بالصور.. صلاح فضل لــ"بوابة الأهرام": مارستُ حقي في نقد المغاربة.. والشعراء مزاجهم في الحروب الأهلية (1-3)

7-8-2016 | 13:01

صلاح فضل

 

حوار - منة الله الأبيض

يُوصّف الإبداع بغرفة تمحيض الأفلام القديمة، تلك التي لابد أن تتوفر فيها شروط الظُلمة، وعلى الوجه الآخر يُشبه النقد بالنور، فإذا تسرب هذا النور إلى غرفة الإبداع حرق الصور التي يتم تحميضها!

من هنا، قرر أن يئد محاولاته الإبداعية في الشعر والقصة أو يقتلها "بتعبيره" في مقتبل حياته، لأنه كما يتصوّر أن النقد نور والإبداع إبهام وغموض وظلم وحدس وقوة خلاقة غير واضحة، والوضوح يقتل هذا الإبهام.

إنه الناقد الدكتور صلاح فضل، أحد أبرز النُقّاد المصريين والعرب المعاصرين.

التقت "بوابة الأهرام" الناقد الدكتور صلاح فضل، أستاذ النقد بكلية الآداب، بجامعة عين شمس، في محرابه بين طلابه. ومن منبره، حدّثنا عن تجربته الشعرية التي وأدها قبل أن تُولد، ومسيرته في النقد، وإشكالية تصريحاته التي أثارت جدلًا حول النُقاد المغاربة، والعلاقة بين النقد المشرقي والمغربي، وبرنامج "أمير الشعراء"، وقصيدة النثر والأدب الرقمي، وغيرها، ضمن حوار يُنشر على عدة حلقات تباعًا.


يتصور "فضل" أن طاقة الإنسان الإبداعية هي كل لا يتجزأ، فيقول: "في مطلع حياتي، عندما كنتُ طالبًا، مارستُ كتابة الشعر والقصة، لكن وعيي النقدي كان أشد حدة من طموحي الشعري، فسألتُ نفسي وأنا ما زلت في العاشرة من عمري، وكان شاعري المفضل صلاح عبدالصبور بعد أحمد شوقي: هل يُمكن أن ترقى بهذا الشعر إلى مستوى "شوقي" و"عبدالصبور"؟ كانت إجابتي قاطعة، فقررت أن أئد موهبتي الشعرية، وقتلتها قتلًا. وأعتقد أنني بذلك أعفيت القراء من كثير من الشعر الرديء أو المتوسط على الأقل".

إذن هل حقًا كما يُقال إن "الناقد مبدع فاشل"؟ يختلف "فضل" مع تلك المقولة، ويعتبرها عبارة مغلوطة، لأن في رأيه الناقد لديه موهبة إبداعية وموهبة في النقد لكنه صريح مع نفسه، ويعي مستوى قوته وضعفه، ويستطيع أن يضع حدًا للتجارب الفاشلة، وكثير من أنصاف المبدعين قد انتبهوا إلى ذلك، وقليل جدًا من الموهوبين العظماء الذين تتوفر لهم الملكة المزدوجة في النقد والإبداع معًا.

في الثقافات العالمية، عُرف توماس ستيرنز إليوت ناقدًا وشاعرًا عظيمًا، والنموذج العربي للناقد المبدع هو أدونيس، لذلك فإن الشعراء العظماء لا يمارسون النقد عادة إلا في حدود ضيقة جدًا، لكن لا يُنظّرون، والنُقّاد الكِبَار، يُدركون مستوى إبداعهم فيؤثرون إخفاءها.

ويعتبر "فضل" أن الناقد الذي يجرؤ على نشر إبداعه، يُثير لديه شيئًا من الإشفاق والرثاء، بمعنى أنه يظن أنه قد غيّب وعيه النقدي حتى يجرؤ على نشر هذا الإبداع الرديء أو المتوسط، بحد تعبيره.


في مايو الماضي، أجرى محمد الحمامصي حوارًا صحفيًا مع الدكتور صلاح فضل، في جريدة العرب اللندنية، وأثارت تصريحات "فضل" حول النُقّاد المغاربة، كثيرًا من الجدل والهجوم، والهجاء أحيانًا، فقد قال نصًا في الحوار: "أعرف بعض النقاد المغاربة والتونسيين والجزائريين، بعضهم مولع بالغموض الشديد جدا فأبسط المناهج اليسيرة الجميلة تتحول في قلمه إلى لوغاريتم يصعب فك لغزه، وبعضهم الآخر ليس لديه قدرة كبيرة على الاستيعاب النظري والتطبيق العملي، وهم يفتقدون في المغرب العربي عموما ـ وهذا نقد لهم ـ لرصد الظاهرة وفقا لبصيرة نقدية تطبيقية، أما المبدعون منهم فيحتاجون إلى مثقفين مشارقة لكي يضيئوا أعمالهم، لأنهم قد يتملكون زمام الأفكار الكبرى لكنهم لا يعرفون ـ في مجملهم ـ كيفية تبيئتها ولا تطبيقها على الواقع الإبداعي".

سألنا الدكتور صلاح فضل، ألم يكن متحاملًا بعض الشيء على النُقّاد المغاربة ومفاضًلا بينهم وبين النُقّاد المشارقة؟

يُجيب "فضل": "أحسب من يقرأ الحوار الذي أجراه محمد الحمامصي، وسألني فيه عن أوضاع النقد في الوطن العربي، يُدرك ببساطة، أنني كناقد مارست حقي الضروري في نقد الذات، ووجهت أولى ملاحظاتي إلى حركة النقد في مصر، كاشفًا عن جوانب القصور فيها بوضوح، ومتمنيًا لزملائي وتلاميذي تلافي هذة الجوانب، وعندما سألني "الحمامصي" عن الوضع النقدي في المغرب العربي، وأنا من أكثر النقاد المصريين ارتباطًا وعلى صلة وثيقة للحركة النقدية في المغرب لأنني أتابعها، منذ كنت في إسبانيا في السبعينيات والثمانينيات وكنت أعبر البحر الأبيض المتوسط، وأذهب إلى جامعة فاس والرباط وألتقي بأصدقائي، وكثير من الأساتذة الكبار، تربطني بهم صداقة وزمالة طويلة، ومن الأساتذة الشباب حاضرت فيهم باعتباري أستاذًا لهم، وأقرأ كل إنتاجهم تقريبًا وتخرج على يدي عدد ليس بالقليل، وأعرف خارطة النقد العربي عن المغرب العربي عن كثب.

ويضيف: "من ثم، قلت عدة ملاحظات، قلت إنهم أفادوا كثيرًا من حوارهم للجنوب الأوروبي والفرنسي والألماني، ومن إتقانهم للغة الفرنسية، ونشطوا كثيرًا أكثر من النقاد المشارقة في مصر خصوصا في حركة الترجمة وفي متابعة التيارات الحديثة، وكان لجهدي المتواضع في السبعينيات والثمانينيات فضل تنبيهمهم إلى التيارات النقدية الحديثة، عندما كنت أحاضر فيهم ويقرأون كتبي".

وأعرف أن كتبي الأولى وُزعت في المغرب عشرة أضعاف، مما وزعت في مصر، وكان كل الطلاب يقرأونها لأن أساتذتهم يعدونها مرجعًا أساسيًا لهم، فتربوا على كتبي من الأجيال الشباب، وكتاب نظرية البنائية كان فتحًا بالنسبة لهم، وكذلك كتاب "علم الأسلوب" و"منهج الواقعية"، وجاء بعد ذلك "بلاغة الخطاب وعلم النص"، وأبديت عدة ملاحظات دقيقة ومحددة وأنا أعرفها جيدًا، قلت إن بعض هؤلاء الأصدقاء من النقاد المغاربة يُؤثرون في لغتهم الإبهام والغموض على الوضوح، وهذة حقيقة ناقشت فيها صديقي العزيز الناقد الكبير الدكتور محمد مفتاح، وهو من أحب النّقاد إلي، أن لغته شديدة الإبهام، قال لي: "إننا لا نكتب لكي يفهم الناس، ولابد لهم أن يجتهدوا لفهم ما نكتب"، وأظن أن هذا الحوار دار بيني وبينه في أحد المؤتمرات في مكتبة القاهرة الكبرى في مصر، وأعتز بلغته التي تجنح إلى الغموض".

وأشارت إلى ذلك وقلت إن هذا يُباعد قليلًا وهو عالم جليل وله إنجازات عظيمة، لكن غموض لغته يُباعد بينه وبين القراء، وهذه حقيقة، وأشرت إلى بعض النقاد الآخرين يتلعثمون في ترجماتهم ولا يملكون الشفافية اللغوية، التي تستطيع أن تحقق تواصلًا جماليًا وإبداعيًا، مع الجمهور، وبعضهم مُولع بالنظريات ومُقصر جدًا في النقد التطبيقي، مثلما اتهمت كثيرًا من النقاد المشارقة في مصر وغيرها بجوانب تقصير أخرى، وهذا تجسيد حقيقي.

ويتابع: "جاء هذا الشاب الذي لا أعرفه، يُدعى صلاح بو سريف والذي ليس ناقدًا، وإنما هو يكتب الشعر، ولا أعرف أي نوع من الشعر يكتب، لا لكي يناقش هذة الأفكار مناقشة موضوعية هادئة، وكتب خطابًا فيه سباب وشتيمة وتجاوزات سيئة، خالطًا الحابل بالنابل، ليس متحدثًا عن آرائي المثمنة للنقد المغربي، والراصدة لبعض جوانب القصور فيه التي لابد أن نرصدها، ونعالجها، وإنما لكي يعطيني مثلًا، من أجل برنامج "أمير الشعراء"، وهذا سُخف لا نظير له، قد تكون له أي وجهة نظر في برنامج، لكن ليس من حقه أن يسب، وأن يدين وينصب نفسه قاضيًا، لأنه إذا كان هناك جهد ما، لإحياء الحركة الشعرية وتشجيع الشباب على أن يكتبوا، نمطًا معينًا من الشعر، وليكن القصيدة الموزونة أو قصيدة التفعيلة، فتقدير ذلك بطريقة علمية وموضوعية، لا يمكن أن يكون موضوعًا للسباب ولا للتحرش اللفظي، ولا للسفاهة التي أبداها، والتي لا أسمح لنفسي للرد عليها".

ويُشير "فضل" إلى أن رأيه في النُقّاد المغاربة لم يُقصد به الانتقاص من قيمة زملائه وتلاميذه من النقاد المغاربة، قائلا: "أذكر أنهم كانوا يترجمون كثيرًا من المراجع التي أعتمد عليها، وينتبهون إليها ويترجمونها بعد أن أكون قد وصفتها، وشاركتهم في ذلك وشاركوني في هذا، ونحن في نهاية الأمر نكمل بعضنا الآخر".

ويرى "فضل" أن الادعاء بأن المشرق يحاول التفاخر على المغرب وجنوح بعض أبناء المغرب للتفاخر على المشرق وأنهم أفضل منهم، إلى آخره، ماهي إلا مسألة قديمة، لأن هذة المسائل تجاوزناها كثيرًا، لأن القضية ليست قضية تفاخر أو تنابذ، لكنها مسألة حركة منهجية وفكرية يُكمل بعضها البعض الآخر، ولا أسمح لهذا الشويعر التافه بأن يعكر بيني وبين إخوتي، بحد قوله.

ويعتقد "فضل" أن استخدام النُقّاد اللغة المبهمة والغامضة، ناتج من صعوبة المصطلح الأجنبي، وعدم القدرة على بلورته بطريقة شفافة مفهومة، لأن الوضوح ليس ضعفًا ولا بساطة، الوضوح اقتدار وتمكن، ولا يتنافى مع العمق، بل أعمق الأفكار أوضحها، والغموض نوع إما لاستغراق في نوع من الميتافزيقا التي لا محل لها، أو الجري وراء تهويمات غير مجدية، أو التعلق بأهداب نظريات غير مهضومة جيدًا.

يقول: "الغموض دليل على عدم النضج الفكري الكافي، وفي المشرق العربي أكثر من المغرب لأن لنا قرنا من الزمان نمارس ذلك، نجحنا إلى حد كبير ابتدءًا من طه حسين، حتى الآن في تكوين لغة إبداعية ونقدية أكثر نضجًا وأشد شفافية، وأفعل في التواصل الجمالي مع القراء، وعندما تخلى بعض الشعراء عندنا عن ذلك أحدثوا هذة القطيعة بين الشعر والقراء اليوم".

ويتصوّر أن الشعراء الذين يزعمون أنهم شعراء الحداثة - بحد قوله - بخاصة من شعراء قصيدة النثر، عندما اعتبروا الإبهام والغموص ميزة شعرية كبرى، ضحوا بعلاقاتهم بجمهورهم وأحدثوا هذة القطيعة وأصبحوا معزولين الآن يقرأ بعضهم البعض الآخر، دون استرداد جمهوره الذي خسره من قبل.

ويدافع "فضل" في حواره لــ"بوابة الأهرام" عن برنامج "أمير الشعراء" مُفندًا الهجوم عليه، ويقول: "عندما بدأ عام 2006، كانت الفكرة الشائعة في الأوساط الثقافية العربية، هي أننا أصبحنا في زمن الرواية، وأن الشعر قد انتهى عصره، وبالفعل لاحظت أن كثيرًا من الشباب الموهوبين، انصرفوا عن كتابة الشعر إلى ممارسة الكتابة بأشكال أخرى، وجاء برنامج أمير الشعراء ليقدم مفاجأة حقيقية لي شخصيًا، لأني فوجئت في الدورة الأولى عندما طلبوا من الشباب، أن يبعثوا بقصائدهم، بأننا وصلتنا حوالي ثلاثة آلاف قصيدة، معنى ذلك أن في الوطن العربي من المغرب إلى اليمن، ثلاثة آلاف شاب وفتاة، يرون أنفسهم شعراء وشاعرات، ويعتزون بمواهبهم، ويتصورون أن مايكتبونه شعر بعض النظر عن مستوى هذا الشعر، وعندما فرزنا وحققنا هذة القصائد، استخرجنا منها حوالي 300 قصيدة، جيدة، توحي بأن الشباب الذين كتبوها لديهم موهبة شعرية، ولديهم إمكانيات إذا نموها يمكن أن تجعل منهم شعراء حقيقيين".

من هؤلاء الـ300 الذين التقينا بهم واختبرناهم وفحصناهم، أفرزنا 40 شاعرًا لكي نقيّم المسابقة، ومن هؤلاء الـ40 اتخذنا آلية الحكم النقدي ورأي الجمهور بالتصويت، وهي آلية تليفزيونية، عمت بعد ذلك في البرامج التليفزيونية، برامج المسابقات، وصفيناهم على 5 شعراء موهوبين حقيقة، ويكتبون شعرا جميلا، يبشر بمستقبل.

أنجزنا حتى الآن 6 مواسم، ولو لم يكن لهذا البرنامج إلا أن قدم إلى الحياة الأدبية العربية ثلاثين شابًا أصبحوا نجوم الشعر في الندوات والحفلات والمؤتمرات، ويصدرون دواوين، لكان ذلك كسبًا عظيمًا.

ويعترف "فضل" بأن هذا البرنامج تجاهل شعراء قصيدة النثر، وذلك لأن طبيعة قصيدة النثر أنها لا تُلقى، ولا تعتمد على السماع، تعتمد على التأمل والقراءة وهي قصيدة مثقفة وعميقة، لا يمكن التفاضل بينها على المنابر، ليست خطابية وليست منبرية على الإطلاق، وأعرف أن شعراءها مظلومون، بحد قوله، وطالبت البرنامج بأن نقيم مسابقة جانبية كتابية وليست شفاهية لشعراء قصيدة النثر، وحتى الآن لم يتحقق ذلك.

ويضيف د.فضل: "أعرف أن ذلك لا يرضي كل الشعراء، لأن الشعراء مزاجهم في الحروب الأهلية، بمعنى أنهم هم السبب في إحداث القطيعة بين الجمهور وبين الشعر الآن، لأنهم كلما دخلت طائفة جديدة لعنت أختها، الشعر استقر عند منتصف القرن الماضي عند القصيدة العمودية، ثم جاءت حركة الشعر الحر أو شعر التفعيلة منذ منتصف القرن الماضي، وشعراء التقليد أعتبروا شعراء قصيدة التفعيلة "كفارًا"، ورفضوها، ومعروفة حادثة العقاد الذي أحال قصيدة صلاح عبدالصبور إلى لجنة النثر، ثم جاء بعد عقدين شعراء قصيدة النثر، الذين اعتبروا أنفسهم الورثة الحقيقيين لدولة الشعر، وأن ما قبلهم من شعراء عموديين وشعراء تفعيلة ليسوا شعراء على الإطلاق، وهكذا حتى الآن، نجد أن الثلاثة يحاربون بعضهم البعض، ولا يقبل أحدهم بالتعايش السلمي، وبالتالي كانت النتيجة إحداث قطيعة مع الجمهور، لأن ذائقة الجمهور تعودت على الشعر الموزون".

إن إشكالية قصيدة النثر كما يراها "فضل" عندما يتمكن الشاعر جيدًا من صياغة القصيدة العمودية، ويجرب قصيدة التفعيلة، ثم لا تسعفه الأوزان التقليدية فيبحث عن إيقاع جديد فيكتب على سبيل التجريب قصيدة النثر، لكن أن يأتي شاعر لم يقرأ الشعر العربي ولا الأجنبي، ولا يعرف أصول الشعر ولا يعرف ولا يستطيع أن يقيم بيتًا واحدًا، من ناحية الوزن ويكتب أي ثرثرة نثرية ويعتبر هذا شعرا، فيه تهويمات عاطفية، أو بعض المجازات، فهذا لا يستحق أن يكون شيئا، بحد قوله.

وإن حروب الشعراء فيما بينهم، وقطيعة الشعر مع الجمهور، وتدني مستوى المواد والنصوص الشعرية في كتب تعليم اللغة العربية والأدب العربي، في المدارس والجامعات، هي أبرز أسباب نكسة الشعر الحديث، بحد قول د.فضل.

اقرأ ايضا: