"الصنادقية".. حارة تحولت من سوق رائج إلى فقر وبؤس بقرار محافظ

26-10-2011 | 16:34

 

فاطمة إسماعيل

حارة "الصنادقية" التي تبدأ من ناحية شارع المعز لدين الله الفاطمي، بمحل قديم للعطارة، كانت أحد أهم الأسواق القديمة فى منطقة الأزهر، لكنها تعيش منذ 6 سنوات مأساة بدأت مع قرار محافظ القاهرة الأسبق عبد الرحيم شحاتة بمنع دخول وسائل النقل إلى منطقة الأزهر والحسين, وهو ما قضى تماما على النشاط التجاري.


عندما تمر بحارة "الصنادقية" العجوز.. الحارة الضيقة، وكلما تقدمت خطوات على أرضها غير الممهدة، المليئة بالمرتفعات والحفر، تكاد تسمع صوتًا لهذه الحارة وهى تشكو ضعف قوتها وقلة حيلتها وهوانها على كل من كان سببا في حالة البؤس والكساد الذى خيم عليها وعلى أهلها.

جوه "الصنادقية".. ناس عايشة منسية
وعم أحمد م الصبح للعصرية
ينادي بصوت مبحوح.. يارب إبعت زبون
وأبو السيد يرد يقول.. دي حارة ولا حصار
زبونا ولّى وطار.. شي لله يام العواجز
مدد يا سيدنا الحسين مدد.. ارفع عنَا البلاوي
ورجّع الماضي واللي انكسر

عندما تمر بحارة "الصنادقية" العجوز.. الحارة الضيقة، وكلما تقدمت خطوات على أرضها غير الممهدة، المليئة بالمرتفعات والحفر، تكاد تسمع صوتًا لهذه الحارة وهى تشكو ضعف قوتها وقلة حيلتها وهوانها على كل من كان سببا في حالة البؤس والكساد الذى خيم عليها وعلى أهلها. وحوّل عدد كبير منهم إلى كتيبة من العاطلين. بعد أن ظلوا لسنوات من أشهر تجار المنتجات الورقية ومستلزمات المدارس.

حارة "الصنادقية" التى تعانى من "وقف الحال"، كانت أحد أهم الأسواق القديمة، وهى تبدأ من ناحية شارع المعز لدين الله الفاطمي، بمحل قديم للعطارة لصاحبه الحاج حسن أحمد، وهو من مواليد ثلاثينيات القرن الماضي، والذي حكى لنا سبب تسميتها بأنها كانت سوقا لصناعة وبيع الصناديق الخاصة بالعروس. وهى من أشهر الأسواق القديمة أيضا فى بيع البخور والتوابل والعطور. كما اشتهرت قديمًا بتجارة المسلى الدسم الذي يخزن في براميل كبيرة ويتم بيعه للناس في أكياس باستخدام "أكواز صفيحية"، إضافة إلى التجارة الرئيسية بها حتى الآن.
كما تعد السوق الأهم لتجارة الكراسات والكشاكيل ومستلزمات المدارس، ومنها كشكول "الشمرلي" القديم، الذى لا يمكنك العثور عليه إلا فى هذا المكان، ولا تعرف سر تمسك الأمهات بشرائه حتى الآن.

