"الأهرام" ينشر المحاضرات المجهولة لعميد الأدب العربى طه حسين

16-7-2016 | 11:25

عميد الادب العربي طه حسين

 

الأهرام-أنور عبد اللطيف

حكاية عميد الأدب العربى طه حسين مع المغرب العربى عامرة بالمودة المتبادلة والاحترام الشديد وبصفة خاصة مع مؤسس مراكش الحديث الملك محمد الخامس، بدأت بالزيارة التاريخية التى قام بها «العميد» إلى المغرب فى‭ ‬صيف‭ ‬1958‭ ‬حين دعت‭ ‬الحكومة‭ ‬المغربية‭ ‬طه‭ ‬حسين‭ ‬لزيارتها تقديرا لمكانته الثقافية فى مصر والعالم.


جاءت الزيارة بعد سنتين من عودة الملك محمد الخامس من منفاه الى‭ ‬مدغشقر‭) ‬من‭ ‬1953‭ ‬إلى‭ (‬1956‭.‬وحين استقبله العاهل المغربى فى قصر الضيافة بالرباط ومنحه وسام الكفاءة الفكرية بأعلى درجاته وهو‭ ‬وسام‭ ‬استحدث‭ ‬فى‭ ‬المغرب‭ ‬بعد‭ ‬الاستقلال، وشكره الملك على زيارته الداعمة كما طلب توصيل شكره الى الرئيس جمال عبد الناصر لما‭ ‬قام‭ ‬به‭ ‬من دعم للمغرب فى كفاحها‭ ‬الوطنى‭ ‬ للتحرر من الاستعمار الفرنسى.

وقال العاهل المغربى إنه «مسرور من الموقف ديالكم أمام قضية الإستقلال» ولم يكن العميد يعرف المعنى الشعبى للعبارة فسأل مستشار الملك الثقافى وقتها عن المعنى فعرف أنها تعنى «الخاص بكم» ورغم رفض طه حسين للعامية كتابة وحديثا إلا فى أضيق الحدود إلا أنه استحسن هذا التعبير الحميمى من جلالة الملك، وظل يردده فى برامجه ولقاءاته الثقافية بعد ذلك لدرجة أنه عندما ركب السفينة فى نهاية الزيارة قال لمودعيه: وجهوا التحية منى إلى جلالة الملك والبلاد ديالكم.

ورغم أن انتاج العميد المقروء والمكتوب قد امتلأت به ملايين الصفحات ستظل سيرته تكشف مع الأيام عوالم سحرية مبهرة تدفع كاتبا مثل سلامة موسى يتمنى وهو يلهث خلف عبقرية العميد أن يبتليه بمثل ماابتلى به طه حسين كى يتعلم منها ويؤلف حياته بهذا الثراء الذى ألف به عميد الثقافة العربية حياته وحياتنا الثقافية.

وفى هذا الملف يقدم "الأهرام" لقارئه هذه النصوص النادرة فى حياة عميد العربية طه حسين الذى اكتشفها الناقد الأدبى نبيل فرج، بعد أن عثر على هذه المحاضرات المجهولة‭ ‬بالنسبة‭ ‬لجيلنا‭ ‬المعاصر. وعلق عليها وقدم دراسة وافية عنها.

لاشك‭ ‬فى‭ ‬أن‭ ‬الزيارة التى قام بها طه حسين إلى المغرب العربى كانت‭ ‬تؤكد‭ ‬تاريخنا‭ ‬المشترك‭ ‬كقطرين‭ ‬حاضرتين‭ ‬للثقافة‭ ‬العربية،‭ ‬كانتا‭ ‬من‭ ‬أكثر‭ ‬الأقطار‭ ‬العربية‭ ‬محافظة‭ ‬على‭ ‬التراث‭ ‬العربى، ونال‭ ‬كل‭ ‬منهما‭ ‬مانال‭ ‬الأخرى‭ ‬من‭ ‬البلاء،‭ ‬من‭ ‬الرجعية‭ ‬والاستعمار، ‬وفى‭ ‬الخمسينيات‭ ‬من‭ ‬القرن‭ ‬الماضى‭ ‬تشابه‭ ‬إتجاههما‭ ‬الى‭ ‬التراث‭ ‬القومى‭ ‬والأدب‭ ‬الشعبى،‭ ‬فى‭ ‬مجالات‭ ‬التأليف‭ ‬الأدبى،‭ ‬خاصة‭ ‬فى‭ ‬المسرح‭ ‬الجاد‭ ‬الذى‭ ‬عرض‭ ‬فى‭ ‬كل‭ ‬قطر‭ ‬أعمال‭ ‬القطر‭ ‬الآخر‭.‬

كما‭ ‬سعى‭ ‬الابداع‭ ‬القصصى‭ ‬والروائى‭ ‬فى‭ ‬مصر،‭ ‬بعد‭ ‬الستينيات،‭ ‬للابتعاد‭ ‬عن‭ ‬المفاهيم‭ ‬الأيديولوجية‭ ‬الصارمة،‭ ‬كان‭ ‬الابداع‭ ‬المغربى‭ ‬يمضى،‭ ‬فى‭ ‬انفتاحه‭ ‬على‭ ‬المشرق،‭ ‬على‭ ‬الشاكلة‭ ‬ذاتها،‭ ‬فى‭ ‬أعماله‭ ‬التى‭ ‬تخرج‭ ‬على‭ ‬التقليد،‭ ‬مستقية‭ ‬مادتها‭ ‬وتقنياتها‭ ‬وجمالياتها‭ ‬من‭ ‬الفضاء‭ ‬المفتوح‭ ‬على‭ ‬الواقع‭ ‬والتاريخ‭.‬

ومايقال‭ ‬على‭ ‬هذه‭ ‬الأشكال‭ ‬يقال‭ ‬على‭ ‬الشعر‭ ‬فى‭ ‬ثورته‭ ‬على‭ ‬العروض‭ ‬القديم‭.‬

وفى‭ ‬النقد‭ ‬الأدبى‭ ‬تذكر‭ ‬الدراسات‭ ‬أن‭ ‬النقد‭ ‬المغربى‭ ‬ساير‭ ‬النقد‭ ‬فى‭ ‬المشرق،‭ ‬إن‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬انعكاساً‭ ‬له‭.‬

يؤكد‭ ‬هذه‭ ‬العلاقة‭ ‬زيارات‭ ‬أدباء‭ ‬المغرب‭ ‬الدائمة‭ ‬لمصر،‭ ‬مثلهم‭ ‬مثل‭ ‬أدباء‭ ‬الأقطار‭ ‬العربية‭ ‬الأخرى،‭ ‬ونشر‭ ‬أعمالهم‭ ‬فى‭ ‬مطابعها،‭ ‬وإقامة‭ ‬الكثير‭ ‬من‭ ‬المغربيين‭ ‬تحت‭ ‬سماء‭ ‬القاهرة‭ ‬والاسكندرية‭ ‬وغيرهما‭ ‬من‭ ‬المدن،‭ ‬طلباً‭ ‬للعلم‭ ‬والعمل‭.‬

ويضم‭ ‬مجمع‭ ‬اللغة‭ ‬العربية‭ ‬فى‭ ‬مصر‭ ‬من‭ ‬الأسماء‭ ‬المغربية‭ ‬من‭ ‬كان‭ ‬لها‭ ‬نشاطها‭ ‬البارز‭ ‬فى‭ ‬المجمع،‭ ‬نذكر‭ ‬منهم‭ ‬عبد‭ ‬القادر‭ ‬المغربى،‭ ‬محمد‭ ‬الفاس،‭ ‬عبد‭ ‬الله‭ ‬كفون‭ ‬الذى‭ ‬صدر‭ ‬له‭ ‬فى‭ ‬القاهرة‭ ‬كتاب‭ ‬أشاد‭ ‬به‭ ‬طه‭ ‬حسين‭ ‬فى‭ ‬مقالاته‭ ‬الصحفية،‭ ‬عنوانه‭"‬النبوغ‭ ‬المغربى‭ ‬فى‭ ‬الأدب‭ ‬العربى‮"‬‭. ‬

والقاسم‭ ‬المشترك‭ ‬بينهم،‭ ‬وبين‭ ‬المجمع‭ ‬المصرى،‭ ‬عدم‭ ‬الإسراف‭ ‬فى‭ ‬المحافظة‭ ‬وعدم‭ ‬الإسراف‭ ‬فى‭ ‬التجديد،‭ ‬أو‭ ‬الملاءمة‭ ‬بين‭ ‬الجديد‭ ‬والقديم،‭ ‬حتى‭ ‬لا‭ ‬ينفصل‭ ‬الحاضر‭ ‬عن‭ ‬الماضى،‭ ‬ويدرس‭ ‬فيه‭ ‬القديم‭ ‬بمناهج‭ ‬العلم‭ ‬الحديث‭.‬

وهذا‭ ‬هو‭ ‬موقف‭ ‬طه‭ ‬حسين‭ ‬المعادى‭ ‬للجمود‭، ‬والى‭ ‬جانب‭ ‬هذه‭ ‬الأسماء‭ ‬يقف‭ ‬الكاتب‭ ‬والمناضل‭ ‬عبد‭ ‬الكريم‭ ‬غلاب،‭ ‬الذى‭ ‬تعلق‭ ‬بالقاهرة‭ ‬وبثقافتها‭ ‬منذ‭ ‬بدء‭ ‬الوعى،‭ ‬وباحت‭ ‬له‭ ‬العاصمة‭ ‬بأسرارها‭ ‬فى‭ ‬كتابه‭ ‬الجميل‭ ‬‮«القاهرة‭ ‬تبوح‭ ‬بأسرارها»‬‭ ‬الذى‭ ‬صدر‭ ‬فى‭ ‬كتاب‭ ‬الهلال‭ ‬فى‭ ‬مارس‭ 0002.‬، ولأن‭ ‬مصر‭ ‬كانت‭ ‬ترحب‭ ‬دائما‭ ‬بالمناضلين‭ ‬الوطنيين‭ ‬من‭ ‬كل‭ ‬الأقطار‭ ‬العربية،‭ ‬الذين‭ ‬يلجأون‭ ‬إليها،‭ ‬اتخذ‭ ‬المغاربة‭ ‬منها‭ ‬موقعاًِ‭ ‬لأصعب‭ ‬القرارات‭ ‬المصيرية‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬استقلال‭ ‬بلادهم‭.‬

ولم‭ ‬يكن‭ ‬المغاربة‭ ‬فى‭ ‬العصور‭ ‬القديمة‭ ‬أقل‭ ‬من‭ ‬المحدثين‭ ‬إعجاباً‭ ‬بمصر‭ ‬وعلمائها،‭ ‬أو‭ ‬أقل‭ ‬حرصاً‭ ‬على‭ ‬زيارتها،‭ ‬والتعرف‭ ‬على‭ ‬علمها‭ ‬وعلمائها‭.‬

ونذكر‭ ‬من‭ ‬هؤلاء‭ ‬القدماء‭ ‬محمد‭ ‬بن‭ ‬الوليد‭ ‬الطرطوشى‭ ‬فى‭ ‬القرن‭ ‬الخامس‭ ‬الهجرى،‭ ‬مؤلف‭ ‬كتاب‭ «سراج‭ ‬الملوك»‬‭ ‬الذى‭ ‬يماثل‭ ‬ابن‭ ‬خلدون‭ ‬فى‭ ‬علم‭ ‬الاجتماع‭ ‬والعمران،‭ ‬وكيف‭ ‬كان‭ ‬أهل‭ ‬الاسكندرية‭ ‬يتلهفون‭ ‬على‭ ‬دعوته،‭ ‬وعلى‭ ‬التمسك‭ ‬ببقائه‭ ‬معهم‭ ‬فى‭ ‬عروس‭ ‬البحر،‭ ‬مطلقين‭ ‬عليه‭ ‬أسم‭ ‬‮"‬نزيل‭ ‬الاسكندرية"‬‮‭ ‬تقديراً‭ ‬لشخصيته‭ ‬ولانتاجه‭ ‬الفكرى‭ ‬الرفيع‭ ‬الذى‭ ‬استفادت‭ ‬به‭ ‬مصر،‭ ‬وجعل‭ ‬طه‭ ‬حسين‭ ‬يذكر‭ ‬بصريح‭ ‬العبارة‭ ‬أن‭ ‬المغربيين‭ ‬كانوا‭ ‬أساتذة‭ ‬المصريين‭ ‬فى‭ ‬المعرفة،‭ ‬وليس‭ ‬العكس. ‬

وبفضل‭ ‬هذه‭ ‬المعرفة‭ ‬بالأداب‭ ‬الحية،‭ ‬العربية‭ ‬والأجنبية،‭ ‬نشأ‭ ‬النثر‭ ‬العربى‭ ‬الجديد‭ ‬الذى‭ ‬كان‭ ‬طه‭ ‬حسين‭ ‬وتوفيق‭ ‬الحكيم‭ ‬ونجيب‭ ‬محفوظ‭ ‬من‭ ‬أرفع‭ ‬نماذجه‭.‬وهذه هى القيمة الفكرية لهذه المحاضرات المجهولة لعميد الأدب العربي.

وهذه‭ ‬نصوص‭ ‬محاضرتين مجهولتين ل عميد الأدب العربى ‭ ‬طه‭ ‬حسين‭ ‬ألقاهما‭ ‬فى‭ ‬المغرب‭.‬أثناء زيارته لهذا القطر العربى الشقيق عام 1958.

.. سيدى‭ ‬صاحب‭ ‬السمو‭ ‬الملكى،‭ ‬سادتى.


أحب‭ ‬قبل‭ ‬كل‭ ‬شىء‭ ‬أن‭ ‬أؤدى‭ ‬مهمة‭ ‬ليس‭ ‬شىء‭ ‬أحب‭ ‬إلى‭ ‬من‭ ‬أدائها،‭ ‬وهى‭ ‬أن‭ ‬أحمل‭ ‬إلى‭ ‬حضرة‭ ‬صاحب‭ ‬الجلالة‭ ‬الملك‭ ‬المعظم‭ ‬محمد‭ ‬الخامس‭ ‬وإلى‭ ‬صاحب‭ ‬السمو‭ ‬الملكى‭ ‬الأمير‭ ‬الحسن‭ ‬ولى‭ ‬عهد‭ ‬الدولة‭ ‬المغربية‭ ‬وإلى‭ ‬الشعب‭ ‬المغربى‭ ‬كله‭ ‬تحية‭ ‬ملؤها‭ ‬الود‭ ‬الصادق‭ ‬والحب‭ ‬العميق‭ ‬والإجلال‭ ‬والإكبار‭ ‬وتقدير‭ ‬الجهد‭ ‬العنيف‭ ‬الخصب‭ ‬الذى‭ ‬بذل‭ ‬فى‭ ‬تحقيق‭ ‬الأستقلال‭ ‬المغربى،‭ ‬وهذه‭ ‬التحية‭ ‬أؤديها‭ ‬إلى‭ ‬المغرب‭: ‬إلى‭ ‬جلالة‭ ‬مليكه‭ ‬وإلى‭ ‬ولى‭ ‬عهده‭ ‬وشعبه‭ ‬الكريم‭ ‬وعن‭ ‬الجمهورية‭ ‬العربية‭ ‬المتحدة‭ ‬كلها‭: ‬من‭ ‬رئيسها‭ ‬جمال‭ ‬عبدالناصر‭ ‬عن‭ ‬حكومتها‭ ‬وعن‭ ‬شعبها‭ ‬العربى‭ ‬الذى‭ ‬إنما‭ ‬يحيا‭ ‬بالعروبة‭ ‬وللعروبة‭ ‬ولإعزاز‭ ‬العروبة‭ ‬فى‭ ‬أى‭ ‬مكان‭ ‬من‭ ‬أماكنها،‭ ‬وهذه‭ ‬التحية‭ ‬التى‭ ‬تصدر‭ ‬من‭ ‬أعماق‭ ‬القلب‭ ‬العربى‭ ‬فى‭ ‬المشرق‭ ‬إلى‭ ‬القلب‭ ‬العربى‭ ‬فى‭ ‬المغرب،‭ ‬ليست‭ ‬تحية‭ ‬تؤدى‭ ‬بأطراف‭ ‬الألسنة،‭ ‬وإنما‭ ‬اللسان‭ ‬فيها‭ ‬مترجم‭ ‬عن‭ ‬القلوب،‭ ‬وإنى‭ ‬لأرجو‭ ‬أن‭ ‬تبلغ‭ ‬هذه‭ ‬التحية‭ ‬أسماعكم‭ ‬ثم‭ ‬لا‭ ‬تستقر‭ ‬فيها‭ ‬وإنما‭ ‬تستقر‭ ‬فى‭ ‬أعماق‭ ‬قلوبكم‭ ‬ودخائل‭ ‬ضمائركم‭ ‬وأن‭ ‬تشعروا‭ ‬بأن‭ ‬الجمهورية‭ ‬العربية‭ ‬المتحدة‭ ‬إنما‭ ‬تحييكم‭ ‬تحية‭ ‬الصديق‭ ‬المخلص‭ ‬للصديق‭ ‬المخلص‭.‬

أما‭ ‬بعد‭ ‬فإنى‭ ‬أعتذر‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬أتحدث‭ ‬إليكم‭ ‬حديثا‭ ‬لست‭ ‬أدرى‭ ‬أيروقكم‭ ‬أم‭ ‬لا‭ ‬يروقكم،‭ ‬ذلكم‭ ‬لأنى‭ ‬لا‭ ‬أتحرى،‭ ‬حين‭ ‬أتحدث،‭ ‬إرضاء‭ ‬الذين‭ ‬يسمعوننى،‭ ‬بمقدار‭ ‬ما‭ ‬أتحرى،‭ ‬إشعارهم‭ ‬بما‭ ‬يجب‭ ‬عليهم‭ ‬للأدب‭ ‬العربى‭ ‬وللأمة‭ ‬العربية‭ ‬كلها،‭ ‬وإذا‭ ‬لم‭ ‬يرقكم‭ ‬بعض‭ ‬ما‭ ‬سأقوله‭ ‬فى‭ ‬هذا‭ ‬الحديث‭ ‬فمعذرتى‭ ‬إليكم‭ ‬هى‭ ‬أننى‭ ‬لست‭ ‬من‭ ‬الذين‭ ‬يقنعون‭ ‬بالقليل‭ ‬فى‭ ‬كل‭ ‬ما‭ ‬يتصل‭ ‬بالحياة‭ ‬العقلية،‭ ‬فقد‭ ‬أكون‭ ‬من‭ ‬أنصار‭ ‬القناعة‭ ‬بالقليل‭ ‬فيما‭ ‬يتيح‭ ‬الله‭ ‬لى‭ ‬من‭ ‬أسباب‭ ‬الحياة،‭ ‬أما‭ ‬فيما‭ ‬أطمح‭ ‬اليه‭ ‬فى‭ ‬حياتنا‭ ‬العقلية‭ ‬فإنى‭ ‬لا‭ ‬أرضى‭ ‬أبدا‭ ‬ولا‭ ‬أطمئن‭ ‬مطلقا‭ ‬وإنما‭ ‬أنا‭ ‬قلق‭ ‬دائما‭ ‬ومثير‭ ‬للقلق‭ ‬حيثما‭ ‬كنت‭.‬

وأنا‭ ‬حريص‭ ‬أشد‭ ‬الحرص،‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬تشعر‭ ‬الأمة‭ ‬العربية‭ ‬كلها‭ ‬بأنها‭ ‬مهما‭ ‬تحقق‭ ‬من‭ ‬نهضة‭ ‬ومهما‭ ‬تبلغ‭ ‬من‭ ‬رقى‭ ‬فى‭ ‬حياتها‭ ‬العقلية‭ ‬فإنها‭ ‬ستظل‭ ‬دائما‭ ‬بعيدة‭ ‬عما‭ ‬ينبغى‭ ‬لها‭ ‬من‭ ‬النهضة‭ ‬الصحيحة‭ ‬والرقى‭ ‬ا‭ ‬لمؤكد‭ ‬والوصول‭ ‬إلى‭ ‬المثل‭ ‬الأعلى‭ ‬فى‭ ‬تقوية‭ ‬الحضارة‭ ‬وتنميتها‭ ‬وإغناء‭ ‬العالم‭ ‬الإنسانى‭ ‬كله‭ ‬ومشاركته‭ ‬فيما‭ ‬ينبغى‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬عليه‭ ‬الحياة‭ ‬الإنسانية‭ ‬من‭ ‬تقدم‭ ‬ورقى‭ ‬وازدهار‭.‬

وأريد‭ ‬أن‭ ‬أحدثكم‭ ‬الليلة‭ ‬عن‭ ‬‮»‬الأدب‭ ‬العربى‭ ‬وعن‭ ‬مكانته‭ ‬بين‭ ‬الآداب‭ ‬العالمية‮«‬‭. ‬وهو‭ ‬موضوع‭ ‬ـ‭ ‬كما‭ ‬ترون‭ ‬ـ‭ ‬يشعر‭ ‬بشىء‭ ‬كثير‭ ‬من‭ ‬وجوب‭ ‬الاحتياط‭ ‬فى‭ ‬القول‭.

‬فالعالم‭ ‬الآن‭ ‬بما‭ ‬بلغ‭ ‬من‭ ‬التقدم،‭ ‬وبما‭ ‬وصل‭ ‬إليه‭ ‬من‭ ‬الرقى،‭ ‬وبما‭ ‬انتهى‭ ‬إليه‭ ‬من‭ ‬هذا‭ ‬التطور‭ ‬الغريب،‭ ‬وبما‭ ‬وصلت‭ ‬إليه‭ ‬الاختراعات‭ ‬الحديثة،‭ ‬هذا‭ ‬العالم‭ ‬عندما‭ ‬ننظر‭ ‬إليه،‭ ‬وننظر‭ ‬إلى‭ ‬ما‭ ‬وصلنا‭ ‬نحن‭ ‬إليه‭ ‬فى‭ ‬بلادنا‭ ‬العربية،‭ ‬نشعر‭ ‬بالمسافة‭ ‬البعيدة‭ ‬التى‭ ‬تفصل‭ ‬بيننا‭ ‬وبين‭ ‬ما‭ ‬نحب‭ ‬أن‭ ‬نكون‭. ‬والشىء‭ ‬الذى‭ ‬يعزينا‭ ‬ولكنه‭ ‬لا‭ ‬ينبغى‭ ‬أن‭ ‬ينسينا‭ ‬واجبنا،‭ ‬هو‭ ‬أن‭ ‬أدبنا‭ ‬العربى‭ ‬قد‭ ‬مرت‭ ‬عليه‭ ‬أطوار،‭ ‬نستطيع‭ ‬فيها،‭ ‬بحق‭ ‬عندما‭ ‬نتحدث‭ ‬عنها،‭ ‬أن‭ ‬نقرر‭ ‬أن‭ ‬هذا‭ ‬الأدب‭ ‬العالمى‭ ‬الممتاز‭ ‬فى‭ ‬عصر‭ ‬من‭ ‬عصوره‭. ‬ذلك‭ ‬لأن‭ ‬هذا‭ ‬الأدب‭ ‬كان‭ ‬هو‭ ‬الادب‭ ‬العربى‭ ‬لم‭ ‬يكد‭ ‬يخرج‭ ‬من‭ ‬جزيرة‭ ‬العرب‭ ‬بعد‭ ‬ظهور‭ ‬الإسلام‭ ‬وبعد‭ ‬وفاة‭ ‬النبى‭ ‬صلى‭ ‬الله‭ ‬عليه‭ ‬وسلم‭ ‬حتى‭ ‬انتشر‭ ‬انتشارا‭ ‬رائعا‭ ‬وخطيرا‭ ‬حقا‭.‬

ولست‭ ‬أعرف‭ ‬فى‭ ‬اللغات‭ ‬القديمة‭ ‬لغة‭ ‬بلغت‭ ‬ما‭ ‬بلغته‭ ‬اللغة‭ ‬العربية‭ ‬من‭ ‬القوة‭ ‬والأيد‭ ‬ومن‭ ‬السعة‭ ‬والانتشار‭ ‬ومن‭ ‬القدرة‭ ‬على‭ ‬السيطرة‭ ‬على‭ ‬العالم‭ ‬القديم‭ ‬فى‭ ‬أكثر‭ ‬أجزائه،‭ ‬وقد‭ ‬كانت‭ ‬قبل‭ ‬اللغة‭ ‬العربية‭ ‬لغات‭ ‬قديمة‭ ‬أخرى‭ ‬انتشرت‭ ‬فى‭ ‬الشرق‭ ‬وسيطرت‭ ‬على‭ ‬سياسته‭ ‬وإدارته‭ ‬وثقافته،‭ ‬ولكنها‭ ‬لم‭ ‬تبلغ‭ ‬فى‭ ‬أى‭ ‬وقت‭ ‬من‭ ‬الأوقات‭ ‬أعماق‭ ‬الشعوب‭ ‬الشرقية،‭ ‬ولم‭ ‬تستطع‭ ‬أن‭ ‬تغير‭ ‬من‭ ‬نفوس‭ ‬الشرقيين‭ ‬ولا‭ ‬أن‭ ‬تغير‭ ‬من‭ ‬لغاتهم‭ ‬شيئا،‭ ‬وإنما‭ ‬فرضت‭ ‬نفسها‭ ‬هذا‭ ‬الفرض‭ ‬السياسى‭ ‬المعروف‭ ‬فكانت‭ ‬لغة‭ ‬الحكام،‭ ‬وكانت‭ ‬لغة‭ ‬الإدارة،‭ ‬وكانت‭ ‬لغة‭ ‬الثقافة‭ ‬الرسمية،‭ ‬وظلت‭ ‬الشعوب‭ ‬مع‭ ‬ذلك‭ ‬تتكلم‭ ‬لغاتها‭ ‬الخاصة،‭ ‬وتتوارث‭ ‬آدابها‭ ‬الخاصة،‭ ‬لم‭ ‬تغير‭ ‬لغتها،‭ ‬ولم‭ ‬تتخذ‭ ‬هذه‭ ‬اللغات‭ ‬القديمة‭ ‬المسيطرة‭ ‬لغات‭ ‬لها‭. ‬فالأمة‭ ‬اليونانية‭ ‬فرضت‭ ‬لغتها‭ ‬على‭ ‬الشرق‭ ‬عشرة‭ ‬قرون،‭ ‬منذ‭ ‬عهد‭ ‬الإسكندر‭ ‬إلى‭ ‬الفتوح‭ ‬العربية‭.‬

ولكن‭ ‬الشعوب‭ ‬التى‭ ‬كانت‭ ‬تسكن‭ ‬هذه‭ ‬البلاد‭ ‬الشرقية‭ ‬ظلت‭ ‬محتفظة‭ ‬بلغاتها‭ ‬الخاصة‭. ‬فكان‭ ‬المصريون‭ ‬محتفظين‭ ‬بلغتهم‭ ‬القبطية‭ ‬وكان‭ ‬السوريون‭ ‬وأهل‭ ‬الجزيرة‭ ‬والعراق‭ ‬محتفظين‭ ‬بلغاتهم‭ ‬السامية‭ ‬الآرامية‭ ‬وما‭ ‬يتفرع‭ ‬منها،‭ ‬ولم‭ ‬تستطع‭ ‬هذه‭ ‬اللغة‭ ‬اليونانية‭ ‬أن‭ ‬تؤثر‭ ‬فى‭ ‬هذه‭ ‬اللغات‭ ‬ولا‭ ‬أن‭ ‬تحول‭ ‬الشعوب‭ ‬عن‭ ‬لغاتها‭ ‬بحال‭ ‬من‭ ‬الأحوال‭.‬

وجاء‭ ‬الرومان‭ ‬بعد‭ ‬اليونان،‭ ‬ولغتهم‭ ‬اللاتينية‭ ‬لم‭ ‬تستطع‭ ‬أن‭ ‬تنتشر‭ ‬فى‭ ‬الشرق‭ ‬بحال‭ ‬من‭ ‬الأحوال،‭ ‬وإنما‭ ‬كان‭ ‬الحكام‭ ‬من‭ ‬الرومانيين،‭ ‬وكانت‭ ‬لغة‭ ‬الإدارة‭ ‬والسياسة‭ ‬والثقافة‭ ‬هى‭ ‬اللغة‭ ‬اللاتينية،‭ ‬وظلت‭ ‬الشعوب‭ ‬مع‭ ‬ذلك‭ ‬محافظة‭ ‬على‭ ‬لغاتها‭ ‬الموروثة،‭ ‬وعلى‭ ‬آدابها‭ ‬الموروثة،‭ ‬وعلى‭ ‬تقاليدها‭ ‬كلها،‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬جاءت‭ ‬اللغة‭ ‬العربية‭ ‬بعد‭ ‬الفتح‭ ‬الإسلامى،‭ ‬ودون‭ ‬أن‭ ‬يتخذ‭ ‬السلطان‭ ‬العربى‭ ‬أى‭ ‬قوة‭ ‬لفرض‭ ‬هذه‭ ‬اللغة،‭ ‬ودون‭ ‬أن‭ ‬تتخذ‭ ‬الحكومات‭ ‬العربية‭ ‬عى‭ ‬اختلافها‭ ‬أى‭ ‬إجراء‭ ‬لحمل‭ ‬الشعوب‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬تتكلم‭ ‬اللغة‭ ‬العربية،‭ ‬فإذا‭ ‬هذه‭ ‬اللغة‭ ‬العربية‭ ‬تنتشر‭ ‬شيئا‭ ‬فشيئا،‭ ‬ولكنها‭ ‬تنتشر،‭ ‬على‭ ‬ذلك‭ ‬ـ‭ ‬فى‭ ‬سرعة‭ ‬مدهشة،‭ ‬ولا‭ ‬تلبث‭ ‬أن‭ ‬تصبح‭ ‬هى‭ ‬اللغة‭ ‬العامة‭ ‬لكل‭ ‬البلاد‭ ‬التى‭ ‬فتحها‭ ‬المسلمون‭.‬

فى ‬شرقى ‬ا‭ ‬لدولة‭ ‬الإسلامية‭: ‬فى‭ ‬بلاد‭ ‬إيران،‭ ‬وفى‭ ‬جزء‭ ‬من‭ ‬بلاد‭ ‬الهند‭ ‬كل‭ ‬هذا‭ ‬القسم‭ ‬كان‭ ‬يتكلم‭ ‬اللغة‭ ‬العربية‭ ‬ويكتب‭ ‬بها،‭ ‬ويحاول‭ ‬أن‭ ‬يغالب‭ ‬العرب‭ ‬عليها‭ ‬وفى‭ ‬المغرب،‭ ‬وفى‭ ‬الشام‭ ‬وفى‭ ‬مصر‭ ‬وشمال‭ ‬إفريقية،‭ ‬وفى‭ ‬الأندلس‭ ‬كذلك‭ ‬غلبت‭ ‬اللغة‭ ‬العربية‭ ‬كل‭ ‬اللغات‭ ‬التى‭ ‬كانت‭ ‬منتشرة‭ ‬فى‭ ‬كل‭ ‬هذه‭ ‬البلاد،‭ ‬وأصبحت‭ ‬هى‭ ‬لغة‭ ‬الحديث‭ ‬وهى‭ ‬لغة‭ ‬الثقافة‭ ‬ولغة‭ ‬الدين‭.‬

ولأجل‭ ‬أن‭ ‬تتبينوا‭ ‬أن‭ ‬هذا‭ ‬لم‭ ‬يأت‭ ‬بقوة‭ ‬الحكومة‭ ‬ولا‭ ‬بتدخل‭ ‬السلطان،‭ ‬أحب‭ ‬أن‭ ‬أذكركم‭ ‬بمثل‭ ‬بسيط‭ ‬جدا،‭ ‬وهو‭ ‬أنه‭ ‬فى‭ ‬القرن‭ ‬الثالث،‭ ‬فى‭ ‬مصر،‭ ‬كان‭ ‬كثير‭ ‬من‭ ‬القضاة‭ ‬يتعلمون‭ ‬اللغة‭ ‬القبطية،‭ ‬ليستطيعوا‭ ‬أن‭ ‬يفهموا‭ ‬الخصوم‭ ‬إذا‭ ‬اختصموا‭ ‬إليهم‭ ‬وأن‭ ‬يقضوا‭ ‬بينهم‭. ‬هذا‭ ‬يعطيكم‭ ‬فكرة‭ ‬واضحة‭ ‬عن‭ ‬موقف‭ ‬الحكومة،‭ ‬وموقف‭ ‬السلطان‭ ‬بالقياس‭ ‬إلى‭ ‬انتشار‭ ‬اللغة‭ ‬العربية‭. ‬فاللغة‭ ‬العربية‭ ‬قد‭ ‬انتشرت‭ ‬وحدها‭ ‬بقوتها‭ ‬الخاصة،‭ ‬وبقوة‭ ‬الإسلام‭ ‬وقوة‭ ‬القرآن‭ ‬الكريم، ‬بهذه‭ ‬القوة‭ ‬وحدها‭ ‬استطاعت‭ ‬اللغة‭ ‬العربية‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬لغة‭ ‬عالمية‭ ‬لأول‭ ‬مرة‭ ‬فى‭ ‬التاريخ‭ ‬الإنسانى،‭ ‬لغة‭ ‬عالمية‭ ‬بأوسع‭ ‬معانى‭ ‬هذه‭ ‬الكلمة،‭ ‬يتكلمها‭ ‬الفرس‭ ‬ويتكلمها‭ ‬جزء‭ ‬غير‭ ‬قليل‭ ‬من‭ ‬الهند‭ ‬وتتكلمها‭ ‬بلاد‭ ‬الشرق‭ ‬العربى‭ ‬الآن‭ ‬كلها‭ ‬ويتكلمها‭ ‬المغرب‭ ‬وشمال‭ ‬إفريقيا‭ ‬وتتكلمها‭ ‬الأندلس‭ ‬أيضا‭. ‬

