ثقافة وفنون

النص الخفي وأسئلة الرواية.. قراءة في "تغريبة بني صابر"

15-11-2016 | 18:01

أرشيفية

منير عتيبة
نص بلا أسئلة لا يبدو جديرًا بالقراءة أو الاهتمام، فما يصنع فارقًا بين نص وآخر هو وجود أسئلة فى أحدهما لا توجد فى الآخر، ونوعية وشمولية ووضوح وخفاء وعمق وكيفية طرح هذه الأسئلة هو ما يصنع فارقا بين نص وآخر لكل منهما أسئلته، قد تكون الأسئلة خاصة بالنوع الأدبى، أو شكل الكتابة، قد تكون أسئلة وجود، أو محاكمة تاريخ أو عقيدة أو عادات، قد تكون أسئلة استكشاف للمعرفة، قد تكون أسئلة حول الذات الساردة نفسها، أو حول المسرود عنه، بل قد تكون أسئلة حول المسرود له، لكنها فى كل الأحوال لابد أن توجد.


أسئلة النص الأدبى أو ما أطلق عليه هنا النص الخفى لابد أن تكون من الخفاء بحيث يكون العثور عليها رحلة بها من المشقة واللذة ما يعادل معاناة ومتعة الكاتب فى إنتاج نصه. وأن تكون من الوضوح بحيث يمكن تتبعها والبرهنة عليها للآخرين. وأن تكون من المرونة بحيث يمكن أن تصلح لأى قارئ من آلاف أو ملايين القراء المتوقعين والمختلفين فيما بينهم اختلافا بينا. وأن تكون من العمق بحيث تخترق الأسئلة الكبرى التى يسألها أو يمكن أن يسألها القارئ لنفسه قبل أو بعد قراءة النص الأدبى، أسئلة الذات والوجود. وأن تكون أسئلة فارقة لا يستطيع أن يتجاوزها الإنسان، من دون أن تحاول تقديم إجابة واضحة أو نهائية أو وجهة نظر فى إجابة يمكن أن تخنق الأفق الرحب للسؤال.

النص الخفى هو النص الحقيقى الذى يسعى الكاتب إلى إنتاجه، هو الدافع للكتابة، هو الناتج المرجو منها، وبقدر استطاعة الكاتب تقديم "نص خفى" متميز بقدر بقاء عمله وقدرته على التحاور مع القراءات المختلفة له.

وفى روايته "تغريبة بنى صابر" يضحى الروائى مختار سعد شحاتة بإحدى أهم صفات النص الخفى، وهى الخفاء والغموض فيقدم أسئلة النص بشكل واضح لا يمكن تجاهله، لكنه يعوض هذه التضحية باللعب التقنى بأسئلته فيجعلها ختامًا لمشاهد الرواية، وكوبرى الانتقال بين المشهد وما يليه، والأهم أنه يجعل من تطورها دليلاً على التطور الروحى والمعرفى لبطل الرواية نور حسن مسعود.

تسعى تغريبة بنى صابر إلى إعادة إنتاج أساطير الخلق بشكل روائى، فتصبح بحيرة البرلس (تحديدا الطرف الجنوبى الغربى من البحيرة) هى العالم الذى يُخلق من جديد، وناس البحيرة وحكاياتهم أنموذجا للحكايات الكبرى فى تاريخ الإنسانية، ومثل هذه الغايات يصعب وضعها فى رواية تتحدث عن الحاضر، وغالبا ما يحكيها الروائيون فى الماضى السحيق أو القريب، لكن الكاتب هنا يختار أن يتقدم للأمام عقدين من الزمان لتدور أحداث روايته فى سنة 2027، ولتكون لديه الحرية بالتالى ليتحدث عن الأحداث السياسية الكبرى التى عشناها فى الأعوام الثلاثة الأخيرة بحرية بصفتها تاريخ مضى، فقد نشر روايته سنة 2013 وهو يتناول فيها أحداثًا سياسية دارت فى نفس العام، وبما يتيح له أن يلعب لعبة مزدوجة وممتعة وهى استشراف المستقبل القريب، والحديث عنه على أنه ماض قريب معًا.

الكاتب مهموم بشكل واضح بالأسطورة، فالمكان والزمان والأشخاص والأحداث يتم أسطرتهم جميعا، لكنه يفعل ذلك متوخيا إيصال جرعة اللذة الحكائية إلى القارئ فى الوقت الذى يضع كل هذه الأساطير على محك أسئلته الروائية، وهو سبب آخر لتضحيته بمبدأ خفاء الأسئلة.

