ثقافة وفنون

الشاعرة ثريا الوزاني إذ تصور "ظمأ الموج"

29-10-2016 | 15:43

الشاعرة ثريا لهراري الوزاني

صبحي فحماوي
لا أريد الحديث عن إبداع الشاعرة ثريا الوزاني الحافل بإنتاج كتب ثقافية نسوية، وأندلسية، وعربية، ولا عن نشاطاتها الشعرية التي جعلتها تفوز بجوائز عديدة، ولكنني أريد التركيز على دواوينها الأربعة الجميلة، المجمعة في كتاب شعري واحد، اختارت له عنوان الديوان الأول، وهي: " ديوان ظمأ الموج، ديوان نور الديجور" ، ديوان شذرات من زهرة الكُبّار" ، ديوان "حر الخريف."


وابتداء من عتبات الديوان، نجد أن هذا الغلاف الأزرق المعبر خير تعبير عن فحوى الديوان، الذي يشق البحر من قمته حتى قيعانه، فيجعل الجفاف في قعر البحر أشبه باليابسة، وأسماك البحر تشعر بالظمأ للجوع وهي في وسط الموج، إذ تواجهها نوارس البحر الباحثة عن كل ما هو حي لتلتهمه، فنبدأ نتفهم معنى العنوان "ظمأ الموج" وقد تشعرنا ملوحة ماء البحر بالظمأ..

وفي كل الأحوال، فإن حياتنا المعاصرة تجعلنا نشعر بالظمأ ونحن نعيش صخب الموج، إذ نشاهد الثراء الفاحش، ونحن نبحث عن رغيف خبز.. ونشاهد من يركب أفخر السيارات ونحن نصطف بالصف الطويل في انتظار الحافلة أو القطار أو سيارة الأجرة العامة.. نشعر بـ"ظمأ الموج" إذ يحصد أحدهم في ليلة واحدة مليون دولار أرباحاً من أوراق الأسواق المالية، بينما إنسان آخر في أطراف المدينة أو عند جفاف الصحراء يطوي الليل جوعاً، انتظاراً لغد قد يأتي فيه رزق حد الكفاف...من هذه المشاعر نتفهم قوة تعبير عنوان هذا الديوان"ظمأ الموج."

ويبدو أن ثريا الوزاني ترى تناقضات الحياة بأم عينيها، وبأحاسيسها الشاعرية، ترى النور يطل من أفق الديجور..وكلمة الديجور تعني الحلكة الشدية العتمة.. وهذه حقيقة رؤيا الشاعرة، فكما يقولون إن الحياة تعطي بيد، وتأخذ باليد الأخرى.. فما من سعادة على الأرض، إلا وتنقضُّ عليها تعاسة ما.. فالذي يتمتع بصحة شبابه قد تجده فقيراً، والغني الواسع الثراء قد تجده مصاباً بأمراض لا شفاء منها، وهكذا تجد أن الديجور هو الذي ينقضُّ على النور..

ولكن ثريا التي تؤمن ألا حياة بلا أمل، فهي تعتقد أن النور "نور الديجور" سيظهر في نهاية النفق المعتم..

وأما عنوان ديوانها "شذرات من زهرة الكُبّار" أو زهرة القُبّار، فهو يدل على كون الشاعرة عملية وليست رومانسية، إذ أنها اختارت زهرة شوكية الساق، ولكنها ذات فوائد طبية كثيرة لا تحصى، بدل اختيارها زهرة ذات جمال ساحر، أو ذات رائحة فواحة، أو ذات ألوان مدهشة..اختارت زهرة تحمل كل هذه المواصفات، إضافة إلى فوائدها الصحية المدهشة.

والديوان الرابع جاء بعنوان"حر الخريف" بينما نحن نشعر في الخريف بتبشير الهواء البارد نسبياً، والذي يخلصنا من حر الصيف..نجد انطباعات ثريا هنا أيضاً متباينة، ولا أقول متناقضة، ذلك لأننا كما ذكرنا؛ هي الحياة هكذا.. تمنح الإنسان بيد ما تأخذه منه باليد الأخرى.. وهي تطيل العمر ولكن من يطيل الله عمره، يُنكِّسه في الخلق، لقوله تعالى: "ومن نُعمِّره، نُنكِّسه في الخلق أفلا يعقلون" .

وهكذا تنطلق أشعارها الحداثية معبرة عن مرارة مشاعر إنسانية من هذا النوع، فنرى كيف يحتضن الضباب مدينة اليأس، وكيف ينشد الفراش المبثوث الرحيل إلى عوالم الاغتراب..

وهي هنا ترسم رحلات الموت البحرية من السواحل المغربية ربما أو السواحل الإفريقية عامة، والتي وصلت مؤخراً إلى شواطىء دمياط المصرية، حيث تغرق سفن المهاجرين من بلاد الطغيان الجنوبية، إلى بلاد الاستعباد الشمالية.. فلا يهاب الشباب المهاجر المنون المترصد لمراكب اليأس وهم يتعاقبون على مشنقة الاستسلام..إنها ترى ركوب قارب البحر المميت هذا يشبه ركوب منصة مشنقة..

وترى ريعان الشباب المهجّر بدافع عذابات المسؤولية الجائعة، يشبه أزهاراً لا تخشى النار الجوعى، أزهاراً يرمونها لتروي ظمأ الموج..تماماً كما كان الفراعنة يرمون أجمل فتاة مصرية في النهر لتكون عروساً للنيل ..

وهنا نفهم تفسير عنوان المجموعة "ظمأ الموج".. فالموج الظامئ لالتهام اللحم البشري هو الذي يقلب السفينة، وهو الذي يتلذذ بهذه الجثث الشبابية الطرية الشهية، فيأكلها على مهل..

والشباب المدجج بالسفينة هنا في أشعار ثريا يشبه الشجر السامق الذي يطاول أعنة السماء، فيظلل صورة الشمس.

في الصور السوداوية التي ترسمها هذه الشاعرة الموجوعة بحزن الموج الذي لا يرحم، نشاهد النور وهو يلتحف الضباب.. والآمال وهي تغلق فسحتها.. هنا تنتهي الآمال، وتودع أحلامها.. في هذا الموج المتلاطم الذي يشبه حوتاً يصارع ركاب القارب، ترسم ثريا مدينة اليأس، وتعيش العمر الذي يئد أسراره بين ثنايا جراح أزقتها..أحاسيس الشاعرة الحزينة هنا تعيش بين ثنايا جراح أزقتها..وكأنها تتوجع بملح البحر الذي يكوي جراح الذين نهشهم سمك القرش البحري المتلاطم.
.
في هذا البحر الذي يحمل الشباب المغامر باتجاه مغارات الموت، ترى ثريا المدينة وهي تحرق هُويتها على كاهل المراكب، فتوزعها الرياح رماداً على أديم الماء..ترى المدينة المريضة وهي تقذف أمعاءها الشباب ضريبة للبحر الذي لا يرحم المسافرين على نقّالة الموتى.. إنها ترسم المغامرين على صهوة شراع البحر.. إذ تقول: لاحوا لي بذور كروم كلمى
وعناقيد تدلت جحيما..

نظمتُ صداهم أنين بحر طويل مرتجف
وما تبقى فأحياء موتى،
عيونهم تتربص ظل مجداف
أسمال شراع
وبصيص سفينة
ينفجر موجهم عطشاً
يزداد بحرهم أنيناً
تلوح الأيادي توزع الجثث
الابتسامات من خلف كهوف السواد
تتصافح أيادي الأحياء الموتى
تسدل ستار الليل
يضيع النور بين أنواء الدمار
وتيه أشلاء السفينة..
تراه بحراً طويلاً مرتجفاً.. وأما ما تبقى من الأحياء على سطح المركب، فهم أحياء موتى، عيونهم تتربص ظل مجداف قادم من بعيد.. إنهم أسمال شراع.. يراقبون بزوغ بصيص سفينة.. تجد موجهم ينفجر عطشاً.. وبينما هم يعمرون البحر الخائن هذا، تجد بحرهم يزداد أنيناً بأرواح قتلاه..

لقد قطعت هذه الشاعرة شغاف قلبي إذ ترسم أياديهم وهي تلوح للأيادي.. بينما أياديهم توزع الجثث على وجه "ظمأ الموج" ..

ولا تنسى ثريا أن ترسم الابتسامات من خلف كهوف سواد الليل، الذي يسيطر على سماء القوارب المرتعبة سفراً ..

لقد جفف شِعرها أعصابي، إذ تصور أيادي الأحياء وهي تتصافح مع أيادي الموتى غرقاً..لا يهون على قلبي مشاهدة هذه الصور الشعرية المذهلة، بينما ثريا الجريئة تسدل ستار الليل على القوارب العمياء..

إنها تترك النور يضيع بين أنوار الدمار، وبين تيه أشلاء السفينة، حيث يختفي في قلب مغارة الموت المعتمة..

لا أستطيع الاستمرار في التحديق بهذه الحياة البشعة التي يعيشها المواطن العربي المضروب على كل جنباته.. التحديق في هذه القطط التي تأكل أولادها..في هذا (العالم الرأسمالي الحر) الذي لا يرحم، إذ يأكل شعبه الجائع، بينما هو يطفح بكل الملذات التي لا تخطر على بال أحد.. بهذا البحر الغني بكل كنوز العالم وهو ظامي، "ظمأ الموج"..
تركتها وذهبت أغني مع عبد الحليم حافظ، بكلمات الشاعر كامل الشناوي:
قدر أحمق الخطى.. سحقت هامتي خطاه..
دمعتي ذاب جفنها.. بسمتي ما لها شفاه..
صحوة الموت ما أرى.. أم أرى بسمة الحياة...
تلك البسمة التي لا يزال المجذفون في أعماق البحر ينتظرونها، إذا وصلوا إلى بر أمان بلاد الشمال، بلاد الاستخدام غير الشرعي الذي لا يرحم.
--------
صبحي فحماوي روائي وكاتب عربي من الأردن.

1

اقرأ ايضا:

مواقيت الصلاة

اسعار العملات

درجات الحرارة