كان بودّه أن يتبع نسمة

4-11-2016 | 13:44

 
حين كانت النسائم لا تزال تمرُّ عليه، كان بودّه أن يتبع نسمة.

فيها شيء من الجبال والسهول والوديان، وعبورٌ سريعٌ لكلّ الأمكنة
وشيء من رائحة جسده كان بودّه
لو يعرف إلى أين تذهب.
نسائم كثيرة مرَّت عليه
تركتْ بقايا صغيرة لأرواح مسافات بعيدة
يدٌ لوَّحت على ميناء
وَصَلَ إليه ملمحُ ظِلٍّ من عروقها
ونَفَسٌ ميتٌ لغبار
حَطَّ ذات يومٍ على يدٍ تزرع زهرة.
نسماتٌ مرَّت عليه
فيها على الأرجح نثارٌ من لهاث أجداده
وعلى الأرجح هما معاً الآن، لهاثهم ولهاثه، يتسامران في التيه
مازجَين معاً أقصى الغابر وأدنى الحاضر، ماحيَين الزمن.
شبطين 18 أيلول 1837، الساعة 12 و 14 دقيقة ظهراً: ماذا حدث في تلك اللحظة؟
ربّما رنَّ صوتُ كأسين، ربّما ارتفعت صرخة، لا يعرف
لكنّ ما حدث في تلك اللحظة ممزوج الآن برائحة جسده
ويعرفه بالتأكيد نسيمُه.
ممزوجٌ في الكلّ الكلُّ ممزوج فيه. متماهٍ، هواء
يهبُّ من تيه إلى تيه، من فراغ إلى فراغ
وفيه أيضاً ذات يوم ستمتزج أرواح أولاده وأحفاده
الذين رآهم والذين لم يرهم، الذين عرفوه والذين لم يعرفوه
خليقةٌ بأسرها في نسمة
كلُّ ما خُلق قبل وكلُّ ما يُخلق بعد
عميانٌ خرسان طرشان في هواء
من تيهٍ إلى تيه
من فراغ إلى فراغ.
-----
وديع سعادة
(شاعر لبناني مقيم في أستراليا)

اقرأ ايضا: