ثقافة وفنون

تبادلية الهامش والمركز فى رواية "فى الهُنا" لطالب الرفاعى

20-11-2016 | 13:02

طالب الرفاعي

منير عتيبة
فازت رواية "فى الهُنا" للكاتب الكويتى الكبير طالب الرفاعى بجائزة الدولة، وهذه القراءة تحاول استجلاء بعض مكامن التميز فى هذه الرواية.


يواصل الكاتب الكويتى طالب الرفاعى الحفر عميقًا فى أسس بنية العلاقات الاجتماعية فى المجتمع الكويتى من خلال "التيمة" الأثيرة لديه، العلاقة بين الرجل والمرأة، وهو الموضوع الذى تناوله بأشكال مختلفة فى أعمال روائية وقصصية سابقة، فما الذى تضيفه روايته الجديدة "فى الهُنا" الصادرة فى نوفمبر2014؟

الاستخدام المختلف للمكان، وتعدد الأصوات الروائية بشكل جديد فى إطار فكرة الهامش والمركز ما بين الروائى والاجتماعى، هو ما تطمح هذه القراءة لإلقاء الضوء عليه، لأنه ما يمنح تميز هذه الرواية، ويحقق رسالتها الأساسية أيضا.

اعتدنا أن يكون المكان مسرحًا لأحداث العمل السردى أو خلفية لها، وتغيير المكان فى هذه الحالة لا يؤثر كثيرًا على العمل، وبعض الأعمال تستخدمه كعنصر أساسى من العناصر المكونة للعمل لا يمكن تغييره أو الاستغناء عنه، لكن طالب الرفاعى يستخدم المكان فى روايته كحالة تؤطر العمل السردى كله، وكشريان تجرى دماء السرد فيه، بداية من الغلاف الذى يمثل حجرة مكتب طالب الرفاعى، ومكتبه وجهاز الكمبيوتر، حيث المكان الذى انطلقت منه الرواية وكتبت فيه باستخدام هذا الجهاز ذاته، والعنوان "فى الهُنا" الذى يوضح مركزية المكان فى الرواية.

فالمكان فى هذه الرواية كفكرة مجردة هو أرض الأحداث وسماؤها، وهو سبب ركودها وحركتها معا، والمكان المحدد بمواصفات معينة هو فاعل رئيسى إن لم يكن الفاعل الرئيسى فى الرواية كلها، وتحتوى الرواية على مكانين يعدان فكرة مكانية مجردة ومعادلا للأفكار الحاكمة للمجتمع ككل وهما الكويت، وانجلترا، وهناك مكانان محددان بمواصفات معينة هما حجرة طالب الرفاعى الروائى وأحد شخصيات العمل فى الوقت نفسه، وحجرة نوم بل سرير البطلة كوثر فى حجرة نومها، إضافة إلى أماكن أخرى مهمة وإن تكن بدرجة أقل مثل مكتبة والد كوثر وشقتها التى تقابل فيها مشارى.

وقد استخدم طالب الرفاعى المكان المجرد/ الفكرة ليعبر عن مجتمع هذا المكان، فترى الشخصيات متحفظة، خائفة، مراقبة، تتحسس تصرفاتها وأقوالها ومشاعرها لأن هناك من سيقوم بذلك ضدها، وذلك فى المكان الكويتى، أما فى المكان الإنجليزى فتكون الشخصيات على طبيعتها، تفعل وتقول ما تريد فى الوقت الذى تشاء، وقد بدت هذه المقارنة واضحة فى الفصل رقم (9)، فهو الفصل الذى يضج بالحياة بين كوثر ومشارى بطلى الرواية، حتى إنها تمنحه عذريتها بكامل رضاها، لكنه الفصل نفسه التى تحكى فيه قصة موت أبيها فى الكويت، وكأن أحد المكانين يرمز بما فيه من قيم إلى الحياة والآخر إلى الموت، لكن الكاتب لا يترك المقارنة إلى ما لا نهاية وكأن المكان الذى يوجد فيه الإنسان وحده يشكل تصرفاته، فتدب معركة بين مشارى وكوثر فى عز لحظات حبهما، إشارة إلى أن المكان الأول الذى شكل الشخصية هو الذى يتحكم فيها فى النهاية حتى وإن ظنت أنها تحررت منه تماما، فـ (هُنا) الشخصية لا يفارقها أبدا.

فإذا كان المكان المجرد يمثل القيد على القيم التى يشعر ويفكر ويتحرك ويتصرف الإنسان من خلالها، فالأماكن المحددة تمثل قيدًا على التصرفات اليومية للشخصية، حيث تصبح كل شخصية أسيرة الهُنا الخاص بها، فطالب أسير مكتبة الذى تم وضعه فيه بعد أن سحبت منه كل أعماله وسلطاته، فأصبح يقتل الوقت الطويل الممل بالقراءة والكتابة، ويحاول أن يخرج من سجن المكتب الضيق إلى رحابة حكايات الآخرين، لكنه مجرد شخص عابر فى هذه الحكايات، يعرف بها لكن لا يؤثر فيها، وربما لأنه بلا سلطة على أرض الواقع فقد ترك حتى سلطة الحكى لكوثر بطلة العمل، هو لا يحكى سوى صفحات قليلة شبه مكررة عن حاله لتمثل ما فيه من ملل ورتابة، ولتؤدى بعدًا إضافيًا فى حكاية كوثر، وهو التأكيد على سجن الهُنا الذى لا فكاك لأحد منه. ووالد كوثر سجين مكتبته فى بيته، لا يكاد يفارقها، منعزلا عن المجتمع بعد أن كان شابا ليبراليا منفتحا.

تأخذه حماسة الثورات العربية لفترة، تمنحه الأمل فى تحقيق أحلام الستينيات العروبية، ثم تلقيه فى هوة اليأس بما آلت إليه هذه الثورات من ركوب الإسلاميين موجتها، وأنهار الدماء التى لطختها، هو أيضا سجين هُناه الخاصة لدرجة أن هذا المتحرر الذى وقف فى وجه أبيه وعائلته لتتزوج أخته الشيعية من شاب سنى، يعلن رفضه أن تتزوج ابنته من رجل سنى، وكأن الهنا المجردة/المجتمع قد انتصرت فى النهاية على محالاوت الشخصية للفكاك منها. أما كوثر فهى سجينة سريرها تجتر ذكرياتها طفلة وشابة وامرأة وعاشقة تقبل الزواج السرى من رجل متزوج ولديه أطفال، بعد أن كانت نمرة متوحشة تأخذ حقها من المجتمع والناس بيديها منذ طفولتها، هى سجينة المرأة التى يشكلها الهُنا، والتى تتصارع مع المرأة التى تظنها هى عن نفسها.

وبذا يصبح الهنا بمعنييه أو بمستوييه السابقين مركزا ضاغطا على الشخصية، وتصبح هى هامشه غير المذكور، وإن كانت تريد أن تبدو غير ذلك، فلا يملك الروائى إنصافها سوى بإعطائها مركزية السرد مقابل هامشيتها المجتمعية.

لا يكتفى طالب الرفاعى بتعويض المرأة عن دورها الهامشى اجتماعيا بإعطائها دورا سرديا مركزيا، بل إنه يلعب لعبة تقنية مزدوجة بأن يسخر من هذه المركزية السردية التى صنعها بنفسه، وكأنه تأكيد آخر على عدم القدرة على التملص من تلك الهامشية وهذا الضغط المجتمعى.
تحتوى الرواية على 13 فصلًا يمكن تقسيمها إلى خمس مجموعات، تتكون كل مجموعة من المجموعات الأربع الأولى من ثلاثة فصول على التوالى، وتتكون المجموعة الخامسة من الفصل الأخير.

يسير السرد على نفس الوتيرة فى المجموعات الأربع الأولى، أول فصل فى كل مجموعة يروى بصوت الإنسان/ طالب الرفاعى الذى يتحدث عن نفسه فى مكتبه، العزلة الإجبارية/الاختيارية التى يعيش فيها، وهذه الفصول هى 1و4و7و10، وهى مؤطرة بأغنية كويتية شعبية يغنيها المطرب محمود الكويتى من كلمات الشاعر خميس بن محمد الشمرى وتلحين حمد الرجيب، وهى الأغنية التى تتغزل فى الحبيبة وتمتدحها، وهى ليست أغنية مجانية بل تحقق ما يصبو إلى توصيله الروائى من تناقض بين الأفق الرحب للأغنية والضيق الخانق للمكان، كما يمتد التأثير على باقى الرواية، فالمرأة المقهورة والمهمشة فى المجتمع هى نفسها المرأة التى يغنى لها هذا المجتمع، وكأن الفن يصرخ فى برية لن يسمعه فيها أحد.