مأساة “الصنادقية” تعود إلى مايقرب من ستة أعوام، مع قرار محافظ القاهرة الأسبق عبد الرحيم شحاتة بمنع دخول وسائل النقل (الأتوبيس أو سيارات النقل بأحجامها) إلى منطقة الأزهر والحسين, وهو ما قضى تماما على النشاط التجاري الرئيسى لـ"الصناديقية" وهو بيع المنتجات الورقية, ومستلزمات المدارس، ليواجه التجار وأصحاب المصانع معاناة حقيقية فى نقل بضائعهم، بأن يستبدلوا السيارات بعربات حديدية يجرها عدد من الشباب مفتولي العضلات يشقون الزحام بصعوبة بالغة. وهو ما يزيد من تكلفة هذه البضائع ويضطر الزبائن بدورهم لتحملها.
خطوات قليلة داخل الشارع، تتشبع أنفك فيها برائحة البخور، ويمتلئ نظرك بصور جدران المنازل القديمة، إلى أن تستوقفك ملامح الضيق والحزن المرسومة على وجه إبراهيم الفرماوي أحد التجار، الذي يقول: الشارع حاليا ميت تجاريا، والمحلات شبه مغلقة، لعدم وجود المواصلات العامة التى تنقل الزبائن من أحياء مصر المختلفة إلى منطقة الحسين والأزهر مما أدى إلى وقف الحركة التجارية.
وهو الكلام نفسه الذى قاله الحاج أحمد المغربى عن مشكلة النقل، حيث أكد أن قرار المحافظ تسبب فى بيع 18 سيارة "نصف نقل"، كانت تقوم بنقل البضائع من وإلى السوق, واضطر المغربي للاحتفاظ بسيارته النصف نقل حتى لا يقوم بقطع عيش السائق الذى يعمل عليها فهو يعول أسرة كبيرة.
ويضيف أن هذا القرار جعل البضائع عرضة للسرقة, حيث يتم نقلها من موقف الدراسة إلى الحارة بواسطة عربات حديدية، الأمر الذى يسهل سرقتها أو ضياعها أثناء نزول تلك البضاعة وتحميلها على العربات.
مشكلة أخرى يتحملها تجار “الصنادقية” دون ذنب. فرغم الانتهاء من ترميم وتطوير وكالة ”الصنادقية” المغلقة منذ عام 2002، والتى تضم 15 مخزنا، و12 محلا، فإن شركة المقاولون العرب ترفض تسليمها بسبب عدم دفع هيئة الآثار –المسؤلة عن الوكالة- لباقى مستحقاتها، الأمر الذي جعل أصحاب تلك المحلات يقومون بعرض بضائعهم أمام الوكالة.
وعلى الرغم من ذلك يؤكد حسن عبد الواحد، أحد أصحاب هذه المحلات، اضطراره لدفع مبلغ 301 جنيه شهريًا قيمة محضر أشغال وإزالة، رغم أنه المتضرر من غلق محله.
صالح الفرماوى، أحد تجار”الصنادقية”، يحمّل محافظ القاهرة الأسبق عبد الرحيم شحاتة مسئولية انهيار شارع “الصنادقية” ومحلاته البالغ عددها 275. وإعلان بعض تجاره إفلاسهم، وبيع البعض لمحلاتهم بأسعار أقل بكثير من قيمتها الحقيقية نظرا لحالة الركود التى تجتاح الشارع. وقال الفرماوى: إنه كان يعمل وهو شاب ضمن 33 عاملا على "فاترينة" للحاج سمير الطوخى الذى قام بإشهار إفلاسه. وهو ماحدث مع أغلب التجار أيضا ومنهم الحاج فوزى علي الذى قام ببيع محاله، والحاج يحيى الذى قلص عدد العمال لديه من 178 إلى 20 عاملا، وغيرهم كثيرون.
مشهد آخر ربما يلخص ما وصل إليه الحال فى هذا الشارع، حيث ترتفع أكوام القمامة على سطح أحد المحلات، بعد أن أصبح خاليا من البضاعة، وأهمله صاحبه. بعده بقليل توقفت أمام أحد المحلات لأعرف المزيد من صاحبه، يقول الحاج أحمد عبد الراضى من كبار تجار “الصنادقية”: تخيلى سوقا بهذا الحجم لا توجد به حنفية حريق، الأمر الذى نتج عنه أننى خسرت 13 مليون جنيه. ونظرا لضيق الشارع كان من الصعب على عربات الإطفاء الدخول.
فى منتصف الشارع يأتي محل الحاج سعد الأبيض، وهو من أقدم المحلات الموجودة فى القاهرة لبيع خيوط الحرير، ويقول ابنه: ارفعوا أيديكم عن المناطق التجارية، التى قضت عليها قرارات الدولة بحجة أن عادم وسائل النقل العام يضر بالآثار، وهو أمر غير صحيح لأن تلك الآثار توجد بداخل شارع المعز لدين الله الفاطمي والخيامية والدرب الأحمر والغورية، وليست فى شارع “الصنادقية”، فلماذا يتم إغلاقه.
قبل نهاية الحارة تتراص العربات الحديدية الصغيرة لنقل البضائع يجاورها مجموعة من الشباب ويتوسطهم محمد أبو السيد، شيخ الشيالين، الذي صرخ وقال: "إرحموا شارع “الصنادقية”.. الزبائن هربت إلى الفجالة وحارة اليهود. التجار والشيالين كلهم أصبحوا بلا عمل".
"شبح الفراغ" الذي يعاني منه المقهى الموجود بنهاية الشارع يلفت نظرك ولو لدقيقة, ويقول عنه صاحب المقهي ربيع محمد: فتحت المقهى منذ أكثر من 40 عاما, لكنى لم أر مثل تلك الحالة التى تمر بها “الصنادقية” حاليا. فبعد أن كنا نستقبل الزبائن والتجار. أصبح السوق خاليا، والمقهى لا يجد من يجلس عليه. لذلك اضطررت للاستغناء عن العمال واكتفيت باثنين فقط، بعد أن كانوا أكثر من عشرة عمال.