إن التغريبة حركة فى المكان والزمان معا، ولم يأل الكاتب جهدا فى تغريب أبطال عمله فى أماكن مختلفة من العالم مصر والسويد وفنلندا والمغرب إلخ، وكذلك غربتهم فى الزمان حيث توجد كل شخصية فى أكثر من زمن لأن كل شخصية تأخذ من أخرى حقيقية أو تخيلية حتى أن نور حسن يشعر أنه هو نفسه عمه مصطفى ويتحدث بلسانه وأفكاره ونبرات صوته، ويرى بهلة الأسطورية فى أكثر من شخصية من الشخصيات النسائية بالرواية، وقد أولى الكاتب لتغريبة الزمان عناية خاصة على مستوى شكل عمله الروائى، فالزمان فى التغريبة يقاس بالسنين، والسنة اثنا عشر شهرا، لذلك يضع الكاتب روايته فى اثني عشر فصلا، وهو ما يحقق دائرية الزمن التى تشير إليها الرواية وأسئلتها مرارا، حيث تتكرر الأحداث، وتتلبس الشخصيات ببعضها، وتكتمل دوائر النهايات وتتشابك، لكن السنة أيضا رغم انغلاق دائرتها على نفسها تنفتح على سنة جديدة، لذلك لا يسمى الكاتب فصل الرواية الأخير بالفصل الثالث عشر بل يطلق عليه "فصل آخر وليس أخيرا" ويعطيه اسم حسن والد البطل الذى كانت رحلته كلها من أجل العثور عليه بعد اختفائه، والذى يتم البحث عنه فى كل مكان بعيد ويتم العثور عليه فى أقرب مكان يكون ابنه فيه طوال الوقت، وهى الثيمة التى استخدمت كثيرا فى القص الشعبى، واستفاد منها باولو كويلهو فى روايته الشهيرة السيميائى، لأن الرحلة فى حد ذاتها هى الهدف، رحلة البحث عن الذات ومعرفة الوجود.
وإذا كان الكاتب حريصًا على روح الأسطورة فى روايته فهو يستخدم هذه الروح على مستوى الشكل الروائى، فتعدد طبقات الحكى والمعرفة فى الأسطورة يستخدمها الكاتب فى تقديم ثلاث طبقات من النصوص فى عمله الروائى غير النص الخفى نفسه.

ففى بداية كل فصل يقدم واحدة من أغانى الحدى التراثية لمنطقة بحيرة البرلس، وكأنها تؤطر العالم الذى يلجه الروائى، ويستخدم هذا الإطار أحيانا بشكل إشارى فهو يستعين بنفس المقطع فى الفصل التاسع/الجدة والفصل الأخير/حسن لينبه القارئ إلى التشابه بين الاثنين، وإلى ارتباطهما واكتمال إغلاق دائرة الأسطورة بهما معا، حيث يشير هذا المقطع إلى العقل الذى طار فلم يعد العالم يُرى به وحده، وإلى الدار التى بناها الموج ليعيش فيها البشر:
يا بِتْ..قولى لأبوكى..
يحجزك فى الدار..
لأنا جدع صغير..
والعقل منى طار..
شط البحور مرقدى..
والموج بنى لى دار

ويقدم فى الطبقة الثانية حديثًا إلى النفس والآخر يشبه تهويمات التعويذات السحرية التى تشير من طرف خفى إلى عمق ما سيقدمه الفصل الروائى من خلف الحكاية نفسها، ولا نعرف باليقين (وإن كنا نستشعر ذلك فصلا بعد آخر) من المتحدث فى هذه الطبقة النصية الروائية إلا فى الفصل الأخير، فنكتشف أنه صوت الوجود يتحدث إلى إشراق أحيانا ويتحدث من خلالها أحيانًا ويندمجان معًا أحيانا أخرى، حيث يضيف الكاتب/الراوى العليم بعد انتهاء كلام الصوت (قال الصوت لإشراق، ثم نامت فى النور للأبد كما نامت عروس ليلة عرسها).

أما الطبقة الروائية الثالثة فهى متنه الحكائى بما فيه من شخصيات وأحداث تخدم جميعا فكرة الأسطورة التى يتغيا الكاتب إسباغها على عمله مستفيدًا من أساطير الخلق والتاريخ الدينى الأسطورى فى الديانات السماوية بشكل أساسى.

أما نصه الخفى أو أسئلة روايته فيقدمها الكاتب فى صيغة معلومة ثم سؤال، معلومة يقدمها الأب، ثم سؤال يطرحه الابن، فيكون تعليقا على المشهد المنتهى وتوطئة للمشهد التالى، وفتحا لأفق التساؤل والمعرفة فيما وراء الحكاية المروية، وتتدرج هذه الأسئلة مع البطل نور حسن مسعود، من أسئلة محاكمة حضارية، حيث أنه الأووربى السويدى بالتربية وإن يكن أبوه مصرى، يتعجب ويحاكم الأفكار والعادات التى يحكى له الأب عنها، ثم تبدأ الأسئلة لتكون أسئلة تعرف على الذات والوجود بدخول نور فى العالم الأسطورى الذى كان يحكى له أبوه عنه ليصبح أحد أفراده الأساسيين وإن يكن من موقع المراقب أكثر منه من موقع الفاعل.

ويمكن رؤية تغطية هذه الأسئلة لعدد كبير من جوانب الحياة، بداية من السؤال حول الإله وعلاقته بالإنسان، والكون والوجود والمصير، والأفكار الشعبية حول الدين، والعادات الاجتماعية، والمرأة، والحب إلخ حتى أننا لو وضعنا هذه الأسئلة معا، وبدأنا ترتيبها وفقا للموضوع لوجدناها تغطى معظم الأسئلة الوجودية والسياسية والاجتماعية التى تشغل الكاتب والقارئ معا، ومن نماذج هذه الأسئلة:
عن المرأة:
"في بلدتنا يؤمنون أن النساء كالبلطية أو شجرة الصفصاف".حكى أبي.
-" هكذا فقط لحم وظل؟! وروحها ألا يؤمنون بها؟!" سألت أبى.

عن علاقة الإنسان بالسماء:
"أصلي لأحفظ الشعرة بيني وبين السماء أن تنقطع". قال أبي.
- "وهل نحتاج إلى شعرة أن تربط بيننا وبين السماء؟!" . سألتُ أبي.
عن علاقة الإنسان بالقدر:
"يا ولدي إنما تحبسنا أقدارنا". قال أبى.
- "ألا تحررنا أقدارنا يا أبي أبدا؟!". سألت أبى
عن التناقض بين التمسك بالجذور والتغرب عنها:
"أجمل ما فى بيتنا أنه مثل الماء، يمنح الحياة دومًا". قال أبي.
- "إلى هذه الدرجة تحبون البيت؟ فكيف ابتعدتم عنه؟!" . سألت أبي
عن العلاقة بالماضى والحاضر:
"في بلدتنا نثق في ماضينا والغيب كثيرًا". علّق أبي.
- "وحاضركم، أليس هو الأولى بثقتكم تلك؟!". سألت أبي.
عن الإيمان بالغيبيات:
"فى حرب النكسة1967، يقولون بأن الأضرحة حمت البلدة من قنابل طائرات اليهود". قال أبي.
- "وهل يحمي الأموات فى بلدكم الأحياء يا أبي؟". سألت أبي.
على أنه يختم روايته كالتالى:
"ألهذا الحد تحبون بلدتكم تلك يا أبي رغم ما فيها وتعرفون؟!". سألت أبي.
- "في بلدتنا عرفنا الحب أعمى عن العيوب يا ولدي". قال أبي
حيث يكون السؤال أولا ثم المعلومة التى يقدمها الأب وكانه يغلق لا دائرة الحكى فقط بل ودائرة أسئلة النص الخفى ليتم العودة إليها مرة أخرى سؤالا بعد آخر ومحاولة كل قارئ تقديم الإجابة التى تناسبه كما قدم الأب الإجابة التى تناسبه على السؤال الأخير فقط.
وهكذا، يقدم الكاتب نصه الخفى ليحيط بالنصوص الثلاثة الأخرى التى ضفرها معا لتنتج نصا روائيا متميزا وقادرا على العبور إلى القارئ بما يتيحه له من متعة الحكى ولذة التساؤل.

قد تطبع هذه الرواية طبعة ثانية أو طبعات وهو ما يتيح للكاتب فرصة مراجعة بعض الأسئلة التى تبدو ساذجة أحيانا وأقرب إلى تعليقات على المشهد منها إلى السؤال المحفز على التفكر، وبعض جمل الرواية التى تبدو قلقة وتحتاج إلى إعادة صياغة، أو الأخطاء الإملائية، أو وضع اسم مكان آخر، أو بعض التكرار فى الوصف، مع التأكيد على أن هذه الملاحظات قليلة جدا فى الرواية وغير مؤثرة بشكل كبير على التلقى.

اقرأ ايضا:

الاكثر قراءة

مواقيت الصلاة

اسعار العملات

درجات الحرارة