أما ثانى فصل فى كل مجموعة وهى الفصول 2و5و8و11 فيتحدث فيه الروائى/ طالب الرفاعى إلى كوثر بصفته صديق والدها وأحد شخوص حكايتها، وبصفتها ابنة صديقه وشخصية روائية فى روايته، ليمهد لما ستحكيه هى، أو يلقى الضوء على فكرة مهمة، أو يربط بما قيل فى فصل سابق لها وما سيقال فى فصل لاحق. يبدأ كل فصل من هذه الفصول بجملة مفتاحية بين قوسين وبخط ثقيل على لسان كوثر، ويلعب الكاتب بهذه الجمل المفتاحية لعبة تقنية كالتى قدمها الكاتب الإيطالى إيتالو كالفينو فى روايته "لو كان مسافرًا فى ليلة شتاء" التى قدم فيها ست روايات فى رواية واحدة وعناوين هذه الروايات الست تشكل المعنى الرئيسى للعمل ككل، فالجمل التى قدمها طالب الرفاعى هنا "إذا استلمت ورقة".. "زواجنا بيدي".. "فسأبدأ مشوار".. "حياتي الجديدة معك"، كل جملة منها تعد مدخلا للفصل التى ستتحدث فيه كوثر، لكن الجمل الأربع معا وبهذا الترتيب تقدم الفكرة الأساس للرواية ككل، فحياة كوثر الجديدة مع مشارى ستبدأ باستلامها ورقة الزواج بيدها، لكنها تقول (إذا) بما يعنى الاحتمالية، تلك الاحتمالية التى تقدم فى بداية الرواية، يتركها الكاتب لنا بدون حسم فى آخرها، وكأنها إشارة إلى أن فكرة كوثر نفسها، تلك المتمردة على مجتمعها، عندما أحبت، انحصرت فى الزواج وكأنه حل، فى حين أن الزواج فى حالتها جزء من المشكلة ومعبر عن أعماقها فى الوقت ذاته، وربما سيكون الزواج نفسه بداية لمشكلة أو مشاكل أكبر، وهذا التعامل التقنى الرهيف مع المعنى الكلى للعمل قد يحتاج قارئا من نوع خاص، لكنه يحقق متعة للذائقة والفكر قلما يكون لها مثيل، فلا شئ مجانى فى الأعمال الجيدة.

وثالث فصل فى كل مجموعة هو أكبر فصولها ويشتمل على الفصول 3و6و9و12 حيث تتحدث كوثر إلى مشارى لتروى قصتها قبل أن تعرفه، وبعد أن عرفته، أفكارها، مشاعرها، علاقاتها الأسرية والاجتماعية إلخ. ويأتى الفصل الأخير الثالث عشر ليغلق دائرة السرد حيث أنه يروى بالطريقة نفسها والسارد نفسه والموضوع ذاته الموجود فى الفصل الأول.

هنا يبدو ظاهريا أن طالب يتذكر حكايته الخاصة بمناسبة حكاية كوثر، ويوجه حديثه إليها، ويترك لها مقود السرد لتنطلق فيه بحريتها، لكننا نكتشف السخرية التقنية عندما نلاحظ أن الأنثى/كوثر عندما منحت مركزية السرد أعطتها فورا إلى مشارى/ الرجل كما اعتادت أن تفعل كل النساء فى مجتمعها، فهى توجه حكيها إليه، وهى تحكى كل ما يخصها فى مواجهته وبمناسبة وجوده، ليصبح هو المركز الذى تتحرك حوله حبا وعشقا ورفضا وغضبا، لكنه المركز المهيمن على كل لحظات حكيها.

وإذا كان الفصل الأخير يغلق دائرة الحكى على المستوى السردى، فإنه يغلقها أيضا على المستوى الموضوعى، فطالب لا يعرف ما انتهت إليه قصة مشارى وكوثر، ولا يريد أن يعرف، وهو غارق فى هُناه الخاصة الكئيبة، فلا يتصور أن أحدا سيستطيع أن يتحرر من سجن "هُناه"، ليظل المجتمع/الهُنا الفكرة الكبرى المجردة جاثما على عقول وقلوب أفراده الواقعيين والروائيين، وحتى الناقد الذى يكتب هنا والذى كرر فكرة أنه لا فكاك من هذا المجتمع وضغوطه كثيرا بطريقة لا شعورية ضاغطة!

اقرأ ايضا:

مواقيت الصلاة

اسعار العملات

درجات الحرارة