ثقافة وفنون

"لف ودوران".. ثقافة الجيل وقياس الزمن

2-10-2016 | 19:13

لف ودوران

محمد عثمان الفندي
الفن لعبة بديعة تداعب المشاعر والإحساس. تحرك الذكريات والحب. توثق للحياة والمواقف والأشخاص وقصص الحب العابرة والطويلة. تجعل الأوقات أقل وقعاً، والحياة أقل حدةً، كذلك الحب.


لف ودوران، فيلم آخر من تلك النوعية، والذي تصدر سباق الإيرادات في منافسات أفلام العيد. هو الفيلم الأول كتابةً لمنى فوزي، ولأحمد حلمي ودنيا سمير غانم معاً ولأول مرة. العمل الجديد الذي بدأ عرضه في الصالات المصرية من ﺇﺧﺮاﺝ خالد مرعي.

هو ولا شك، فيلم يخاطب ثقافة الجيل. الخوف من الارتباط. أو بمعنى آخر، العلاقة من داخل العلاقة، خارج الإطار المعروف. تنويعة جديدة على علاقة الرجل بالمرأة والعكس. الشد والجذب. الديالوج غير المباشر بين العشاق، في صمت وترقب بلغة غير مفهومة، هم فقط معهم فك رموزها.

باختصار، العلاقة العميقة. لا ينتقض الارتباط، ولا فكرة الزواج، لكنه يلعب على التحول الذي حدث داخل هذه العلاقة من القلب. من الداخل. يتكلم عن التجربة من البداية. العثور على الحب شىء صعب، والحفاظ عليه مجهود، واللعبة كلها لف ودوران. لا أحد يستقر فى النهاية الا بعد تعب. لا أحد صريح حتى النهاية، لا أحد يبدأ الحياة بصراحة، لا أحد يحتمل المباشرة في الحب. لف ودوران أصبحت هي أصل العلاقة من داخل العلاقة.

يناقش العلاقات الصريحة أيضاً. يتعرض لها، لا ينتقدها، لكنه لا يعطيها المجال الكافي لتنمو وتكبر. الهدف من الفكرة العامة، هو اللف والدوران.

في نفس الوقت، يضع تلك الأحداث في إطار المفارقة والصدفة. الصدفة والخطأ، وحدهما هما ما يتجمعان أبطال العمل، أحمد حلمي في دور نور، ودنيا سمير غانم في دور ليلى. يلعب على فكرة عقدة الارتباط لدرجة التوحد.
لدرجة زرع الأحلام والأمنيات بداخل الأشخاص القريبين. من يفشل في حياته، ليس مهما. لديه شخص آخر قريب، بحكم الصلة والترتيب الإجتماعي، يمارس عليه سلطة أبوية في زرع هذه الأحلام. ينتقص منه روحه ويمتص أحلامه. يدفعه بالعاطفة والخوف والشعور الدائم بالفقد والامتلاك، إنه هو الوحيد سبب سعادته. هو من معه مفتاح الزمن.

وعليه، فهو يمتلكه، وعليه الطاعة والتضحية من أجل ذلك الشخص. محاولة لمسخ الشخصية، وبناء شخص آخر يحب ويشعر ويرتبط، بعقل وروح وقلب الآخرين.

نهاية مفتوحة، لعلاقات تعيسة، سببها الأب، واختلاف عقيدة الأبن عن كل من حوله من النساء.

النساء، قوة العالم الناعمة. تسري عطورهن في الأوردة والروح، تنساب بنعومة. لا أحد يقف أمام امرأة.

الفيلم اختار بوضوح أن يدور حول مشكلة تعلق الأهل بالابن الوحيد، وزرع بداخلهم فكرة العلاقة العميقة، لكنه ترك الحبكة بين هاتين العلاقتين مفتوحة وغير مترابطة إطلاقاً في كل مواقفها إلا فيما جمع من مشاهد تأمر بين ليلى وأهل نور خلف الأبواب، ولكن ظلّت معنا حتى النهاية خطوط من الطريق بين الفكرتين دون ضبط أو توازن رغم أفتراض أن الفكرة الأساسية كانت متوقعة من البداية حتى من أسم الفيلم المباشر المتوقع.

