شبهت السلطة بـ"ريا وسكينة" ورفضت التطبيع واعتقلت مرتين.. "لطيفة الزيات" الثائرة النسوية

9-8-2016 | 10:07

لطيفة الزيات

 

منة الله الأبيض

تمتلئ ذاكرة التاريخ المصري بنماذج نسائية مُشرفة، ناضلت من أجل إحياء شعار الوطن وإعلاء مكانة المرأة في المجتمع، والخروج من عزلتها، بخاصة في فترة الثلاثينيات والأربعينيات، ومن أهم تلك النماذج؛ الأديبة الدكتورة لطيفة الزيات (8 أغسطس 1923 - 11 سبتمبر 1996)، التي حلت ذكرى ميلادها أمس الإثنين.


حفرت "لطيفة الزيات" بسيرتها الذاتية "حملة تفتيش: أوراق ذاتية" الصادرة عام 1992، نفقًا عميقًا في ذاكرة التاريخ المصري، ولولا أن وافتها المنية عام 1996، لحفرت نفقًا آخر موازيًا بالجزء الثاني من السيرة الذاتية، فعندما سألها الشاعر فاروق شوشة في برنامج "أمسية ثقافية" عن الذي يشغلها على مستوى الإبداع بعد إتمام سيرتها الأولى، أجابت بشغف: "أحاول إتمام الجزء الثاني من: حملة تفتيش".

مواقف عديدة من الصغر إلى الكهولة، شكلت وعي "لطيفة الزيات" السياسي، فقد مارست دورها كمثقفة كما ينبغي أن يمارس المثقف العضوي دوره. اشتبكت مع السياسة، فدفعت الثمن باهظًا مرتين في حياتها، باعتقالها عامي 1949 و1981.

من أبرز تلك المواقف التي رصدتها في سيرتها الذاتية "حملة تفتيش: أوراق شخصية"، التي جمعت بين التاريخ والسيرة الذاتية، موقف قتل الشرطة لحوالي 14 متظاهرًا، وقعوا أمام عينيها، وهي المرة الأولى التي ترى مشهدًا كهذا، تقول عنه: "وأنا في الحادية عشرة من عمري أطل من شرفة بيتنا في شارع العباسي بالمنصورة.. أنتفض بالشعور بالعجز، بالأسى بالقهر ورصاص البوليس يُردي أربعة عشر قتيلا من بين المتظاهرين في ذلك اليوم، وأنا أصرخ بعجزي عن الفعل، بعجزي عن النزول الى الشارع لإيقاف الرصاص ينطلق من البنادق السوداء، أُسقط الطفلة عني، والصبية تبلغ قبل أوان البلوغ مثخنة بمعرفة تتعدى حدود البيت لتشمل الوطن في كليته، ومصيري المستقبلي يتحدد في التو واللحظة وأنا أدخل الالتزام الوطني من أقسى وأعنف أبوابه".

ريا وسكينة كانتا نقطة فاصلة أيضًا في وعيها، فلأول مرة تتعرف "لطيفة الزيات" على الشر في طفولتها، عندما كانت تسرد لها والدتها حكايات ريا وسكينة تلك العصابة التي كانت تقتل بدافع الفقر. كبرت الطفلة لطيفة وبعد الانغماس في العمل السياسي، أدركت أن العصابة ريا وسكينة تُشبه السلطة الحاكمة، مهما اختلفت الأسباب، ولكن القتل واحد.

رواية "الباب المفتوح" التي بدأت الكتابة فيها عام 1956 ونشرتها عام 1960، كانت محطة أخرى فارقة في حياة "الزيات"، وبمثابة ترويج فعال لدور المرأة آنذاك، في أن تكون صانعة الحدث وشاهدة عليه، قالت عنها الأديبة رضوى عاشور: "كانت رواية الباب المفتوح (1960) علامة فارقة في كتابة المرأة العربية لا لتماسك بنائها وحيوية شخصياتها فحسب، بل لأن الكاتبة أخرجت المرأة من الهامش الاجتماعي الذي زُجّت فيه في الحياة والكتابة معا، ودفعت بها وبحكايتها الى مركز الحدث التاريخي.
كانت الرواية العربية في مصر منذ نشأتها على يد المويلحي وتطورها على يد توفيق الحكيم ومن بعده نجيب محفوظ مسكونة بهاجس التأريخ، وكأنما مشروع الروائي مهما تعددت مواضيعه هو في أساسه مشروع تأريخي لحكاية الجماعة التى ينتمي إليها، وسعيها إلى التحرر والنهضة. ولم تكن لطيفة الزيات في روايتها تربط بين تحرر المرأة وتحرر الوطن فقط لكن أيضا وهذا هو الأهم، كانت تقدم نصاً أنتجته امرأة يدخل في مجرى الرواية العربية بالتعبير عن أكثر همومها إلحاحاً، ويرفد هذا المجرى برؤية للتحرر الوطني والاجتماعي مركزها امرأة".

كانت "لطيفة الزيات" المناضلة اليسارية من أشد معارضي التطبيع مع إسرائيل، بخاصة بعد إبرام مصر معاهدة كامب ديفيد مع إسرائيل، فدفعها ذلك إلى المشاركة في تأسيس لجنة "الدفاع عن الثقافة القومية"، وهي لجنة انبثقت من حزب التجمع الوطني التقدمي الوحدوي، لمناقشة موقف المثقفين من "كامب ديفيد"، وأصدرت اللجنة بيانات عديدة تندد بأشكال التطبيع، وبخاصة التطبيع الثقافي، باعتبار أن التطبيع الثقافي مع إسرائيل، سيُشوّه التاريخ المصري والعربي لا محالة، ويُسرب الإيديولوجيات المهددة لهويتنا العربية.

وتوالى دور اللجنة، من عقد مؤتمرات، وندوات فكرية وعلمية، كذلك أسلوب التظاهر والاحتجاج، في مواجهة تمثيل إسرائيل كضيف شرف بمعرض القاهرة الدولي للكتاب، حتى قاد أعضاء اللجنة مظاهرة موزعين بيانات ضد الجناح الإسرائيلي، في معرض الكتاب عام 1981، في دورته الثالثة عشرة، وتصدى للمظاهرة رجال الأمن، وعلى أثرها أُلقي القبض على صلاح عيسى وحلمي شعراوي وإبراهيم عبدالمجيد، واعتقلت "الزيات" عام 1981، ضمن حملة الاعتقالات التي شنها الرئيس محمد أنور السادات على السياسيين المصريين آنذاك.

جمعت لطيفة بين السياسة والأدب كروائية وناقدة، فلم تخش ممارسة الإبداع، كتبت "الزيات" حوالى أربعة كتب في النقد أبرزها؛ "نجيب محفوظ.. الصورة والمثال"، "الترجمة الأدبية في مصر"، وغيرها.

وفي حين أن بعض النُقاد يكتبون بلغة مُعقدة يستعصي فهمها على القراء، يُخاطبون بعضهم البعض، ويكتبون لأنفسهم، فكانت كتاباتهم أشبه بـ"لوغارتميات" كما يشبه الناقد الدكتور صلاح فضل كتاباتهم، آمنت "الزيات" بأن النقد الذي يستحق أن يُطلق عليه نقدًا، هو الذي يُكتب لجمهور القراء، باعتبار أن الناقد هو حلقة الوصل بين الكاتب والقارئ، يؤتي نواحي الجمال في العمل الفني التي قد تغيبُ عن القارئ، فيحلل العمل الأدبي إلى جزئياته، ويبرز العلاقة بين هذة الجزئيات ويوضح للقارئ كيف استطاع الكاتب أن يُحدث هذا التأثير الفني المعين.

فوظيفة الناقد عندها توضيح ما قد يستغلق على القارئ، وتعد تلك الوظيفة ذات قيمة استثنائية وضرورية، لأن الناقد يستطيع أن يوازن بين تقديره للتجريب، وإصراره على ألا يكون التجريب تجريبًا في سبيل التجريب.## ## ## ## ## ## ## ##

اقرأ ايضا: