البيدق يترقى (قصة قصيرة)

13-11-2016 | 09:12

 
على مقهى المحطة، الزجاجي، امتدت رقعة الشطرنج أمامهما والليل يجثم على القضبان التي يلمع جزءٌ منها تحت ضوء مصباح هزيل، وبإصرار على الفوز شرع يرصُّ القطعَ البيضاء في الصفين القريبين من صدره، ونقل البيدقَ الذي أمام الملك خطوتين. تلك هي الجولة الثانية التي سيُطلق عليها جولة الأبطال بعد أن سمَّى الأولى جولة الشهداء، ويبدو أن زذاذَ مطر خفيف بدأ يتناثر في الخارج لأن رصيف المحطة بدا الآن نظيفًا مستحمًّا وثياب المارة غطاها بعض البلل. لن يصرف شيءٌ انتباهه عن جديَّة المباراة وسيحمل على عاتقه استرجاع حق الشهيد. يأتي القطار ثقيلا تصرف عجلاته صريفًا موحشًا يلازمها في عراكها الأبدي مع القضبان، وينزل مسافرو الليل ويركب غيرهم.

وفي الكمين كان ثلاثة من البيادق الجدد قد انضموا للقوة وتفقدوا المكان الصحراوي حيث شكائر الرمل بعضها فوق بعض والمخبأ المدفون في جوف الأرض والمدفعية الرابضة المتأهبة والوجوه القديمة التي أحرقت أديمَها الشمس، دارت أعينهم في الأرجاء القاحلة تتشمم رائحة الخطر، وقلوبهم وجله، فطمأنتهم البيادق القدامى: كنا مثلكم ثم انقضت الأيام سريعًا فلا تقلقوا فالمكان هنا هادئ إلى حد كبير، لكن صوت الشاويش الأجش فَجَأهم:
- شدوا حيلكم يا أبطال، أنتم الذين ستأخذون حق الشهيد!
في الأيام الأولى لا يفكر الجدد سوى في استئناس المكان ومصاحبة القلق، والتعود على الفئران الصغيرة المارقة كالسهام، والوقوف في الخدمة مشدودين لأوقات طويلة ثم السقوط في نوم كالإغماء. كلنا مررنا بهذا.
- كش ملك وطابية!
الفرس تفعل كل ما تريد. وكان يحمل الآربي جيه ويقف على أهبة الاستعداد إذ ترددَ صوتٌ حازمٌ يحذر أفراد الكمين من خطورة عربةٍ معاديةٍ تمَّ رصدها تنطلق بأقصى سرعة باتجاههم ولا تتوقف رغم التحذير المتكرر ورغم إطلاق الرصاص عليها، تمكن البيدق من اصطياد فيل فالتقطه وقذفه في الصندوق وقد تأكد لحظتها أنه هو الذي سيواجه تلك السيارة، ورأى الترقب الفزع على ملامح البيادق الجدد فالهجوم المعادي حقيقة سيرونها رأي العين لأول مرة وسيعيشون إن عاشوا تبعاتها! ثم إن أية أوامر لم تصدر إلا له هو وحده مَن كان عليه ردع الرخ المندفع كالقذيفة وقد رآها الآن قادمة فقال لها تعالي يا امرأة تسكنها الجنيات، وسأشطرك بأجمل قذيفة عندي! وبالفعل أحكمَ التوجيه وضغطَ. رآها وهي تنفجر في حريقها فإذا الورك الطري في ناحية والذراع الأبيض الناعم مغطى بدمه في ناحية، وحقيبة اليد ملقاة هنا والكعب العالي هناك والرأس المقطوع ما يزال يلوك العلكة ويطرقع بها، فابتسم! اتسعت ابتسامته، وفي الوقت الذي اندفع فيه زملاؤه يعانقونه ودموع الفرح في عيونهم كان هو منهمكا بإعادة تشكيل الأنثى على هيئة حمامة،وأعطاه فيل الموقع مبلغًا من المال فخورًا بشجاعته، وعندما اتصل به الوزير يشكره على شجاعته ويعده بمكافأةٍ ماليةٍ من جيبه الخاص وبترقيةٍ إلى رتبة عريف كانت الحمامة قد أتمت جمع أشلائها فاحتضنها وقبلها ورفع يده وأطلقها في الريح صائحا بها: طيري إلى مكان عامر بالخضرة! هيا يا امرأة تسكنها الجنيات! وشيئًا فشيئًا رأى الدخان الأسود وشم رائحة البارود والكاوتش المحترق والأشلاء المتفحمة.
- كش ملك يا بطل!
- الملك "محمي" بالفيل
- أنت بتهرج؟!
وكانت التنبيهات تأتيهم بأن الطيران سيدك الجبل، وأن عليهم اليقظة والتزام الملجأ، وكان صوت الطائرات يئز ولا يرونها ثم تزلزل الأرض من قوة الدك!. وتم تحديد مكان الأمير، وهو قطعة لم تكن موجودة على الرقعة الشطرنجية في غابر الأيام وإن كانت فكرتها قديمة متداعية، وبدون كش ملك أقصد بدون كش أمير انطلقت الصواريخ وهي أيضًا قطع لم تكن موجودة من قبل في اللوحة ذات المربعات الصغيرة - تجاه أهدافها، وترددت على الشفاه عبارة حق الشهيد، واستلم البيادق الجدد وقد ارتفعت معنوياتهم أماكن القدامى الذين انتهت مدة خدمتهم العسكرية وتُرَصُّ قطعٌ مكان قطع وتبقى اللوحة حافلة بالذكريات.
انقطع المطر في الخارج وخفت الرجل، ولفحةُ حنينٍ دافئة راحت تعبر القلب كأنها خارجة من فرن. ماذا لو سقطت من العينين دمعتان إحداهما في خانة بيضاء والأخرى في خانة سوداء وصارت بينهما مواجهة شرسة تنتهي بجفاف إحداهما، أما كان الأجدر أن تتعاضدا وبمائهما تسقيان أعواد الزهور الصفر الكبيرة التي تتطلع بكل الحب نحو شمس المستقبل؟!

مر القطار الأخير ولم يقف وعندما انتهت جلبته صارت المحطة هادئة وادعة مستحمة معطرة تحت سكون اللحظات التي تسبق النهار وما زال الصوت الفخم يتردد في أذنيه واعدًا بالمكافأة والترقي هو الجندي المجند الذي كان قد تبقى له شهران في الخدمة العسكرية سرعان ما انتهيا.
- تلعب دور تاني؟
- كده تمام!

--------
محمد محمد السنباطي
(كاتب ومترجم مصري)

اقرأ ايضا: