الأسطورة الحضرية في ديوان "هواء العائلة" لشريف رزق

16-8-2016 | 18:52

 
الأسطورة الحضرية في تعريفها البسيط هي حكاية متداولة عن طريق شخص مقرب من البطل يزعم مشاهدة أو معايشة الحدث بنفسه، ويجرى تسويقها عادة على أنها حقيقة واقعة رغم ما يشوبها من تناقض عقلي أو علمي أو منطقي (3).


وتعتبر الأسطورة الحضرية أحد أشكال الحكي الشعبي(2)، ولعل كلمة "حضري" هي ما يثير الدهشة هنا،؛ فمنشأ هذا النوع من الحكايات الشعبية ربما لا يكون "حضرياً" بالمرة بمعنى أنها ربما لم تنشأ في منطقة ذات طابع حضري بل ذات طابع جبلي أو ريفي(5)، وإنما تأتى كلمة "حضري" للدلالة على معاصرتها الآنية ونفى انتمائها للمجموعة الأسطورية الخاصة بالموقع الجغرافي الذي نشأت فيه(1)، والأدب المعاصر– القصصي والسردي منه على وجه الخصوص– وكذلك السينما المعاصرة يزخران بالكثير من نماذج الأساطير الحضرية(7).

وتمتاز الأسطورة الحضرية بعدد من الخصائص التي تميزها عن باقي أجناس الكتابة الشعبية منها مثلاً:
1. اختيار بيئة جغرافية عادية أقرب إلى بيئة القارئ أو السامع.
2. اختيار أبطال عاديين لا يمتازون في الطبقة الاجتماعية أو الثقافية أو السياسية عن القراء أو المستمعين.
3. إضفاء قدر كبير من الأسطورية والتشويق على الأحداث التي تبدو عادية رغم عدم وجود تفسير منطقي لها.
4. إضفاء صبغة أسطورية على الشخصيات المتفاعلة داخل الأسطورة الحضرية.
5. تعمد بناء الأحداث بطريقة شديدة التشابك والتعقيد.
6. تعمد ترك النهايات مفتوحة لخيال القارئ أو المستمع.
7. الترويج للحدث المروي على أنه حدث حقيقي وإضفاء المصداقية عليه من خلال زعم أو ادعاء الشهادة عليه.
8. عدم الاكتراث للسمات الأساسية لكتابة باقي أجناس الحكي الشعبي الأخرى. (4)
وبالطبع فتحقيق تلك السمات قد يكون كلياً – بمعنى أن تنطبق كلها على عمل واحد – أو جزئياً بحيث نرى منها مجموعة من السمات بينما تختفي باقي السمات من العمل(6)؛ غير أن الثابت من متابعة تطور الكتابات المعاصرة ظهور هذا النوع من الكتابة بكثافة في الآونة الأخيرة خصوصاً في روايات التشويق والإثارة في الأدب الأمريكي والأوروبي، وكذلك الأعمال السينمائية والمسرحية المعاصرة(2).

ومن غير المدهش أو الغريب أن نرى تجليات هذه الظاهرة في الأدب العربي المعاصر كما أنه من غير المستغرب أن نراها في عالم القصيدة رغم أن ظهورها الأساسي كان في عالم القصة.

وسنرصد هنا نماذج لظهور بعض الأساطير الحضرية في ديوان" هواء العائلة"، لشريف رزق باعتباره من أبرز النماذج الشعرية المعاصرة التي تجسد أسطورة الذات وتتجلى فيه بوضوح بعض ملامح الأسطورة الحضرية.

يمثل نص "هواء العائلة"، تأصيلاً واضحاً لظاهرة الأسطورة الحضرية، في النص الشعري المعاصر؛ فقد وضعنا شريف رزق أمام الخصائص الثمانية كاملة للأسطورة الحضرية؛ فهو يختار موقعاً جغرافياً عادياً (سطح بيت ريفي)(8)، يصفه بدقة ليؤكد لنا أن لا غريب في الأمر رغم أن الغرابة آتية لا محالة فمجرد ازدحام المكان بذاكرة العائلة وذكرياتها يضفي الجو الأسطوري الملائم ليطل علينا بطل أسطوري هو عادي لا يمتاز عنا في شيء غير أن أسطورته تأتي من فاجعته في وفاة أمه(9)؛ لقد كانت الملاذ؛ كما كانت الجدة ملاذ الطفولة(10)، ثم تتداعى الأحداث لتكتشف أن الأسطورة الحضرية الرائجة في هذا الموضع إنما هي أسطورة الفقد؛ فالبطل الفاقد لأمه يلقى المرأة الفاقدة لزوجها ورغم كونهما في عزاء الفقد(11).

إلا أن أسطورة الفقد توحدهما معاً فتشفى بعض الفقد عند المرأة وتدخل البطل في تجربته الأولى لتبدأ رحلته الأسطورية لاحقاً في هواء العائلة، ومجرد الحديث بضمير المتكلم يضفي صبغة "الحقيقية" المطلوبة لتكوين الأسطورة الحضرية كذلك فإن الأحداث البسيطة منفردة تتعقد في تشابك مذهل بمجرد تتاليها في تتابع النص، وبالطبع فإن شريف رزق لم يكن ينوى كتابة حكاية شعبية لذلك فهو لا يكترث مطلقاً لآليات كتابة هذا النوع من الحكايات، وإنما يقدم نصاً فائق الشعرية مفعم بالشجن العفوي الطازج المثير للدهشة والحزن في آن واحد.
------
د.طارق عمار
(أكاديمي وناقد مصري)

المراجع:
1. Bell, K. (2012). The legend of Spring-heeled Jack: Victorian urban folklore and popular cultures. Boydell Press.‏
2. Bennett, G., & Smith, P. (Eds.). (2013). Contemporary legend: A reader (Vol. 1718). Routledge.‏
3. La Barre, K. A., & Tilley, C. L. (2012). The elusive tale: leveraging the study of information seeking and knowledge organization to improve access to and discovery of folktales. Journal of the American Society for Information Science and Technology, 63(4), 687-701.‏
4. Nguyen, D., Trieschnigg, D., & Theune, M. (2013). Folktale classification using learning to rank. In Advances in Information Retrieval (pp. 195-206). Springer Berlin Heidelberg.‏
5. Nguyen, D., Trieschnigg, D., Meder, T., & Theune, M. (2012). Automatic classification of folk narrative genres. In Proceedings of the Workshop on Language Technology for Historical Text (s) at KONVENS 2012.‏ Proceedings of KONVENS 2012 (LThist 2012 workshop), Vienna, September 21, 2012 PP: 378 – 382
6. Shuang-hua, Z. H. A. O. (2011). On the Changes of Urban Literature's Modernity Since the New Period [J]. Journal of Beijing University of Technology (Social Sciences Edition), 1, 015.‏
7. Spector, P. E. (2006). Method variance in organizational research truth or urban legend?. Organizational research methods, 9(2), 221-232.‏
8- هواء العائلة - مركز الحضارة العربية- الطبعة الأولى- 2016 - ص:
" سَطْحُ الدَّارِ، هُوَ المكانُ الأثيرُ لديَّ
آوي إليْهِ، خُلْسَةً، على
دَرَجَاتِ السُّلَّمِ الخَشَبيِّ، وَمَا بَيْنَ
جرَارِ الجُبْنِ القَدِيمَةِ، وَبَقايَا الأشْيَاءِ، أسْتَنِدُ
على الحَائطِ الطِّيني الخَفِيْضِ
مُسْتَمْتِعًا بتفاصِيْلِ المشْهَدِ الكُلِّيِّ."

9 - السابق- ص:
"أكْثَرُ مِنْ هَذِهِ الأزْمَةِ مرَّتْ وعُدْنا إلى بيتِنَا مِنْ جَدِيدٍ
كانَ صَدْرُكِ يعلو وينزلُ معَ أنفاسِكِ الَّتي تَتَسَارَعُ
رِجْلُكِ اليُمْنى اسْتقامَتْ بجانبِ اليُسْرَى
كَمَا كانَتْ في البِدَايَةِ
وَجْهُكِ أصْبَحَ أكْثَرَ إشْرَاقًا
وتوارَتْ مِنْهُ عَلامَاتُ المواجِعِ
كُلَّمَا وَضَعْتُ يدِي على جبينِكِ تنتفِضِيْنَ
رغوةٌ ناصِعَةٌ بدأتْ تتسايلُ منْ جانبِ فَمِكِ المُغْلَقِ
جَارَةٌ دَخَلَتْ تتشهَّدُ،
نحَّتْنِي كشَيءٍ، وفرَدَتْ عليكِ الملاءَةَ
وكُنْتُ كصَبيٍّ ينتظِرُ أمَّهُ ولا يَقْوَى على الحِرَاكِ."

10- السابق- ص:
" تجعلينَ مِنْ فخذِكِ وسَادَةً لي
تمسَحِينَ على رَأسِي
وتقُصِّينَ عليَّ حِكَايَاتٍ مِنْ طفولتِكِ
ثمَّ طفولةِ أخْوَالي وأمِّي
تأخُذِينني إلى السُّوقِ دائمًا مَعَكِ
في كلِّ مرَّةٍ تُحْضِريْنَ لي كوبًا مِنْ السُّوبيا المثلَّجَةِ
تحمِلِينني في الزِّحَامِ
تأخُذِينني في زيَارَاتِ المقابرِ
وفي الأعْيَادِ والمناسَبَاتِ
وكُلَّمَا اسْتيقظْتُ في الليْلِ عَطْشَانَ يَا جدَّتي
تكونيْنَ في انْتِظَاري؛ فَتَسْقِينَني كَرَضِيْعٍ
تتعلَّقُ عيناهُ بحنانِكِ الزَّائدِ،
ثمَّ تُعِيْدِينَني إلى النَّومِ مِنْ جَدِيدْ."

11- السابق- ص:
" المرعِبُ في المسْألَةِ أنَّهَا كانَتْ صَدِيقَةُ أمِّي
الجَارَةُ الَّتي اسْتَوقَفَتْنِي في طريقِ عَوْدتِي
وَأنْبَأتْنِي أنَّهَا سَتَصْعَدُ لِي
لأكْتُبَ رِسَالةً إلى زَوْجِهَا
المرْأةُ الَّتي أهْمَلَتْ الرِّسَالةَ، وَحَرَّرَتْ جَسَدِي
وَقَادَتْنِي إلى مَجَاهِلَ، لمْ أزَلْ أتَخَبَّطُ فيْهَا."

اقرأ ايضا: