بالصور..مصر المحروسة كانت ملجأه.. وثيقة نادرة تكشف هروب ضابط تركي إلى القاهرة بعد تعذيبه في السودان

16-7-2016 | 22:35

وثيقة نادرة

 

قنا - محمود الدسوقي

يبدو اسم "براتلي عابدين أغا بن عمر" الضابط التركي ذى الجذور الشامية، غريبًا وجميلًا وفخمًا في ذات الوقت، حتى أن وثيقة وزارة المالية المصرية المحررة عام 1886م، كتبت اسمه المُركّب وألقابه ببنط عريض.


المثير للدهشة أن الوثيقة التي تنشرها "بوابة الأهرام" توضح أن نفس الصور التي تنقلها وكالات الأنباء العالمية، اليوم السبت في تركيا، بداية من ذبح الجنود على البوسفور والتنكيل بالضباط بعد فشل الانقلاب التركي على يد نظام "أردوغان" كانت له صور مشابهة في التاريخ، فلا فرق بين ما يحدث في أوروبا حاليًا وما حدث في جنوب أفريقيا منذ أكثر من قرن وربع.

كان "براتلي" محظوظًا فلم يُقتل على يد طائفة دينية رفعت شعارات للقتل لكل ما هو تركي ومصري أو جركسي أو أجنبي، لكنه عاش رحلة عذاب امتدت لعامين في أدغال أفريقيا بقيت محفورة في أعماق روحه، وبعد مجيئه لمصر كان يحتاج "براتلي عابدين" بعد تسريحه ورفته من الخدمة العسكرية المصرية إثباتًا للرفت ووضع مقدار ماهيته الشهرية التي كان يتقاضاها وتبلغ نحو 800 قرش صاغ حسب القوانين المعمول بها في عهد الخديوي توفيق.

توضح السيرة الذاتية لبراتلي عابدين حسب ماهو مُدوّن في الوثيقة أنه عاش لمدة عامين من عام 1884م حتى عام 1886م تعذيب الأسر والخطف، الذي كاد أن يؤدي لموته بعد سقوط مديره بربر بالسودان في يد الدروايش أتباع المهدية الذين رفعوا شعار التخلص من المصريين والأتراك والجراكسة والأجانب فنفذوا المذابح والتنكيل.

وقامت الثورة المهدية في السودان على تعاليم محمد المهدي الذي يظهر في آخر الزمان ويملأ الأرض عدلًا بعد أن ملأت جورًا حسب اعتقاداتهم حيث استجاب السودانيون للمهدي بسبب المظالم التي تعرضوا لها، حتى مكنته من هزيمة القوات الحكومية المصرية وقام أتباعه بارتكاب مذابح كبيرة في الأتراك والمصريين والأجانب بل وقام أتباع المهدي بتقديسه وسط تهديدات بنشر الدعوة المهدية في ربوع العالم العربي وغزو مصر.

الوثيقة لا تظهر فقط معاناة الضابط التركي براتلي الذي كان يتقاضى راتبًا من الخزانة المصرية يقدر بـ800 قرش صاغ بما يوازي 32 ألف فضة حيث رصدت الوثيقة في نمرة متسلسلة رقم 43250 قرارات وزارة المالية، قسم إدارة حساب السودان، البحث عن مصير "براتلي عابدين أغا بن عمر" بعد نجاحه في الهروب من أتباع الثورة المهدية والذين وصفتهم الوثيقة بالأشقياء حيث قرر براتلي البحث عن مستقبله المهني ووظيفته بعد قدومه لمصر المحروسة كما تصفها الوثيقة.

كان "براتلي" برتبة بكباشي أي نقيب حاليًا، وكان من ضمن القوات التي تعمل ضمن فرقة "علي أغا إسلام" بمديرية بربر بالسودان، وأوضحت الوثيقة بلغة جازمة أنها لا تعرف متى التحق بالتعيين في الوظيفة العسكرية، نظرًا لعدم وجود دفاتر الأوردي بمحاسبة السودان، أي دفاتر الملتحقين بالخدمة من العساكر والجنود".

يؤكد المؤرخون أن "الرفتية" هي وثيقة تحرر من الجهة التي كان يعمل بها الشخص المفصول حيث يوضح فيها ماهيته الشهرية وما يتقاضاه، واسم الأوردي الذي كان يعمل به واسم السراسوراي "أي قائد الأوردي"، والفرقة، وكان على المفصول أن يقدمها للجهات التي تحتاج لخدماته كالمحافظات والمديريات فيما بعد، وهي القوانين التي أصدرها الخديو إسماعيل وصار معمولًا بها حتى بعد احتلال مصر من قبل الاحتلال الإنجليزي في عهد توفيق.

"براتلي" فعل ذلك كما حددت القوانين المصرية الصادرة منذ عهد الخديوي إسماعيل، والذي أدخل في الجيش المصري جنسيات معظمهم من الأتراك والألبان والأمريكيين والنمساويين والإيطاليين، والإنجليز، يتولون القيادة فيه فيما كان الجنود مصريون فقط وهم الجنود الذين استطاع إسماعيل بمساعدتهم تأسيس الإمبراطورية المصرية التي كانت تمتد من السودان حتى أوغندا والصومال وإريتريا وأجزاء من الحبشة.

قام براتلي التركي بإتباع كل الإجراءات آنذاك بعد هروبه من أيدي خاطفيه بعد رحلة عذاب طويل حيث أظهرت خانة تاريخ الإنتقال أو الرفت في وثيقته أنه في 16 مايو من عام 1884م كان تاريخ سقوط مديرية بربر بالسودان، وبعد 3 شهور من الفرار كان هو بداية الرفت للضابط براتلي.


وأضافت الوثيقة أن مجلس النظار أصدر قرارًا برقم 692 بعد سنتين من رجوع براتلي عابدين أغا بن عمر في عام 1886م بشأنه. حين تقدمت قوات الثورة المهدية نحو مدينة بربر التي كانت تعيش ازدهارًا تجاريًا في فترة التواجد المصري التركي قرر مدير بربر برتبة المحافظ حاليًا بحفر خندق عميق يحيط المدينة من الناحية الشرقية والشمالية والجنوبية حيث كان النيل يجري من الناحية الغربية للمدينة، وظن المحافظ أن النيل والخندق سيمنعان المهدية من التقدم.

إلا إن المهدية بقيادة محمد الخير عبدالله التعايشي، أستاذ المهدي استطاع اقتحام الخندق واحتلال المدينة، فسقطت في يد المهدية في 26 مايو من عام 1884 م، وهي ما اظهرته الوثيقة المصرية للضابط براتلي الذي عاش رحلة عذاب أظهرتها الوثيقة.

ومن سقوط بربرة بدأت عذابات آخرى للضابط براتلي عابدين أغا بن عمر يحكيها لوزارة المالية المصرية حتى حانت له الفرصة لمدة عامين من التخفي والهروب لمصر المحروسة.


اقرأ ايضا:

مادة إعلانية

[x]