبنانية، المكتب الثاني حاكم في الظل. فؤاد شهاب ذلك المجهول. في عين العاصفة اللواء سامي الخطيب، لبنان تعايش في زمن الحرب، إضافة إلى الكتب التي صدرت باللغات الأجنبية عن هذه الحقبة.

أما من الناحية الإستراتيجية لا بد من العودة إلى كتاب كارل فون كلاوزفيتز الذي تعتمده إسرائيل في إستراتيجتها لمحاربة العالم العربي، المبنية على تدمير الحاكم والجيش والشعب، وأخيرا احتلال العاصمة، مما يدل على العمق الإستراتيجي للمشكلة اللبنانية، من الصاعقة العثمانية التي أرعبت أوروبا قبل القرن الثامن عشر، مرورا بأحداث دامية داخل السلطنة العثمانية، ومؤتمر كامبل بنرمان 1905 - 1907، الذي نتج عنه وعد بلفور، لنذهب إلى الأرشيف الذي أفرجت عنه الدول الفاعلة، فالواقع ليس بالسهولة التي تحدثوا عنها.

أتوجه بالشكر للأستاذ المقدم لشجاعته على إصدار كتاب يؤرخ شهادات شخصيات شاركت في الحرب، نادرا في عالمنا الشرقي ما يبوح أصحابها بأسرار اطلعوا عليها، أو كانوا مسؤولين عن أحداث في تلك الحقبة، فيما ندر أن دون بعضهم مذكراته وأودعها في خزائن حديدية تنشر بعد وفاتهم. وأتمنى أيضا، أن يطرق باب القضاة لكتابة مذكراتهم، حيث العالم الكبير من مخزون الأسرار والمسؤوليات التي فقد جزء كبير منها بموت من أؤتمن عليها، وتأريخ الوجه الآخر للحرب، والإضاءة عليه، لأن هناك أبطالا قاتلوا بطريقتهم واستشهدوا من أجل السلام في لبنان والعيش المشترك.

أقيم في فنلندا تمثال بعنوان "اقرأ حتى وإن كنت تغرق". في لبنان، ستتكرر الأحداث نظرا لغياب الكتاب من أيدي معظم الشباب، فالإنسان الذي يقتل وليس الدين. قد يقتل الطبيب مريضا من أصل آلاف المرضى لخطأ في التشخيص، لكن المؤرخ إذا أساء التأريخ سوف يساعد على اقتتال شعب بأكمله. من هنا، دون الأستاذ مقدم شهاداتهم من باب مسؤوليته الوطنية، ودفع بها أمام محكمة التاريخ، نظرا لتغيب الدور السيادي للقضاء اللبناني للنظر حتى في الأحداث المهمة، الأمر الذي حدا بالدول الفاعلة دوليا وإقليميا، والأحزاب المسلحة، إلى تأليف محاكم خاصة في لبنان عبر التاريخ، إضافة لسوق لبنانيين لمحاكتهم خارج الأراضي اللبنانية، ومنهم من اختفت آثاره.

أخيرا، لقد فقدنا زهرة الشباب دون أن نعيش الفرح والسلام، أرهق اللبنانيون وتملك اليأس الأكثرية التي تنحت جانبا أو هاجرت، لذلك أتمنى على جميع المثقفين أن يتحدوا لإنقاذ لبنان وجعله حصنا منيعا، وبناء إستراتيجية وطنية لحماية الأمن القومي اللبناني بقيادة قادة حكماء وعقلاء يتولون إدارة لبنان الذي تحول موقعه الجغرافي إلى نقطة إستراتيجية ساخنة، وقتل العشق المتبادل بين الشعب وجلاده، وإلغاء عبارة "التاريخ يعيد نفسه لكن بغير أشخاص" لزرع الأمل في قلوب أجيالنا الصاعدة والواعدة.
--------
د.رؤوف الصياح
عميد ركن متقاعد في الجيش اللبناني

اقرأ ايضا:

الاكثر قراءة

مواقيت الصلاة

اسعار العملات

درجات الحرارة