مسبحة الوطن في "حبات حروف" الشاعرة نجوى السيد

22-9-2016 | 12:31

 
احتوى ديوان "حبّات الحروف" للشاعرة نجوى السيد على مائة واثنتي حبة من حبات شعر العامية المصرية، وكأننا أمام سبحة من سبحات الوطن ينتظم في خيطها تلك الحبّات الشعرية الأصيلة التي تجمع بين الإرادة والتحدي والصمود أمام متغيرات الحياة وقسوتها، وأمام تقلبات الزمن وأعاصير العلاقات الإنسانية في عصرنا الراهن، ومنها الفساد المستشرى في أوصال الوطن. تقول الشاعرة في أولى تلك المواجهات مع الفساد:
يا بلاد
مبدورة فساد
راح تطرح إيه؟
ماذا سيطرح الفساد غير الفساد الذي نراه يتضخم وينتشر ويستشرى مثل السرطان الذي لا سبيل لمقاومته.
الفساد يخلف الظلم الذي يمشي متمخطرا حاطط في جيوبه إيديه.

صور شعرية متدفقة ترسمها الشاعرة لهذا الفساد الذي يتقزم أمامه الحق، فيصبح ذليلا مكسور الخاطر مشلول الرجلين.
وتسأل نفسها أين هي من كل هذا الفساد والظلم الذي يستشري في مجتمعنا، ولكنها ككل الشرفاء، لا تملك الإجابة وتكتفي بطرح الأسئلة والتنبيه والتحذير والخوف على مستقبل الوطن، وسط انعدام الرؤية وضبابيتها، إنها في مثل هذه القصيدة المتسائلة المحذِّرة تذكرنا بزرقاء اليمامة التي نبهت قومها من خطر قادم، فلم يستمع اليها القوم فكانت الهزيمة المحاقة. تقول الشاعرة:
أنا فين؟!
جوه التوهان
مين اللي برئ
مين الغلطان
دقيت على باب القاضي
رد عليَّ السجان.
وتلعب علامة الاستفهام دورها الجمالي في القصيدة منذ العنوان "أنا فين؟!" حيث تجسد الاستنكار والحيرة والتشتت وضبابية المشهد، لتختتم القصيدة بهذه المفارقة العجيبة المريبة التي تقول فيها:
دقيت على باب القاضي
رد عليِّ السجان
إنها شجاعة الاعتراف والإقرار بالواقع المشين وقت كتابة القصيدة غير المؤرخة، ولكن نستطيع أن نذكر أن الديوان صدر عن الهيئة المصرية العامة للكتاب في عام 2007. إنها إرهاصات الثورة التي أكدتها في قصيدة أخرى بعنوان "إلا لمّا" (ص 124) والتي تقول في نهايتها:
مش حترجع
إلا لما نقوم عليك.
وهو أيضا ما أكدته في قصيدة قصيرة بعنوان "لما الغضب" (ص 109) تقول فيها:
المال .. وسايب
والحرس: هُمَّ
يملوا الزكايب
واللي له كلمة
ييجي يقولها بس لو شاطر
وحيعرفوا مسيرهم
لما الغضب حيفور
وفعلا فار الغضب في 25 يناير 2011 واندلعت الانتفاضة الشعبية، وهو إحساس مبكر من الشاعرة الراحلة بتردي الأوضاع والأحوال، ما جعلها تحمل جبالا من الأحزان والهموم العامة، فتخاطب مصر في إبجرامة أو ومضة شعرية تقول فيها:
حبال الحزن
بتكتف لي أفراحي
وقلبي يئن
وانتي تزيدي يا جراحي
وكون الحزن يتحول إلى حبال بعد أن كان جبالا، يعني أنه حزن قتّال يلتف حول الرقبة ليخنقها، ولكنه يكتفي في هذه الإبجرامة بتكتيف الأفراح ونزع البسمة والضحكة وإحلال الجراح بل تراكمها واتساعها لخنق الذات الشاعرة في تلك الومضة المعبرة والدالة.
اتسمت معظم قصائد ديوان "حبات الحروف" بهذه الومضات أو الإبجرامات الشعرية، فقليلة هي القصائد متوسطة الطول، بينما تنعدم القصائد الطويلة تماما، وهذا يدل على امتلاك الشاعرة للرؤية والأداة امتلاكا جيدا ومتميزا، ففي هذا الكم الضئيل من الكلمات تستطيع أن تفتح زوايا الرؤية، أو زوايا العدسة، على واقع متهرئ يرصعه الفساد والخيانة، ولكنها على الرغم من ذلك يحدوها الأمل في النصر والوصول إلى الغول في القصر، وهو ما تجسده قصيدتها "فارس" (ص 5) التي تقول فيها:
الليل ..
لا هو خاين ولا هوّ جبان
الليل .. طويل البال
شايل حمول أشكال
مستني فارس شعلته في إيده
يرمح على فرسه
يوصل لقصر الغول
ومن الليل طويل البال إلى النور الذي لا يحتاج إلى شهادة زور، وهو ما يدل على تمسك الشاعرة بالأمل وانقشاع الظلام.
الليل عند الشاعرة محطة انتظار لما سيأتي بعده، الليل ليس هو الظلام أو العتمة أو السواد، ولكنه قطعة من الزمن سينتهي عمرها بالتأكيد ويجئ الفجر حاملا البشرى والنور، لذا تقول في قصيدتها "أذِّن خلاص الفجر" (ص 66):
إذِّن خلاص الفجر
والليل انتهى
ولأن النهار جاء يحمل النور والبشرى والأمل فإن الطريق لم يصبح سدا رغم أن الحلم "لسَّاه بعيد" تقول في قصيدة "الطريق مش سد" (ص 68):
لسَّاه بعيد الحلم
لكن عنيَّه عليه
طول عمري باتمنى
قدمي ياخدني إليه
مهما تعب قدمي
يقدر يوصلني
ما دمت يا نبضي:
بتمدّه بالخطوة
من المعروف أن الشاعرة نجوى السيد كانت تكتب للأطفال وأصدرت عددا من الدواوين والقصص لهم. ولكنها في ديوان "حبَّات الحروف" تكتب عنهم ولا تكتب لهم، ففي قصيدة مثل "لو ما ترنش ضحكة طفل" (ص 71) يتجلى هذا المفهوم، مفهوم الكتابة عن الأطفال وليس لهم، لذا أودعت هذه القصيدة ديوانها الذي بين أيدينا، ولم تودعها في أحد دواوينها للأطفال، وهي بذلك تؤكد على درايتها ومعرفتها الكاملة للفوارق بين أن تكتب للطفل أو تكتب عنه. تقول في مطلع هذه القصيدة:
ف عيونهم أطل، أحس بقلبي مزقطط
جوه ضلوعي يخوِّف م الفرحة
الضحكة أن رنِّت من صوتهم
بتزغرط في القلب النبضات
ينغسل الحزن، يداووا جروح
وان نطقوا الاه
بيشب النبض على طروف الرجلين
إنها تتحدث عن نفسها من خلال تجوالها في عالم الطفولة، وتتشبث بالأمل في هذا الجيل الجديد الذي يمنحها الحياة والحب والحركة والحيوية والزقططة، إنهم الأمل القادم حتى لو غسل الدمع خدودهم. إن الذات الشاعرة تحس بالطمأنينة وهي تتجول في عالم الطفولة لذا تقول:
إيه يسوي العالم
لو ما ترنش
ضحكة طفل؟
أحيانا تتجرد الذات الشاعرة من عالمها الجواني، وتلجأ إلى الخارج مثل الطبيعة فتؤنسنها لتعبر عن فكرة ما أو خاطرة معينة، ومن ذلك ومضة "الجبل" التي وقعت في ثماني كلمات، وتقول فيها:
عالي الجبل وكبير
لكنه يتمنى ..
يبقى الهرم في يوم
الشاعرة تؤنسن الجبل وتجعله إنسانا يتمنى أو يحلم بكينونة أخرى غير كينونته الجبلية، ومع أن الهرم مصنوع من أحجار الجبل، فإن هذه الأحجار (بنت الجبل) أخذت كينونة أخرى غير كينونة الجبل، فصارت هرما شامخا يتمنى الجبل (الأصل) لو كان هو الهرم في يوم ما. ربما لأن الهرم يلفت الانتباه أكثر من الجبل، وله مريدوه وسائحوه وزواره وما يخلقه من حركة دائبة حوله، بعكس الجبل الصامت الذي يظنه الناس ساكنا.
وللطوب والأحجار وظيفتها لدى الشاعرة، "فالطوب يعلي الجدار، وجدار في كتف جدار تعلى في يوم الدار". لذا نرى اعتزازها بهذه الأحجار أو بالطوب الذي يقيم الدار، وليس الجبل. ولكن هذا الطوب من ناحية أخرى من السهل هدمه عندما يأتي الغير أو من يغتصب المكان، فيزيل الدار من مكانها أو يغير معالمها، وفي مفارقة إنسانية غير زاعقة تحمل المشهدية تقول الشاعرة في قصيدة "الجدار" (ص 15):
عليت جداري
طوبة ورا طوبة
سندت طوب الغير
بكتافي وإديَّه
بإيديه رفع فاسه
ونزل على طوبي
لملمته في توبي
ووقفت أشهِّد كل من عدى.
وعلى عكس القول الشائع "وراء كل رجل عظيم امرأة" تحاول الشاعرة إثبات أن وراء "كل امرأة عظيمة رجل"، ففي مطلع قصيدتها "اللغز" (ص 105) تقول:
ساعة ما شافوني وراك
قالوا: حلينا اللغز
وعرفنا العظمة منين
ولكنها تحاول إثبات أن عظمتها هي كامرأة شاعرة كان وراءها الرجل، فتقول:
ما شافوش الشمعة المزروعة بكفك
عشان أتونس طول الليل
ولا سمعوا حروف الشعر
المقطوفة بصوتك
بعد ما نبتت
جوه الحلم
ولنتأمل "الشمعة المزروعة بكفك" فكأن الكف هنا هي الأرض التي يُزرع فيها النور أو الضوء، وكان القطاف هو حروف الشعر، أو حبّات الحروف.
إن ديوان "حبات الحروف" للشاعرة نجوى السيد ديوان غني بالشعر وبالقصائد التي تتجه نحو عالم الإنسان البسيط ونحو الضمير "مادام ضميرك زين.. اعقلها وتوكل" وقد عقلتها الشاعرة وتوكلت فجاءت قصائدها تحمل البساطة والحميمية وقضايا الإنسان والحق، وفي عالمها الإنساني لا يوجد مستحيل "فالمستحيل كلمة ما هش موجودة في قاموسي مهما بيعلى الموج" لذا نجد عنوان الديوان الأخير الذي صدر للشاعرة قبل رحيلها يحمل عنوان "مفيش مستحيل".

----------
أحمد فضل شبلول
(شاعر وكاتب مصري)

اقرأ ايضا: