Close ad

فقد الذات ولعبة الذاكرة في رواية "بياض ساخن"

7-9-2016 | 21:28546

فقد الذات ولعبة الذاكرة في رواية "بياض ساخن"

7-9-2016 | 21:28546
7-9-2016 | 21:28546طباعة
رواية "بياض ساخن" للدكتورة سهير المصادفة هي رواية الذات البشرية عامة، لكن الذات المصرية عند الكاتبة قد فُقدت وبدأت في البحث عن نفسها، البحث عن مكنوناتها، تاريخها، ماضيها، حاضرها ومستقبلها الذي كاد يهدم في فترة من الفترات التاريخية المصرية.

لم تقدم سهير المصادفة حياة بطلة فحسب، بل أذكت تلك الحياة بتناول التاريخ والجغرافيا والواقع السياسي والاجتماعي في مجتمع منقسم على نفسه. تقدم لنا عبلة التاريخ وعبلة الحاضر، عبلة الحاضر بطلة العمل عاشت فترة تاريخية عصيبة فلم تحتمل الواقع فتهرب إلى حياة خاصة وعالم خاص من الجنون؛ حيث أبت إلا أن تعيش في كهفها الخاص لتحيا حياة مؤلمة أحياناً وفي أحايين كثيرة كانت جميلة ورائعة لأنها تركت العالم الفوضوي المنقسم على نفسه لأنها لم تحتمل قسوة المجتمع والواقع المر المؤلم الذي ذاقته ولم ترض أو حتى ترضخ لتلك القسوة في يوم ما، لذلك فقد صورت الكاتبة قدرة الإنسان على مواجهة تلك الحالة المتردية للعالم أو لنقل إنه قبح من هذا العالم تجاه عبلة، عبلة التاريخ، عبلة الوطن عبلة البطلة.

عبلة مصر التي أصيبت بداء صعب شفاؤه في تلك الفترة الماضية، تتعرى عبلة بعد تلك الحادثة، فلا يحميها أو يسترها إلا المخلصون والنيل العظيم الذي كان رحيماً دائماً بأهله كريماً في عطائه ذاخراً في عبابه من صفاته الكرم والجود فكان ستارًا وأكمل نصف الدائرة المفقودة حتى لا تتعرى مصر أقصد " عبلة ". في العمل نوع من عدم الصدق أحياناً في السرد تشير في بعض الإشارات إلى أن سبب الجنون هو تولي الإخوان المسلمين الحكم، وهو ما جعل البطلة تتعرى وتقترب من النيل ليكون النيل حاميًا لها وساتراً لها من خلال نصف دائرة ثم الشباب المخلصين يسترونها بنصف الدائرة الآخر ولكن في السرد نلاحظ أن جدها كان قد أصيب من قبل بنوبات الجنون، وأن تلك النوبات كانت تأتيه بين الفترة وأخرى تقول الكاتبة:" يقولون إن شوكت باشا عداها بجنونه" . وتقول أيضًا:" بل أتذكر نظرة عينيها الزائغة من فرط إحساسها بالعار من جنون جدي شوكت الملواني".

الحكي لدى الكاتبة
الحكي كان رائعًا وثرثرة جميلة فهي كاتبة مثقفة مجيدة تجيد الحكي؛ حيث أحدث ذلك الحكي وتلك الثرثرة نوعًا من التفاعلات الثقافية، نراه في موضع تحكي وتصور الواقع بكل مشتملاته حين خرجت عبلة ووصلت إلى السوق وقابلت أم محمود وابنتها تهاني وحكايتها معهما، فأم محمود كانت تبيع الجرايد وتعرف عبلة وتقول عنها إنها ممسوسة وتسمعها عبلة وتكتم بداخلها، ثم تتناول الكاتبة على الهامش السيارة الفيراري التي دخلت السوق وهي سيارة غالية الثمن وتعطي لمحة بسيطة للرجل الذي يركب الحمار وكأنها تريد أن تعزف على وتر الفوارق الطبقية المختلفة، وأن هذا المجتمع لا يوجد فيه الوسط إما غني وثري جداً أو فقير جداً وهذا نوع من التهكم على حال المجتمع. وفي الحالة نفسها والموقف نفسه من الحالة السردية وهو سرد لا حق على الحدث الأصلي وبالتالي فالرواية هي رواية ذاكرة، نرى الكاتبة تسرد صورة عاشتها بعد فوز الإخوان المسلمين؛ حيث رأت الجزارين وهم في حالة نشوى من الأمر وقاموا بذبح العجول والخراف وهي أي الكاتبة تتعجب وتقول إنه ليس يوم العيد الكبير، وحين ينظرون إليها وهي في أحلى نوبات الوعي يدعوها أحدهم بأن تجلس معهم لتشرب الشاي وكانت فقرة رائعة أجادت الكاتبة فيها ما تريد أن تقوله وهي الفقرة الموجودة على غلاف العمل تقول الكاتبة:"يظن الجاهل الوقح أنني مجنونة وأنهم سيضحكون علىَّ، أجلس بينهم على كرسي خشبي من كراسي سرادقات العزاء وأشرب أكواب المياه المثلجة من أمامهم، وأترك شايهم الأسود مثل ظلالهم يبرد أمام عيني، لأتطلع في وجوههم". وفي النهاية تقول :"يا أخي المسكين، يا أخي الجاهل المسكين".

التناص:
تتناص بطلة العمل "عبلة" مع عبلة التاريخ عبلة عنترة بن شدان، تبقى عبلة على العهد حتى ولو عاشت في عالم آخر كما هو الحال عند عبلة عنترة بن شداد حين زج بعنتر إلى الصحراء ليأتي لها بالمهر النياق الحمر يقول أبو فراس الحمداني الفارس الشاعر:
تهون علينا في المعالي نفوسنا.. ومن خطب الحسناء لم يغلها المهر

تبقى عبلة على العهد بعد أن علمت بإرسال عنترة إلى الهلاك وقالت سأبقى على حبك دائمًا ما حييت وها هي عبلة البطلة تبقى على حبها وإخلاصها لأبنائها من المصريين تتعب وتجن ويحدث لها ما يحدث إلا أنها ستبقى مصر الجميلة تمرض ولكنها لا تموت، حب الكاتبة للتاريخ وثقافتها جعلها تربط بين حبها لمصر وحبها لعبلة التاريخ بل وكان اسم أمها عبلة، ونظراً لحبها وحب أبيها لعبلة سمى ابنته هي الأخرى "عبلة" وتستشهد الكاتبة نفسها ببيت شهير لعنترة بن شداد:
يا عبل حبك في عظامي مع دمي.. لما جرت روحي بجسمي قد جرى

التناص كذلك في تلك الرائحة "إنها رائحة الحياة الكريهة بعد تلك الحادثة" وهي تستلهم مجموعة صنع الله إبراهيم تلك الرائحة، وهو ما جاء على لسان عبلة وهي في حالة الهيام مع نفسها وانتقالها من حالتها الطبيعية إلى حالة الهذيان أو نوبات الجنون التي أصابتها تجد الرائحة الكريهة في شقتها وهي لا تعلم أن تلك الرائحة قد تكون من نفسها أو ذاتها وشعرها وملابسها.

تسقط الكاتبة على لسان عبلة عبارات عديدة وتفصيلات لا حصر لها عن حياتها التي تغيرت، فمن ذلك الرجل الممدد والنائم على سريرها تراه في المرآة؟ وهي تسأل نفسها هل ممكن يكون زوجي؟ إن رائحة الحياة الكريهة وقبح الواقع الذي تحياه يموران بداخلها لتخلق لنفسها عالم تحيا فيه مع هياماتها. تلخص حياتها في تدوين ما تحياه تلك الفتاة في قولها "أحاول نبش فروة رأسي لإخراج مخي لأتأمله وأتحقق مما يدور فيه الآن... يتشظى بين درجات اللون الأبيض الساخن اللانهائية، أشعر بمقدار جحيم لهيبها كأنها خارجة من فُوَهة بركان، لن يسعفني مداد كل الأقلام المتاحة أو الأوراق، لن يسعفني الطَّرق كملتاثة حقيقية على أزرار الكيبورد، فالمشاهد تأتي كاملة ثم سرعان ما تغيب في درجة من درجات هذا البياض".. إنها لعبة الذاكرة.

المشاهد كثيرة وتمر عليها بسرعة وتريد التذكر والكتابة تؤكد على حالة الجنون أو فقدان الوعي وعدم السيطرة على الذات فهي تريد الامساك باللحظة ومعرفة حقيقة نفسها عن طريق الكتابة، ولكنها قد لا تستطيع معرفة كل التفصيلات فهي تحاول مع نفسها لإثبات ذاتها والبحث عنها من خلالها هي حيث تتلاشى المواقف وتندحر من أمامها وهي تعتصر قلبها وعقلها، إنها بذلك تحاول إثبات قدرة المجنون على التذكر على معرفة من هو ومن حوله وقت الجنان الذي يلحق به، هل هذا البياض الساخن في العقل كان سببه الإله "مين" حيث حاولت أن تخبئ مجسده الفرعوني وتقول لنفسها كيف حصلت على هذا التمثال؟ وكيف عرفت أن هذه القطعة هي القطعة الحقيقية؟
تزج الكاتبة بالحضارة المصرية حتى تؤكد على أن لمصر تاريخًا عظيمًا. البياض الساخن يحجب الذاكرة لا تستطيع التقاط كل التفصيلات.

التفاعل النصي
التفاعل النصي هو وجود كلام للغير أو عن الغير في الرواية تأتي به الكاتبة كي يتفاعل مع النص الجديد
1-التفاعل الأول هو وجود مستنسخ لبورتريه مدام "دي بمبادور" للفنان الفرنسي "فرانسوا بوشيبه" وهذا نوع من التفاعل النصي المسمى بالمناص وهو ما يطلق عليه المناص، والمناص هو تفاعل في النص من خلال إدخال نص آخر أو تناول حديث آخر بعيداً عن الرواية والمناص هنا مناص ثقافي لأن المناص متعدد، وهو ما كان هنا في صورة مدام دي بمبادور تقول الكاتبة "أكاد أصرخ: كيف أنام شبه عارية هكذا إلى جوار رجل لا أعرفه حتى اسمه؟ أتلفت حولي لعلني أجد صورًا مشتركة لنا معًا.. لا شيء سوى مستنسخ لبورتريه مدام"دي بمبادور" للفرنسي الشهير فرانسوا بوشيه".

هذا متفاعل نصي يسمى كما قلت المُناص ويؤتى به ليتفاعل مع البنية الكبرى للعمل والتفاعل هنا يكمن في الحالة التي كانت عليها عبلة في جنانها تنظر حولها فتجد تلك الصورة لمدام دي بمبادور وهنا يتأكد للقارئ أن عبلة لم تكن شخصية عادية بل هي مثقفة وتعرف من هي مدام دي بمبادور تلك الجميلة التي عشقها وأحبها لويس الخامس في فرنسا في القرن الثامن عشر، صاحبة أرقى الصالونات الفنية التي أثرت الحياة الفنية الفرنسية الثقافية، فقد كانت سيدة أرستقراطية مثقفة أثرت بشكل كبير في النواحي الثقافية والفنية والسياسية في البلاط الفرنسي، وقد منحت لقب الماركيزة دي بمبادور وأصبحت راعية الارستقراطية الفرنسية في عهد الأناقة والرفاهية، وكان لصالونها أثر عظيم حيث احتضنت المفكرين والفنانين في عصرها.

وبالتالي فإن هذا المناص من المتفاعل النصي الثقافي التاريخي الذي حرك الفكر في العمل حتى يسأل القارئ من هي مدام دي بمبادور والتي كان اسمها الأصلي جين أنطوانيت بواسون. ثم تؤكد الكاتبة على تلك الصورة بوصفها وصفاً دقيقاً في الصفحة التالية تقول عن الرسمة: "وهي مرتدية فستانًا يحاول لونه أن يكون أزرق موشي بورود من الساتان القرنفلي، وحذاء قرنفليًا وقلادة قرنفلية، تجلس المدام وكأنها إلهة الأناقة في القرن الثامن عشر وفي يدها اليمنى كتاب مفتوح بإهمال وغنجٍ على فخذها الأيسر بينما يدها اليسرى متكئة بدلال على مسند الأريكة المخملية وعيناها ذاهبتان إلى البعيد بينما تعد عيناي عدد الورد الصغير، وتتخيل عشرات النساء وهن عاكفات على تطريزه؛ تاركات نور أبصارهن هناك وتحديدًا على ذيله الطويل وإلا لماذا خرج الفستان متألقًا ومضيئًا هكذا برغم ألوانه باهتة؟"."ينسدل ستار أبيض على أفكاري" هكذا تقول أي أن هناك ما يحاول محو التذكر وهو سخونية التذكر ... فالبياض من شدته قد يحجب حالة التذكر وهو في العمل كثير وتفصيلات دقيقة سنتعرض لها.

2-نرى التفاعل مع وجود أغانٍ لمطربات مثل من تغني أغاني وطنية لمطربات أخريات ولتكن ريهام عبدالحكيم في أغنية " فيها حاجة حلوة، حاجة حلوة منا". ثم أغنية سيد الحبايب يا ضناي أنت "للمطربة شادية" وهي أغانٍ تغنى في الكباريه المجاور لبيتها وتتعجب من الحالة هل هذه الأغاني تغنى لسكارى في الكباريه، بمعنى أنه من غير المعقول أن تغنى مثل هذه الأغاني في الكباريه، مثل حالها بالضبط المنقلب رأساً على عقب فهي ترى رجلاً شبه عارٍ نائمًا خلفها في المرآة على سريرها وتتساءل هل هو زوجها؟ هي في حالة الهذيان أو نوبات الجنون التي أصابتها، وهنا نلمح قيمة هذا المتفاعل النصي من خلال ذكر عبارات أو أسماء الأغاني فنتساءل ما العلاقة بين هذا الاسم والحالة التي كانت عليها ولماذا لا تنسى عبارة الأغاني الوطنية أي أن الوطن مسيطر عليها حتى في تلك الحالة التي وصلت إليها من الهذيان.
تقول الكاتبة على لسانها "يتهادى من بعيد صوت حاد لمطربة كباريهات درجة ثالثة وهي تغني لمصر وتعيد أغنية ريهام عبدالحكيم الشهيرة " فيها حاجة حلوة، حاجة حلوة منا" [...] ما لم أفهمه أبدًا هو لماذا تغني هذه المرأة أغاني وطنية أو حتى أغاني حزينة مثل أغنية شادية سيد الحبايب يا ضناي أنت "للمطربة شادية" وهل يطلبها منها السكارى أم تغنيها من تلقاء نفسها هكذا؟"

3-المناص القرآني
المناص القرآني الذي جاءت به الكاتبة وهو قوله تعالى :" قال رب اشرح لي صدري ويسر لي أمري واحلل عقدة من لساني يفقهوا قولي" هو آية قرآنية زجت بها الكاتبة حتى تهدئ من الموقف الساخن الذي تحياه في اللحظة؛ لأن ارتعاشتها قد زادت من خلال خوفها على أختها وهي تحاول اقناع أخيها مجدي كي يذهب ليبحث عن أخته عبلة وهي قبل ذلك تذكر بأنها رأتها بجوار أحد الميادين وأنها في حالة هيجانها ، ولا تجد من مجدي ردًا على كلامها، هذا من جهة ومن جهة أخرى الآية وهي في حالة تذكر أو غشيان تحاول النسيان ولكنها لم تستطع هل يستطيع شخص أن ينسى وطنه أن ينسى بلده أن ينسى أخته.