أن أهم شيء في أي مشروع هو نقطة البداية، لكن ولو لم يتم العمل على قوة دفع تلك البداية بجدية ، ستموت وتنتهي، وسيأتي من يضرب ذلك المشروع المتفرد من جذوره. سينطفئ الفيلم، وسيصبح عادياً، وربما سيخوى وحده دون الحاجة لمنافس من الخارج. إذ وبعد جهد طويل في تجميع ما أمكن من خلفيات ودوافع الصراع، سينسى الفيلم ودون أي مقدمات، الأهل وأحلامهم فجأة.
سيستغرق مع حكايات أبطالها الأساسيين بعد أن تركهم وسط غمرة أحداث ومفارقات غير مكتملة، في مشهد وحيد طويل سيذهب اليه نور وليلى على متن قارب، ليبدأ لعبة المطاردة وحدهما، في صمت، على جزيرة منعزلة بعيداً عن كل العيون والناس.

لقد فشل السيناريو في صياغة هذه المشاعر بالصورة والحوار وقياس الزمن. خلق شخصيات مهزومة، لا تستطيع أن تنهض من على الورق بسهولة. أمات الدوافع، وتجنب المواجهة، وأخفق في رسم ملامح الشخصيات الأساسية.

أشباح تسير بلا هدف، حتى النهاية. تنقل غير مدروس من صورة لأخرى، ومن مشهد لآخر. ما فائده التدرج العمري المحيط بأحمد حلمي. الجدة، الأم، الخالة، الأخت. لا فلاش باك ولا قصص مروية، ولا دوافع في المستقبل غير حشو الكادر.

تجد السؤال العميق مثلاً، الذي ظل يخطر ببالي طوال مشاهدة الفيلم، ماذا تفعل هذه الايطالية في كل تلك المشاهد. السؤال الأعمق، لماذا لا تفعل شيئا. السؤال الأدهى، ماذا لو لم تكن موجودة بالفيلم من الأساس، والسؤال الأمر، أين هي من العلاقة بين نور وليلى على جانب قراءة الصورة الغائبة من خلال الطرف الثالث، العكسية من الصراع.

كل ذلك يقودنا إلى دراما خفيفة، المفروض أنها كوميديا اجتماعية عاطفية تستخدم كل الأسلحة المتاحة في صناعة فيلم، بخاصة عندما نجد مشاهد إغواء ومصارحة وعتاب وصمت طويل وفراق وتصالح وحب، لمدة تقارب ثلث الفيلم، بين نور وليلى على جزيرة منفردة، دون هدف، بلا نهاية واضحة مفهومة بعد كل ذلك التشظي. وعندما نرى تصالح بيومي فؤاد مع صابرين حول مشروع علاقة جادة، تقليدية، مباشرة، نستجمع أنها لم يكن لها من المشاهد التمهيدية لتنمو وتكبر غير ثلاث بذور غير ناضجة.

ولا أبلغ من مقولة صابرين وقتها وهي تضحك بطول الشط، لتقول عبارة واضحة، مباشرة، صريحة تلخص كل ذلك، قالت: كل حاجة فيك ملخبطة، بس فيك حاجة حلوة. إإيه هي، معرفش. حتى صابرين لا تعرف. حتى نحن، لا نعرف سبب وجود صابرين في الفيلم، من عدمه.

عند هذه النقطة تصبح المعالجة في مفترق طرق، يفقد فيلمنا تحديد الهدف والاتجاه، وتبرز فيه مشاكل الضبط وحرفية الكتابة وصياغة الفكرة، ويصبح السؤال، الترهل وملء الوقت لدرجة الدخول في دوامة بلا أية أرضية أو نقطة بداية أو نهاية.

هل كان يجب على حلمي بأن يغامر بنجاحه ورصيده لدى الجمهور، ويدخل تلك التجربة؟ هل تستغل دنيا موهبتها وتستهلكها في أعمال من الدرجة الثانية؟ هل جازف النجمان والمخرج من أجل سباق العيد المحموم وشباك الإيرادات، على حساب الجودة والكتابة الجيدة، ولماذا؟ وأصبحنا فى المنتصف دون أن نصل أبداً إلى نهاية أي طريق، فلا نحن ذاهبون ولا نحن نستطيع الرجوع، بلا أي أثر.

اقرأ ايضا:

الاكثر قراءة

مواقيت الصلاة

اسعار العملات

درجات الحرارة