ثقافة وفنون

نادية لطفي..أشعة الموهبة التي لا تطفأ كالشمس ..صاحبة النظارة السوداء و"لويزا" المقاتلة المتسامحة .."سلامات"

23-8-2016 | 13:05

نادية لطفي

سارة نعمة الله
هل رأيت بريق الشمس الذهبي الذي يسطع من أشعتها المتوهجة في أعتى فترات الظهيرة، ربما لا نتحمّل درجة سخونتها ولهيبها الناري لكننا من المستحيل أن نغلق أبواب نوافذنا أمامها لأنها بمثابة الحياة.. نعم نحن لا نستطيع أن ندير أعيننا عن "لويزا" صاحبة النظارة السوداء، لا نستطيع أن نغمض أعيننا أمام نادية لطفي في رقتها المعهودة، ورومانسيتها الحالمة، وجرأتها على تقديم الجديد والمختلف، فإطلالتها بمثابة بريق الشمس الذي لا ينطفئ وهجه.


نادية لطفي الاسم الذي حملته الفنانة طوال رحلتها الفنية بعيدًا عن اسمها الحقيقي "بولا"، وربما كان الاسم على مسماه كما تقول الأمثلة الشهيرة، فهي نادية الخلق، وكثيرة الكرم والرقة دليلاً على لطفها المعهود. اختارت النجمة الكبيرة لمسيرتها خطًّا مختلفًا عن غيرها من نجمات جيلها، فكانت البطلة التي تحاكي في تفاصيل كل شخصية تؤديها الروايات الأدبية التي كانت تقوم بتجسيدها لعل أشهرها "السمان والخريف"، و"بين القصرين" للأديب العالمي نجيب محفوظ، أو غيرها من الأدوار التي كللت فيها لنجاح قصص الكاتب الكبير إحسان عبد القدوس ومنها حتى لا تطفئ الشمس، النظارة السوداء، وأبي فوق الشجرة.

وعلى مدار سنوات طويلة من العمل الفني، لم تهدأ النجمة الكبيرة على موهبتها بل كانت تدعمها وتقويها من عملًا إلى آخر، لم تستلم لكونها صاحبة الجمال الهادىء والملامح الشقراء لتخضع تحت طائلة الأعمال التي لم تكن لتصنع من موهبتها أو تستثمرها وهو الخطأ الذي وقع فيه عدد من نجمات جيلها المعاصرين. ولعل المميز في رحلة عمل النجمة الكبيرة أن مشاركتها مع نجوم جيلها سواء من بني جنسها أو الجنس الآخر كانت طبيعية وغير متكلفة الأداء بل على العكس فإن تركبيتها الفنية كانت سريعة التفاعل الكيمائي مع أي فنان أو فنانة.

ورغم أن نادية لطفي تمردت على جمالها الهادىء في كثير من أدوارها، لكننا لم نكن نتخيل غيرها من نجمات جيلها في بعض الأدوار التي لعبتها رغم تمتعهم بدرجة موازية أو أعلى في الجمال لكنهم كانوا كتلة صامتة الأداء مستكينة التفاعل الجسدي والروحي مع الأدوار، فمثلاً في دور "لويزا" الذي قدمته في فيلم "الناصر صلاح الدين"، هذه المقاتلة الصليبية التي تظل الشخصية الأكثر تعلقًا في أذهان المشاهد، ليس فقط للجمال الهادىء الذي كانت تحمله النجمة بل إن نادية لطفي تميزت أيضًا نبرة في صوتها تحمل "بحة" منخفضة وجاذبة في طريقة حديثها، ربما لا تكون واضحًا في بعض الأعمال لكنها كانت مميزة هنا في هذا الفيلم خصوصًا مع تحدثها عن قيم التسامح ومحاولة مساعدتها للجرحى في الحرب أو حبها لقائد مسيحي "عيسى" في جيش المسلمين.

وبرغم أنه من النادر أن تجد كيمياء فنانة تتوازى في درجة التفاعل والجاذبية التي كانت تتمتع بها الراحلة سعاد حسني إلا أن نادية لطفي كسرت هذه القاعدة أكثر من مرة الأولى في فيلم "السبع بنات" وكونها الشقيقة الكبرى للسندريلا والتي أضفت بساطة وجاذبية للدور، بدى منسجمًا مع باقي أدوار الفنانات الآخرى، وكذلك أيضًا في فيلم "للرجال فقط" والتي تتنكر فيها هي وسعاد حسني في ثوب رجال من أجل العمل في إحدى المواقع المخصصة للتنقيب عن البترول، وهو التجربة التي خاضتها نادية لطفي نحو الأدوار التي تحمل كوميديا الموقف دون أن تبتعد عن شخصيتها الفنية بشكل صادم للجمهور.

"المومياء"هو مرحلة أضافت لرصيد النجمة الكبيرة بصحبة المخرج الراحل شادي عبد السلام، فرغم الملامح الأوروبية التي تحملها النجمة إلا أن قسمات وتعبير وجهها بنظراتها الثاقبة منحتها روح شخصية الجنوب التي دارت بها أحداث الفيلم، لذلك فإننا لا نصدم عند رؤيتها مثلاً في رقصتها الشهيرة بفيلم "بين القصرين" على أنغام أغنية "طب وأنا مالي" للراحلة بديعة ماصابني، نظرًا لقدرتها على التنوع والاحترافية في لحم شخصيتها مع ما تقدمه على الشاشة، وكذلك دور الراقصة في فيلم "أبي فوق الشجرة".

خط التميز الذي رسمته "بولا" لحياتها الفنية، وقصدت فيه حفر اسمها بماء الذهب لم يأخذها من دورها السياسي الذي صنعته تاركة بصمة واضحة في هذه الحياة، فكما كانت "لويزا" المقاتلة المتسامحة في "الناصر صلاح الدين، بقيت هكذا في دورها الاجتماعي الوطني الذي صنعت منه تاريخًا خاصًا بها، فقد قامت بدور المراسل الحربي الذي جمع شهادات الجنود المشاركين في الحرب، وتعبيرهم عن مشاعرهم قبل هذه اللحظة الحاسمة وبعدها من خلال فيلم "جيوش الشمس" وذلك بروايات وشهادات واقعية من هلال دورها الخدمي الذي كانت تقدمه لهؤلاء المصابون في المستشفيات التي كانوا يقنطون بها، وهي تلك المرأة التي عرفت بمحاصرتها للقضية الفلسطينية ودامت صديقة للرئيس الراحل ياسر عرفات.

وليس هذا فقط، بل أنه من النادر أن السيدة التي تقدم بها العمر، ومازالت تحتفظ بروحها الداعبة، وحديثها الودود منذ أن تحدثها من اللحظة الأولى لم تستلم لهذه الشيبة أو تمتنع عن تأدية الواجب السياسي لبلدها، فقد ظلت حريصة على المشاركة بأرائها السياسية في ظل الأوضاع العصيبة التي عاشتها مصر في سنواتها العجاف الأخيرة، ولم تمتنع عن التصويت والمشاركة في الانتخابات الرئاسية بل نزلت ووضعت صوتها من جانب دورها الوطني رغم عدم قدرتها على الظهور الإعلامي كثيراً خلال التكريمات التي حصلت عليها مؤخراً.

نادية لطفي التي تعاني من وعكة صحية خلال هذه الأيام، بإرادة الخالق وإراداتها وشخصيتها القوية المعهودة، تبقى "ست الكل" التي تربعت على الساحة المصرية بمكانة خاصة في قلوب محبيها، لا تخشى لومة لائم في مناصرة الحق حتى وإن كان حيوانًا كالحمار الذي حصلت من أجله على لقب "حاملة البردعة" وهو أعلى لقب في جمعية الحمير المصرية التي تأسست قبيل سنوات، نادية التي أمتعت الملايين بأخلاقها، واجتهادها في العمل الفني والسياسي لا يعقل أن يذهب من يتلصص إلى غرفتها بالمستشفى التي تقنط بها من أجل الحصول على صورة لها وهي على فراشة المرض داخل غرفتها بالعناية المركزة، بل أن ما قدمته "بولا" لفنها ومجتمعها يستلزم منا منحها كرم الأخلاق والسعادة التي مدتنا بها على مدار رحلتها الطويلة الفنية والاجتماعية.

اقرأ ايضا:

الاكثر قراءة

مواقيت الصلاة

اسعار العملات

درجات الحرارة