4-مناص الشعر
إن العيون التي في طرفها حور.. قتلننا ثم لم يحيين قتلانا
يصرعن ذا اللب حتى لا حراك به.. وهن أضعف خلق الله إنسانًا

والشاعرة تصر على التفاعلات الثقافية وتعتبر الرواية هي رواية تعليمية تثقيفية أيضًا على الرغم ما فيه من هدف سياسي في المقام الأول. هنا وفي هذين البيتين نرى الكاتبة تذكرهما على لسان جدها المريض بالجنون شوكت المللواني وهو يترجمهما للطبيب الفرنسي، تأكيدًا منها على أن العائلة عائلة مثقفة وأن الخلفية الثقافية لجدها تظهر في بعض الأوقات لى الرغم من نوبات الجنون التي تأتيه. وهذه الأبيات من أفضل الأبيات التي قيلت في الغزل وقالها جرير الشاعر الأموي.

وحين تمر من عند الحسين تسمع ياسين التهامي ينشد بأبيات المتنبي وهو ما يدل على أنها تبحث مع أختها على العدل المفقتد حيث تسير خلف أختها عبلة وهي في ذلك المنظر الذي تشعر معه بالحرج فهي تجرجرها وراءها فتستمع إلى هذه الأبيات وهو ما يدل على أنها قريبة من الأولياء ودائمة التقرب منهم
يا أعدل الناس إلا في معاملتي.. فيك الخصام وأنت الخصم والحكم

•التفاعل النصي التاريخي ولعبة الذاكرة وإثبات الذات:
تفصيلات عديدة تذخر بها الرواية وحكايات هنا وهناك كل ذلك من أجل إثبات الذات والتغلغل في الشخصية ومعرفة أبعادها بفعل الاستدعاء حتى ولو كانت شخصية غير سوية أي مجنونة، كما هو الحال عند البطلة عبلة نعيش معها في متفاعل نصي آخر حين تربط بين الذاكرة التي قد تمحى ولا تستطيع أن تتذكر شيئاً وبين الحضارة المصرية العظيمة وهو فعل ثقافي حضاري مرتبط بالتاريخ ومتفاعل نصي تاريخي حين تذكر اسم الإله "مين" ولعنة الفراعنة التي قتحل بها من جراء ذلك النسيان وتلك الذاكرة التي تحاول التقاط بعض التفاصيل تقول الكاتبة " هل هي لعنة الإله" مين "هل زحف البياض الساخن على مخي عندما باغتني اليوم من مخبئه؟ يقال إنه كان يرسم صاعقة بيضاء أنَّى حلَّ. كان مثلاً يصعق تماثيل الإله آمون فيسربلها في البياض وهي مكانها".

تحاول الكاتبة بعد ذلك تؤكد جزئية التماهي ولحظات الإفاقة من النوبات فهي بين لحظة وكراها تبرهن على ذلك وتحاول الربط بين ما هو طبيعي وما هو خيالي وأن هناك خيطًا فاصلاً بين الاثنين؛ بين عالم تعيشه بمفردها وتحاول أن تثبت وجودها من خلاله وبين عالم آخر واقعي لا تستطيع التأقلم معه تقول الكاتبة:"وكنت أتأمل وجهي في المرآة وشعرت بهذا البياض الساخن المتأجج الذي يتناسل في مخي ويجعلني أرى الناس والتفاصيل وكأنني أراهم من خلف ستائر بيضاء، ستائر تفصل بين عالم لي وحدي وبين عالم يقفزون فيه قفزات لا أفهمها".

التاريخ الحضاري لمصر يطفو حتى في وجود الاسم وكيف أن المصري القديم قد خلد اسمه عبر التشييد والبناء، والكاتبة تذكر على لسان البطلة أن اسمها ونظراً لنوبات الجنون قد يتلاشى من الذاكرة وقد تغشاه تلك السحابة البيضاء فتربط بين هذه الحالة في تناص جميل وبين التأكيد على الوجود من خلال وجود الاسم عند الفرعوني القديم، وكيف أن أقسى عادات الفراعنة الانتقامية هي أن يمحو المصري القديم اسم شخص ما من الذاكرة وهو ما فعله تحتمس الرابع بحتشبسوت حين أزال الخرطوش الذي يحمل اسمها وكل ما يدخل على وجودها تقول الكاتبة :"يا إلهي هل سأنسى اسمي أيضاً قريباً؟ يا إلهي! ماذا فعلت كي تنتقم مني هذا لانتقام الفرعوني الشرس، كان محو الاسم عند الفراعنة يعني محو الذات من أن توجد أو تكون أو حتى تتعرف إلى جسدها لتعود إليه بعد الموت، ولذلك كان أقسى عادات الفراعنة الانتقامية هي أن يمحو المصري القديم اسم شخص ما من الذاكرة وبهذا يمحوه من الوجوه، هذا ما فعله تحتمس الرابع بحتشبسوت" . وهي تدلل من هذا التناص على ما ورثه المصريون من عبارة "سأمحو اسمك من الوجود".

الموت
ونرى تفصيلات أخرى عديدة مع الموت فهي نفسها تخشى الموت، وهي لا تعلم هل هي تحيا الآن أم أنها قد ماتت بالفعل وتتذكر من سبقوها من الذين اختاروه طريقًا لهم سواء أكان عن طريق الانتحار أم القتل وتسأل وهي في الحمام "هل مروا كلهم بلحظات تشبه هذه اللحظات قبل أن يتخذوا قرارهم الأخير؟ هل بحلقوا مثلي في موتهم وجهًا لوجه هكذا فقرروا أن يسخروا منه؟ إن أولئك الذين اختاروا ألا ينتظروا أكثر ... استيقظ همنجواي في أحد الصباحات في منزله الجديد وارتدى روبه الأحمر ومشى على أطراف أصابعه لكيلا يوقظ زوجته ماري وذهب إلى المطبخ ثم إلى الدور الأرضي وتناول بندقية قصيرة ذات فوهتين، تلك التي يستخدمها في رحلات صيده وبثبات منقطع النظير فجرت طلقتان الرأس الذي أبدع "العجوز والبحر".

ثم تعدد الكاتبة بعض ممن لقوا حتفهم انتحارًا أو قتلاً وهي في حالة من التذكر واختبار الذاكرة لكي تقول إنها تتذكر ما كان وتعلم جيدًا تلك الحالات التي ماتت وذهبت بفعل قرارها الأخير قرار الموت والانتهاء من الحياة "وأصر طرفة بن العبد أن يذهب إلى حتفه رغم تحذير خاله المتلمس، لا أتذكر كيف انتحر عمرو بن كلثوم، ولكنني أكاد أرى سعاد حسني ممدة في سوادها على أرض غربية بعد سقوطها من علٍ".

الغلاف
الغلاف فيه صورة لفتاة يبدو عليها الهذيان، الوجوم والسكوت، والاندهاش والاستغراب، الفتاة جميلة شعرها متهدل على كتفيها وتضع يدها تحت أذنيها مفكرة، في الوقت الذي فيه ضوء يحجب الذاكرة، يحاول محو ما كان.

الإهداء
تقول الكاتبة في الإهداء: "لا تحزن يا أخي المختلف، فالرسوم الموجودة على أجنحة فراشة لا تتكرر عند غيرها من الفراشات".

أي سيظل هذا المختلف على جاله مهما حاولت اقناعه وإفهامه لن يتغير، وهناك امتداد في هذا العمل لذلك الإهداء وهو الولدان إبراهيم وأحمد ابنا لولا الذي اعتنق فكرًا مختلفًا عن الجميع، وأصبح الاثنان يمثلان ذلك الاختلاف الذي تناولته الكاتبة في الإهداء، وهذا هو الامتداد الخاص بالإهداء في العمل وكذا في الحياة التي نحياها فالاختلاف موجود وسيظل موجودًا.

في نهاية العمل نلاحظ في نهاية العمل أن الشمس بدأت تشرق وانقشعت الظلمة أو تلك الغشاوة التي ألمت بعقل عبلة بطلة العمل، أو ذلك البياض الساخن. ومع شروق الشمس بدأت الغيوم في الرحيل لتعيش مصر حياة جديدة غير تلك الحياة التي عاشتها في فتراتها الماضية التي تعرت فيها.

اقرأ ايضا:

فقد الذات ولعبة الذاكرة في رواية "بياض ساخن"

أضف تعليق