وائل وجدي.. كاميرا تصوّر ما خفي منا

28-9-2016 | 20:20

 
فى السنوات الأخيرة اهتم القاص والروائى وائل وجدي بالتصوير الفوتوغرافى، ولأن وائل جاد بطبيعته، وعميق فى تناوله لكل ما يتصل بشئون الحياة، وبالذات ما له علاقة بالفن، فقد تعمق فى دراسة التصوير الفوتوغرافى حتى أصبح عالمًا بالكثير من دقائقه، وأصبح يشارك فى معارض الصور الفوتوغرافية العامة..

ولأنه أديب متميز، فقد ظهرت الروح الأدبية فى عمله التصويرى، إذ خلف كل لقطة من لقطاته حكاية ما، سرد بالضوء والظلال، ومن يتابع الأعمال الأدبية لوائل وجدى سواء فى الرواية أو القصة القصيرة والقصة القصيرة جدًا يحدس أن هذا الاهتمام بالتصوير الفوتوغرافى كان لابد أن يحدث، فقلم وائل وجدى مهتم جدًا برسم العالم الخارجى والشخصيات والأحداث وكأنه كاميرا محمولة على الكتف، لكنها كاميرا غير محايدة، كاميرا/قلم تلتقط مما هو خارجى، ما يشير إلى الخفى فى الشخصية الروائية أو القصصية ومن ثم الخفى فى الإنسان ذاته.

فى روايته الأخيرة "ورقة أخيرة" يواصل وائل وجدى ويطور تقنيته المفضلة، فتراه يرسم حياة عادية لبعض الأشخاص الذين لهم جذور فى عمل روائى سابق له (وهذه سمة أخرى لأدب وائل وجدى الذى يربط عالمه الإبداعى ككل بروابط تجعل كل عمل متصل بما قبله وما بعده بطرق شتى) فخيرى الذى اختفى خاله ضياء عالم الآثار من دون أى دليل على سبب اختفائه يدور فى دوامة من البحث والخوف على خاله الذى كان بمثابة المربى والمثل الأعلى لخيرى، وهو ما يؤثر على علاقته بحبيبته سلمى التى تتعاطف مع مشكلته لكنها تتمنى أن يعطيها من وقته مثلما يعطى للبحث عن خاله، وخيرى فى الوقت نفسه لا يستطيع أن يتخلى عن والد صديقه سعيد الذى تم القبض عليه لاشتراكه بالصدفة فى مظاهرة بالجامعة برغم أن سعيد شخصيا ليست له اهتمامات سياسية، تتصل العصابة التى خطفت ضياء بخيرى وتطلب منه أن يعثر لها على مخطوط اكتشفه ضياء عن التحنيط عند الفراعنة ودراسة مهمة أجراها حول المخطوط، أو يدفع فدية مليون جنيه، يبحث خيرى عن المخطوط فلا يجد سوى مسودة مقدمة الدراسة، فيتزايد خوفه على خاله، وتتفاقم حالة الإحباط والاكتئاب التى يشعر بها نتيجة الأحوال السياسية التى تتردى يومًا بعد يوم، والتى تجبر حتى غير المهتمين مثل سلمى أن يتابعوا، وتنتهى الرواية بالشباب يتراسل على فيس بوك يحض بعضه بعضًا للنزول إلى ميدان التحرير يوم 25 يناير2011 للتنفيس عن الغضب ومحاولة تغيير الوضع القائم، لكن الكاتب لا يشير إلى أى حل لمشكلة خطف خاله ويتركها معلقة.

يستخدم وائل وجدى الوصف التصويرى من خلال سرد بأصوات متعددة (خيرى/سلمى/سعيد) يتحدث كل منهم عن نفسه وعن الآخرين وعن أحوال البلاد، بلغة تصويرية خارجية حيث نجد اهتماما كبيرا بالأماكن وجغرافية المكان التى تتحرك فيه الشخصيات والعديد من تفصيلات الواقع المعيش التى لا تقدم مجانًا بل تعمق الوسط التى تفعل فيه الشخصية على المستوى السردى بما يعطى واقعية شديدة للعمل فتجد نفسك فجأة مع سعيد فوق كتف أحد الشباب فى الجامعة تقود مظاهرة كنت مجرد مشاهد لها منذ دقائق، أو تمشى مع خيرى فى شوارع القاهرة وتركب مترو الأنفاق لتقابل سلمى التى أعدت سندوتشات الطعمية من محل سمسمة، حيث يحرص وائل وجدى على الحياد التام كروائى يقدم فيها نماذج من الشباب المصرى قبيل ثورة 25 يناير، حتى لا تتدخل رؤى وصراعات وأفكار ما بعد الثورة فى صياغة الموضوع، يقدمه كما لو أن الثورة فعلا لن تقوم إلا فى اليوم التالى لانتهاء القارئ من قراءة الرواية، فالشخصيات المهتمة برؤية العالم الخارجى بتفاصيله وهى تسرد همومها الشخصية وتلقى نظرة سريعة على العفن السياسى والفساد الاجتماعى هى نفسها الشباب غير المسيس المؤمن بوطنه والراغب فى فعل ما يخرج به من أزمته الطاحنة، الرواية تقول ذلك بلا ضجيج، بل تنتصر للمكان/القاهرة التى يعشق وائل وجدى شوارعها ويتحدث عنها بحميمية محببة، وحتى الإطار شبه البوليسى لعملية البحث عن الخال يبدو هامشيًا إشاريًا أكثر من حدث مركزي برغم أن الأحداث الشخصية فى حياة خيرى تدور كلها حوله، لكن وظيفته الدلالية هى اختطاف العلم والعلماء وعدم القدرة على تفعيل دورهم فى مثل هذا المجتمع الذى يجب أن نثور عليه، وبالتالى كان من الطبيعى أن تنقطع خيوط الوصول إلى الخال ضياء لأنه لن يعود إلا بثورة حقيقة على النظام الذى اختطفه بعد أن ظلمه فى رواية سابقة لوائل وجدى (أنت أم طيف آخر).

لا يستهلك الكاتب كثيرًا من الوقت والجهد فى وصف وتقديم شخصيات عمله الروائى اعتمادًا على أن القارئ نفسه هو أحد هذه الشخصيات، وهو جار أو صديق أو ابن أو أب لشخصية منها، وهو ما يؤكد سمة الواقعية التى تتبناها الرواية، لكنها ليست الواقعية التى تسرف فى الوصف والتقديم والتفصيلات وتشرح للقارئ كل شيء كأنها تمسك بخناقه، بل هى واقعية تحترم ذكاء القارئ، وتنشد تفاعله، وتحفز مخيلته لينتج نصه الخاص اعتمادًا على نص المؤلف.

يمنح وائل وجدى الحوار اهتمامًا خاصًا فى عمله الروائى، فالحوار يحقق وظيفة التواصل بين الشخصيات، ويدفع الأحداث للأمام بما يضيفه من معلومات للسرد، وهو يأتى فى جمل قصيرة متتابعة وليس فى صورة منولوجات حوارية طويلة، ويحرص الكاتب على أن يكون حواره فصيح اللغة لكنه قريب إلى نطق عامية أهل القاهرة التى تدور فيها الرواية، لذا يأتى حواره أيضًا تصويريًا من حيث وقوعه فى منطقة وسطى ما بين الإشارى واليومى.

وتأتى لغة الرواية الحاملة لكل إمكانات العمل، والموصلة لدلالاته، لتعبر بجلاء عن رؤية الكاتب للعالم من خلال تعامله مع اللغة، فبقدر ما تشعر بأن اللغة مصفاة بلا تزيد، وبقدر ما تمنحك اللغة فى معظم الوقت إحساسًا شديدًا بالواقعية، فإنه يقدم أحيانًا لغة تقف على تخوم الشعرية، حيث إن الروائى والرواية يقدمان العالم بصفته مكانًا للفعل الظاهرى الواقعى الذى قد لا يخلو من شعرية ما لكنها كواحات نادرة فى صحراوات شاسعة.

ينتصر وائل وجدى فى روايته (ورقة أخيرة) للفن الهامس الذى يقول بنعومة وبلا ضجيج ولا رغبة غير مبررة فى لفت الأنظار، مراهنًا على قارئ قادر على الاستمتاع بالصورة التشكيلية لواقعه اليومى، وقادر على قراءة ما خلف السرد من أفكار وآراء وأسئلة تنتصر بدورها لفكر المواطن الذى يطلب وجه الوطن ولا شيء غيره.

-----
منير عتيبة
(كاتب مصري)

اقرأ ايضا:

الأكثر قراءة