فالرومانيون‭ ‬استطاعوا‭ ‬أن‭ ‬ينشروا‭ ‬لاتينيتهم‭ ‬فى‭ ‬المغرب،‭ ‬فى‭ ‬المغرب‭ ‬الأوروبى‭: ‬فى‭ ‬فرنسا‭ ‬وفى‭ ‬بريطانيا‭ ‬العظمى‭ ‬وفى‭ ‬إسبانيا،‭ ‬وحاولوا‭ ‬أن‭ ‬يجعلوها‭ ‬لغة‭ ‬منتشرة‭ ‬فى‭ ‬شمال‭ ‬إفريقيا،‭ ‬فلم‭ ‬يفلحوا‭ ‬إلا‭ ‬قليلا‭ ‬جدا‭. ‬

ولكن‭ ‬اللغة‭ ‬العربية‭ ‬استطاعت‭ ‬أن‭ ‬تقهر‭ ‬اليونانية‭ ‬فى‭ ‬الشرق،‭ ‬وأن‭ ‬تقهر‭ ‬اللغات‭ ‬الشعبية‭ ‬التى‭ ‬كانت‭ ‬منتشرة‭ ‬فى‭ ‬هذه‭ ‬البلاد‭ ‬الشرقية،‭ ‬وأن‭ ‬تقهر‭ ‬اللغة‭ ‬الفارسية‭ ‬نفسها،‭ ‬ثم‭ ‬إن‭ ‬تقهر‭ ‬اللاتينية‭ ‬فى‭ ‬المغرب‭ ‬العربى‭ ‬وفى‭ ‬الأندلس،‭ ‬وأن‭ ‬تصبح‭ ‬هى‭ ‬اللغة‭ ‬العالمية‭ ‬التى‭ ‬يتكلمها‭ ‬الناس‭ ‬فى‭ ‬الشرق‭ ‬والغرب‭ ‬جميعا‭. ‬

هذه‭ ‬اللغة‭ ‬منذ‭ ‬تم‭ ‬لها‭ ‬هذا‭ ‬الانتشار،‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬لغة‭ ‬حديثة‭ ‬فحسب،‭ ‬ولكنها‭ ‬كانت‭ ‬لغة‭ ‬حديثة،‭ ‬ولغة‭ ‬سياسية،‭ ‬ولغة‭ ‬إدارة،‭ ‬ولغة‭ ‬الدين‭. ‬

وكانت‭ ‬فى‭ ‬الوقت‭ ‬نفسه‭ ‬لغة‭ ‬التفكير‭ ‬والإنتاج‭ ‬الأدبى‭ ‬والعقلى،‭ ‬وفى‭ ‬أقل‭ ‬من‭ ‬قرنين‭ ‬كانت‭ ‬هذه‭ ‬اللغة‭ ‬قد‭ ‬استطاعت‭ ‬أن‭ ‬تسيغ‭ ‬كل‭ ‬الثقافات‭ ‬التى‭ ‬كانت‭ ‬معروفة‭ ‬فى‭ ‬العصور‭ ‬القديمة‭: ‬أساغت‭ ‬ثقافة‭ ‬اليونان،‭ ‬على‭ ‬سعتها‭ ‬وعلى‭ ‬صعوبتها‭ ‬وعلى‭ ‬عمقها،‭ ‬وأساغت‭ ‬فلسفتهم‭ ‬وعلومهم‭ ‬وطبهم‭ ‬وفنونهم‭ ‬العملية‭ ‬أيضا،‭ ‬وأساغت‭ ‬ثقافة‭ ‬الفرس،‭ ‬وثقافة‭ ‬الهند،‭ ‬وأساغت‭ ‬بعد‭ ‬ذلك‭ ‬الثقافات‭ ‬التى‭ ‬كانت‭ ‬متوارثة‭ ‬بين‭ ‬الأمم‭ ‬السامية،‭ ‬الثقافات‭ ‬التى‭ ‬نشأت‭ ‬عن‭ ‬التقاء‭ ‬الساميين‭ ‬بالأمم‭ ‬المختلفة،‭ ‬والتى‭ ‬نشأت‭ ‬عن‭ ‬توارث‭ ‬التوراة‭ ‬وتوارث‭ ‬الإنجيل‭ ‬بين‭ ‬تلك‭ ‬الأمم‭ ‬المسيحية‭ ‬فى‭ ‬هذه‭ ‬البلاد‭ ‬الشرقية‭ ‬والمغربية‭. ‬كل‭ ‬هذه‭ ‬الثقافات‭ ‬استطاعت‭ ‬اللغة‭ ‬العربية‭ ‬أن‭ ‬تسيغها‭ ‬وأن‭ ‬تتمثلها‭ ‬وأن‭ ‬تجعلها‭ ‬ثقافة‭ ‬عربية،‭ ‬وبعد‭ ‬ذلك‭ ‬جاءت‭ ‬المعجزة‭ ‬الكبرى،‭ ‬وهى‭ ‬أن‭ ‬هذه‭ ‬اللغة‭ ‬انتشرت‭ ‬بهذه‭ ‬الطريقة‭ ‬المدهشة،‭ ‬والتى‭ ‬أساغت‭ ‬كل‭ ‬هذه‭ ‬الثقافات‭ ‬بهذه‭ ‬الطريقة‭ ‬المدهشة‭ ‬أيضا،‭ ‬أنشأت‭ ‬أمة‭ ‬جديدة،‭ ‬هذه‭ ‬الأمة‭ ‬الجديدة‭ ‬قوامها‭ ‬اللغة‭ ‬العربية‭ ‬والدين‭ ‬الإسلامى‭ ‬عند‭ ‬الكثرة،‭ ‬والمسيحية‭ ‬والإسرائيلية‭ ‬عند‭ ‬القلة‭.‬

وكل‭ ‬هذه‭ ‬الأمم‭ ‬امتزجت‭ ‬والتأمت‭ ‬وأصبحت‭ ‬أمة‭ ‬واحدة،‭ ‬هى‭ ‬الأمة‭ ‬الإسلامية‭ ‬العربية،‭ ‬وجعلت‭ ‬عناصرها‭ ‬المختلفة‭ ‬تتعاون‭ ‬على‭ ‬إنشاء‭ ‬هذه‭ ‬الحضارة‭ ‬الإسلامية‭ ‬العليا،‭ ‬التى‭ ‬لا‭ ‬تعرف‭ ‬أن‭ ‬حضارة‭ ‬أخرى‭ ‬قد‭ ‬سبقتها‭ ‬فى‭ ‬عالميتها‭ ‬وفى‭ ‬انتشارها‭. ‬

فلست‭ ‬أعرف‭ ‬حضارة‭ ‬قبل‭ ‬الحضارة‭ ‬الإسلامية‭ ‬استطاعت‭ ‬أن‭ ‬تنتشر‭ ‬من‭ ‬الأندلس‭ ‬الى‭ ‬أعماق‭ ‬الهند،‭ ‬وإنما‭ ‬الحضارة‭ ‬التى‭ ‬انتشرت‭ ‬هذا‭ ‬الانتشار‭ ‬الغريب‭ ‬لأول‭ ‬مرة‭ ‬فى‭ ‬تاريخ‭ ‬العالم،‭ ‬هى‭ ‬هذه‭ ‬الحضارة‭ ‬الإسلامية‭. ‬

فى‭ ‬تلك‭ ‬الأيام،‭ ‬نستطيع‭ ‬أن‭ ‬نقول‭ ‬إن‭ ‬أدبنا‭ ‬كان‭ ‬هو‭ ‬الأدب‭ ‬العربى‭ ‬الممتاز‭ ‬حقا‭. ‬وهذا‭ ‬الأدب‭ ‬العالمى‭ ‬الذى‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬أدب‭ ‬يساميه‭ ‬فى‭ ‬وقته،‭ ‬سبقته‭ ‬آداب‭ ‬أخرى‭ ‬قديمة‭: ‬سبقته‭ ‬الآداب‭ ‬اليونانية‭ ‬التى‭ ‬مازالت‭ ‬الإنسانية‭ ‬تعيش‭ ‬عليها‭ ‬الى‭ ‬الآن،‭ ‬ولكن‭ ‬هذه‭ ‬الآداب‭ ‬اليونانية‭ ‬استطاع‭ ‬العالم‭ ‬الإسلامى،‭ ‬بفضل‭ ‬اللغة‭ ‬العربية‭ ‬ومرونتها‭ ‬وسعتها،‭ ‬استطاع‭ ‬العالم‭ ‬العربى‭ ‬أن‭ ‬يسيغها‭ ‬وأن‭ ‬يحول‭ ‬هذا‭ ‬الأدب‭ ‬اليونانى‭ ‬القديم‭ ‬أو‭ ‬على‭ ‬الأقل‭ ‬الناحية‭ ‬الفلسفية‭ ‬منه‭ ‬الى‭ ‬فلسفلة‭ ‬عربية‭. ‬

كان‭ ‬هذا‭ ‬الأدب‭ ‬إذن‭ ‬عالميا،‭ ‬والأدب‭ ‬الجدير‭ ‬بهذا‭ ‬الاسم‭ ‬هو‭ ‬الذى‭ ‬يستطيع‭ ‬أن‭ ‬يأخذ‭ ‬وأن‭ ‬يعطى‭: ‬يأخذ‭ ‬من‭ ‬الآداب‭ ‬المختلفة،‭ ‬يتلقى‭ ‬كل‭ ‬ما‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬ينفعه‭ ‬وأن‭ ‬يلائم‭ ‬طبيعته،‭ ‬فهو‭ ‬لا‭ ‬يعيش‭ ‬معتزلا‭ ‬وإنما‭ ‬يعيش‭ ‬متصلا‭ ‬بحياة‭ ‬أمته‭ ‬أولا،‭ ‬وبحياة‭ ‬الأمم‭ ‬البعيدة‭ ‬الأجنبية‭ ‬ثانيا،‭ ‬يأخذ‭ ‬منها‭ ‬ما‭ ‬استطاع‭ ‬ويعطيها‭ ‬فى‭ ‬الوقت‭ ‬نفسه‭ ‬ما‭ ‬يستطيع،‭ ‬وأنا‭ ‬أريد‭ ‬أن‭ ‬أبين‭ ‬لكم‭ ‬أن‭ ‬أدبنا‭ ‬فى‭ ‬هذه‭ ‬العصور‭ ‬القديمة‭ ‬كان‭ ‬هذا‭ ‬الأدب‭ ‬العالمى‭ ‬الذى‭ ‬كان‭ ‬يأخذ‭ ‬ويعطى،‭ ‬والذى‭ ‬أخذ‭ ‬حتى‭ ‬أنشأ‭ ‬حضارة‭ ‬جديدة،‭ ‬وأعطى‭ ‬حتى‭ ‬أتاح‭ ‬للأوروبيين‭ ‬نهضتهم‭ ‬الأولى‭. ‬فبفضل‭ ‬المغرب،‭ ‬وبفضل‭ ‬الأندلس،‭ ‬استطاع‭ ‬الأدب‭ ‬العربى‭ ‬والعلم‭ ‬العربى‭ ‬أن‭ ‬يصلا‭ ‬الى‭ ‬أعماق‭ ‬أوروبا،‭ ‬وترجم‭ ‬هذا‭ ‬الأدب‭ ‬الى‭ ‬اللاتينية،‭ ‬نقله،‭ ‬الأوروبيون‭ ‬الى‭ ‬لاتينيتهم‭ ‬التى‭ ‬كانت‭ ‬لغة‭ ‬العلم‭ ‬والثقافة‭ ‬فى‭ ‬تلك‭ ‬الأيام‭ ‬فى‭ ‬المغرب‭ ‬الأوروبى،‭ ‬ترجم‭ ‬الى‭ ‬اللاتينية‭ ‬وأصبح‭ ‬أساسا‭ ‬للنهضة‭ ‬الأوروبية‭ ‬الأولى‭ ‬التى‭ ‬كانت‭ ‬فى‭ ‬القرن‭ ‬الثانى‭ ‬عشر‭ ‬والقرن‭ ‬الثالث‭ ‬عشر‭ ‬والقرن‭ ‬الرابع‭ ‬عشر،‭ ‬وكذلك‭ ‬استطاع‭ ‬هذا‭ ‬الأدب‭ ‬أن‭ ‬يأخذ‭ ‬من‭ ‬اليونانيين‭ ‬فى‭ ‬الشرق‭ ‬وأن‭ ‬يأخذ‭ ‬من‭ ‬الفرس‭ ‬والهند،‭ ‬وأن‭ ‬يأخذ‭ ‬من‭ ‬الأمم‭ ‬الشرقية،‭ ‬وأن‭ ‬يأخذ‭ ‬من‭ ‬اللاتينيين‭ ‬فى‭ ‬الغرب،‭ ‬فكان‭ ‬المغاربة‭ ‬هنا‭ ‬وفى‭ ‬الأندلس‭ ‬يترجمون‭ ‬من‭ ‬اللغة‭ ‬اللاتينية‭ ‬الى‭ ‬اللغة‭ ‬العربية،‭ ‬كما‭ ‬أن‭ ‬المشارقة‭ ‬كانوا‭ ‬يترجمون‭ ‬من‭ ‬اللغات‭ ‬اليونانية‭ ‬الى‭ ‬اللغة‭ ‬العربية‭ ‬ومن‭ ‬اللغة‭ ‬الفارسية‭ ‬والهندية‭ ‬أيضا‭ ‬الى‭ ‬اللغة‭ ‬العربية‭.‬

وقد‭ ‬يقال‭: ‬إن‭ ‬الأدب‭ ‬العربى‭ ‬تأثر‭ ‬بهذه‭ ‬الآداب‭ ‬القديمة‭ ‬التى‭ ‬نقلها،‭ ‬وليس‭ ‬فى‭ ‬ذلك‭ ‬أى‭ ‬عيب‭. ‬

فكل‭ ‬أدب‭ ‬جدير‭ ‬بهذا‭ ‬الاسم‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬يأخذ‭ ‬وأن‭ ‬يعطى‭ ‬وأن‭ ‬يتأثر‭ ‬وأن‭ ‬يؤثر،‭ ‬وإذا‭ ‬رأيتم‭ ‬أدبا‭ ‬يعيش‭ ‬معتزلا‭ ‬لا‭ ‬يأخذ‭ ‬ولا‭ ‬يعطى،‭ ‬ولا‭ ‬يتأثر‭ ‬ولا‭ ‬يؤثر،‭ ‬فثقوا‭ ‬بأنه‭ ‬أدب‭ ‬ميت‭.‬
ولسنا‭ ‬ننكر‭ ‬أن‭ ‬أدبنا‭ ‬العربى‭ ‬تأثر‭ ‬بالآداب‭ ‬والفلسفة‭ ‬اليونانية‭ ‬بعد‭ ‬نقلها،‭ ‬ولسنا‭ ‬ننكر‭ ‬أن‭ ‬هذا‭ ‬قد‭ ‬كان‭ ‬له‭ ‬تأثير‭ ‬خطير‭ ‬جدا‭ ‬فى‭ ‬حياة‭ ‬الأدب‭ ‬العربى‭ ‬أثناء‭ ‬العصر‭ ‬العباسى،‭ ‬وفى‭ ‬المغرب‭ ‬فى‭ ‬العصور‭ ‬المتأخرة‭ ‬بدءا‭ ‬من‭ ‬القرن‭ ‬الرابع‭ ‬فما‭ ‬بعده،‭ ‬لا‭ ‬ننكر‭ ‬شيئا‭ ‬من‭ ‬هذا،‭ ‬وقد‭ ‬يقال‭ ‬إننا‭ ‬تأثرنا‭ ‬بالآداب‭ ‬الفارسية،‭ ‬ولكنى‭ ‬لا‭ ‬أعرف‭ ‬أن‭ ‬الفرس‭ ‬أثروا‭ ‬فى‭ ‬آدابنا‭ ‬تأثيرا‭ ‬ذا‭ ‬خطر‭. ‬كل‭ ‬ما‭ ‬ترجم‭ ‬الى‭ ‬لغتنا‭ ‬العربية‭ ‬عن‭ ‬الفرس‭ ‬كانت‭ ‬هذه‭ ‬الطائفة‭ ‬من‭ ‬الحكم‭ ‬التى‭ ‬نجدها‭ ‬فى‭ ‬كليلة‭ ‬ودمنة،‭ ‬والتى‭ ‬نجدها‭ ‬فى‭ ‬بعض‭ ‬ما‭ ‬كتب‭ ‬ابن‭ ‬المقفع،‭ ‬والتى‭ ‬نجدها‭ ‬فى‭ ‬بعض‭ ‬شعر‭ ‬أبى‭ ‬العتاهية،‭ ‬هذه‭ ‬الحكم‭ ‬وبعض‭ ‬الأمثال‭ ‬القديمة‭ ‬السائرة‭ ‬التى‭ ‬جاءتنا‭ ‬من‭ ‬الهند،‭ ‬وجاءتنا‭ ‬من‭ ‬عند‭ ‬الفرس،‭ ‬ترجمت‭ ‬ولكنها‭ ‬لم‭ ‬تؤثر‭ ‬فى‭ ‬الأدب‭ ‬العربى‭ ‬تأثيرا‭ ‬عميقا،‭ ‬كما‭ ‬أثر‭ ‬الأدب‭ ‬اليونانى‭. ‬فالأدب‭ ‬اليونانى‭ ‬أثر‭ ‬فى‭ ‬تصور‭ ‬الشعراء‭ ‬وفى‭ ‬خيالهم،‭ ‬وبفضل‭ ‬هذا‭ ‬الأدب‭ ‬اليونانى‭ ‬وجد‭ ‬شاعر‭ ‬مثل‭ ‬أبى‭ ‬تمام،‭ ‬وبفضل‭ ‬هذا‭ ‬الأدب‭ ‬وجد‭ ‬شاعر‭ ‬مثل‭ ‬ابن‭ ‬الرومى،‭ ‬ويفضل‭ ‬هذا‭ ‬الأدب‭ ‬وجد‭ ‬شاعر‭ ‬مثل‭ ‬المتنبى،‭ ‬ومثل‭ ‬أبى‭ ‬العلاء،‭ ‬أولئك‭ ‬الذين‭ ‬تأثروا‭ ‬بالفلسفة‭ ‬اليونانية‭ ‬وظهرت‭ ‬أثار‭ ‬الفلسفة‭ ‬اليونانية‭ ‬فى‭ ‬شعرهم،‭ ‬إما‭ ‬فى‭ ‬صور‭ ‬الشعر‭ ‬كما‭ ‬عند‭ ‬أبى‭ ‬تمام،‭ ‬وإما‭ ‬فى‭ ‬جوهر‭ ‬الشعر‭ ‬كما‭ ‬هى‭ ‬الحال‭ ‬فى‭ ‬كثير‭ ‬من‭ ‬شعر‭ ‬المتنبى،‭ ‬وفى‭ ‬شعر‭ ‬أبى‭ ‬العلاء‭ ‬الفلسفى‭ ‬كله،‭ ‬وأحيانا‭ ‬توثر‭ ‬فى‭ ‬الصورة‭ ‬وفى‭ ‬الجوهر‭ ‬كما‭ ‬هى‭ ‬عند‭ ‬ابن‭ ‬الرومى،‭ ‬فابن‭ ‬الرومى‭ ‬كان‭ ‬شديد‭ ‬التأثر‭ ‬بالأدب‭ ‬اليونانى‭: ‬فى‭ ‬صوره‭ ‬الأدبية‭ ‬وفى‭ ‬أدائه‭ ‬اللفظى‭ ‬نفسه‭ ‬وفى‭ ‬بعض‭ ‬معانيه،‭ ‬وفى‭ ‬معانيه‭ ‬الفلسفية‭ ‬بنوع‭ ‬خاص،‭ ‬وهو‭ ‬أول‭ ‬الشعراء‭ ‬الذين‭ ‬أظهروا‭ ‬التشاؤم‭ ‬فى‭ ‬الأدب‭ ‬العربى‭.‬

أما‭ ‬الفرس‭ ‬فلم‭ ‬يؤثروا‭ ‬فى‭ ‬هذا‭ ‬الأدب‭ ‬العربى‭ ‬لسبب‭ ‬بسيط،‭ ‬هو‭ ‬أن‭ ‬أدب‭ ‬الفرس‭ ‬القديم‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬ذا‭ ‬خطر،‭ ‬بل‭ ‬انهم‭ ‬عندما‭ ‬عدلوا‭ ‬عن‭ ‬اتخاذ‭ ‬اللغة‭ ‬العربية‭ ‬لغة‭ ‬لهم‭ ‬فى‭ ‬حياتهم‭ ‬وفيما‭ ‬كانوا‭ ‬يكتبون،‭ ‬وأرادوا‭ ‬أن‭ ‬يكتبوا‭ ‬بلغتهم‭ ‬الفارسية‭ ‬الإسلامية‭ ‬الجديدة،‭ ‬لم‭ ‬تستطع‭ ‬هذه‭ ‬اللغة‭ ‬الفارسية‭ ‬الإسلامية‭ ‬أن‭ ‬تقهر‭ ‬اللغة‭ ‬العربية‭ ‬فى‭ ‬بلاد‭ ‬الفرس‭ ‬أنفسهم،‭ ‬فكثير‭ ‬من‭ ‬علماء‭ ‬الفرس‭ ‬كانوا‭ ‬يأنفون‭ ‬من‭ ‬كتابة‭ ‬العلم‭ ‬باللغة‭ ‬الفارسية،‭ ‬ويأبون‭ ‬أن‭ ‬يكتبوه‭ ‬إلا‭ ‬باللغة‭ ‬العربية،‭ ‬ونرى‭ ‬عالما‭ ‬من‭ ‬كبار‭ ‬علمائهم‭ ‬كالزمخشرى‭ ‬ينازعهم‭ ‬أشد‭ ‬المنازعة‭ ‬فى‭ ‬مقدمة‭ ‬كتابه‭ ‬فى‭ ‬النحو (‬كتاب‭ ‬المفصل‭ ‬فى‭ ‬النحو‭( ‬، ‬ويأبى‭ ‬إلا‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬الكتابة‭ ‬باللغة‭ ‬العربية‭ ‬ويرى‭ ‬أن‭ ‬الفارسية‭ ‬لا‭ ‬تستطيع‭ ‬أن‭ ‬تؤدى‭ ‬المعانى‭ ‬التى‭ ‬تؤديها‭ ‬اللغة‭ ‬العربية‭. ‬وبالفعل ‭ ‬عندما‭ ‬أراد‭ ‬الفرس‭ ‬أن‭ ‬ينشئوا‭ ‬لأنفسهم‭ ‬أدبا‭ ‬فارسيا‭ ‬إسلاميا‭ ‬لم‭ ‬يستطيعوا‭ ‬أن‭ ‬ينشئوا‭ ‬نثرا‭ ‬فارسيا‭ ‬إلا‭ ‬فى‭ ‬العصر‭ ‬الحديث،‭ ‬وأذكر‭ ‬أنى‭ ‬سمعت‭ ‬بعض‭ ‬الناس‭ ‬ينشد‭ ‬شعرا‭ ‬فارسيا‭ ‬فيبتدئ‭ ‬إنشاد‭ ‬هذا‭ ‬الشعر‭ ‬على‭ ‬هذا‭ ‬النحو‭:‬

ألا‭ ‬يا‭ ‬أيها‭ ‬الساقى‭ ‬أدر‭ ‬كأسا‭ ‬وناولها
كه‭ ‬عشق‭ ‬أسان‭ ‬نمود‭ ‬أول‭ ‬ولى‭ ‬أفتاد‭ ‬مشكلها
البيت‭ ‬الأول‭ ‬هو‭ ‬بيت‭ ‬من‭ ‬الشعر‭ ‬العربى‭ ‬القديم‭:‬
‮«ألا‭ ‬يا‭ ‬أيها‭ ‬الساقى‭ ‬أدر‭ ‬كأسا‭ ‬وناولها‮»
البيت‭ ‬الثانى‭ ‬معناه‭ ‬‮»‬العشق‭ ‬فى‭ ‬أوله‭ ‬يسير‭ ‬سهل‭ ‬ولكنه‭ ‬لا‭ ‬يلبث‭ ‬إن‭ ‬تم‭ ‬حتى‭ ‬تنشأ‭ ‬مشكلاته‭.‬

كذلك‭ ‬كان‭ ‬الشعر‭ ‬العربى،‭ ‬وكذلك‭ ‬كان‭ ‬الأدب‭ ‬العربى‭ ‬فى‭ ‬هذا‭ ‬الطور‭ ‬من‭ ‬حياتنا،‭ ‬هو‭ ‬الأدب‭ ‬الممتاز‭ ‬فى‭ ‬العالم‭ ‬الإنسانى‭ ‬فى‭ ‬تلك‭ ‬الأيام،‭ ‬وكان‭ ‬هو‭ ‬المرجع‭ ‬للأمم‭ ‬الأوروبية‭ ‬التى‭ ‬كانت‭ ‬تريد‭ ‬أن‭ ‬تسترد‭ ‬حظها‭ ‬من‭ ‬الحضارة‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬فقدت‭ ‬حضارتها‭ ‬اللاتينية‭ ‬القديمة،‭ ‬ولكن‭ ‬الظروف‭ ‬تتغير،‭ ‬والأطوار‭ ‬تختلف،‭ ‬والخطوب‭ ‬يتبع‭ ‬بعضها‭ ‬بعضا‭. ‬وقد‭ ‬جعلت‭ ‬هذه‭ ‬الخطوب‭ ‬تتوالى‭ ‬على‭ ‬الأمة‭ ‬العربية،‭ ‬وبدأت‭ ‬بتحول‭ ‬الحكم‭ ‬فى‭ ‬الشرق‭ ‬على‭ ‬الأقل‭ ‬من‭ ‬العرب‭ ‬إلى‭ ‬أمم‭ ‬أجنبية‭ : ‬إلى‭ ‬الفرس‭ ‬أولا‭ ‬وإلى‭ ‬التحكم‭ ‬التركى‭ ‬ثانيا،‭ ‬ثم‭ ‬إلى‭ ‬الفرس‭ ‬بعد‭ ‬ذلك،‭ ‬ثم‭ ‬إلى‭ ‬الترك‭ ‬آخر‭ ‬الأمر،‭ ‬ثم‭ ‬تأتى‭ ‬الدولة‭ ‬التركية‭ ‬العثمانية‭ ‬فتسيطر‭ ‬على‭ ‬الشرق‭ ‬العربى‭ ‬كله‭ ‬وعلى‭ ‬جزء‭ ‬من‭ ‬شمال‭ ‬إفريقيا‭. ‬ومن‭ ‬حسن‭ ‬الحظ‭ ‬أنها‭ ‬لم‭ ‬تصل‭ ‬إلى‭ ‬المغرب‭ ‬ولم‭ ‬تسيطر‭ ‬عليه‭!‬

وأخص‭ ‬ما‭ ‬يحيى‭ ‬الأدب‭ ‬هو‭ ‬الاتصال‭ ‬بين‭ ‬الأمم‭ ‬صاحبة‭ ‬هذا‭ ‬الأدب‭ ‬وبين‭ ‬الأمم‭ ‬الأخرى،‭ ‬ومن‭ ‬أجل‭ ‬ذلك‭ ‬لم‭ ‬يكد‭ ‬الترك‭ ‬العثمانيون‭ ‬يسيطرون‭ ‬على‭ ‬العالم‭ ‬العربى‭ ‬حتى‭ ‬قطعوا‭ ‬كل‭ ‬صلة‭ ‬بين‭ ‬العالم‭ ‬العربى‭ ‬وبين‭ ‬الخارج،‭ ‬وفرضوا‭ ‬على‭ ‬هذا‭ ‬العالم‭ ‬العربى‭ ‬أن‭ ‬يعتزل‭ ‬وأن‭ ‬يعكف‭ ‬على‭ ‬نفسه،‭ ‬لا‭ ‬يتصل‭ ‬بالعالم‭ ‬الخارجى‭ ‬فى‭ ‬أوروبا،‭ ‬ولا‭ ‬يكون‭ ‬له‭ ‬أى‭ ‬اتصال‭ ‬حتى‭ ‬بين‭ ‬أجزاء‭ ‬العالم‭ ‬العربى‭ ‬نفسه‭. ‬قطعت‭ ‬الصلات‭ ‬بين‭ ‬الأمم‭ ‬العربية‭ ‬وبين‭ ‬العالم‭ ‬الخارجى،‭ ‬واضطرت‭ ‬الأمم‭ ‬العربية‭ ‬إلى‭ ‬ن‭ ‬تعكف‭ ‬على‭ ‬نفسها،‭ ‬وجعل‭ ‬الأدب‭ ‬العربى‭ ‬يضعف‭ ‬قليلا،‭ ‬ثم‭ ‬دهم‭ ‬العالم‭ ‬العربى‭ ‬بخطوب‭ ‬أخرى‭: ‬خطوب‭ ‬التتار‭ ‬فى‭ ‬الشرق،‭ ‬وخطوب‭ ‬الصليبيين‭ ‬وخطوب‭ ‬الدولة‭ ‬العثمانية،‭ ‬كما‭ ‬قلت،‭ ‬فكان‭ ‬هذا‭ ‬هو‭ ‬الذى‭ ‬أضعف‭ ‬اللغة‭ ‬العربية‭ ‬وأضعف‭ ‬أدابها،‭ ‬واضطرها‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬تعيش‭ ‬كما‭ ‬تعيش‭ ‬الجذوة‭ ‬تحت‭ ‬الرماد،‭ ‬ولولا‭ ‬أن‭ ‬الله‭ ‬اتاح‭ ‬لجزءين‭ ‬من‭ ‬العالم‭ ‬حظا‭ ‬من‭ ‬الاستقلال‭ ‬ومكن‭ ‬لهذين‭ ‬الجزءين‭ ‬من‭ ‬حماية‭ ‬الأدب‭ ‬العربى‭ ‬والتراث‭ ‬الإسلامى‭ ‬لضاعت‭ ‬هذه‭ ‬الأداب‭.‬

وانظروا‭ ‬إلى‭ ‬حال‭ ‬الأمة‭ ‬العربية‭ ‬تحت‭ ‬تأثير‭ ‬التتار‭ ‬والترك‭ ‬بعد‭ ‬ذلك،‭ ‬الترك‭ ‬العثمانيين،‭ ‬وإلى‭ ‬الأمة‭ ‬العربية‭ ‬فى‭ ‬المغرب،‭ ‬فى‭ ‬اسبانيا،‭ ‬تحت‭ ‬تأثير‭ ‬العناصر‭ ‬المسيحية‭ ‬التى‭ ‬أخرجت‭ ‬العرب‭ ‬وأخرجت‭ ‬الإسلام‭ ‬من‭ ‬اسبانيا،‭ ‬إنما‭ ‬أتاح‭ ‬الله‭ ‬هذين‭ ‬الجزأين‭: ‬المغرب‭ ‬الاقصى‭ ‬فى‭ ‬العالم‭ ‬الغربى‭ ‬العربى،‭ ‬وسوريا‭ ‬ومصر‭ ‬فى‭ ‬العالم‭ ‬الشرقى‭ ‬العربي،‭ ‬بفضل‭ ‬هذين‭ ‬الجزءين‭ ‬من‭ ‬العالم‭ ‬العربى‭ ‬حفظ‭ ‬التراث‭ ‬الإسلامى،‭ ‬حفظ‭ ‬التراث‭ ‬فى‭ ‬الكتب،‭ ‬وفى‭ ‬المكتبات،‭ ‬وفى‭ ‬المساجد،‭ ‬وحفظ‭ ‬هذا‭ ‬التراث‭ ‬فى‭ ‬المساجد‭ ‬التى‭ ‬كانت‭ ‬تعلم‭ ‬اللغة‭ ‬والدين‭ ‬والعلوم‭ ‬الإسلامية،‭ ‬حفظ‭ ‬هذا‭ ‬التراث‭ ‬فى‭ ‬هذه‭ ‬الأجزاء‭ ‬من‭ ‬العالم‭ ‬العربى‭ ‬فى‭ ‬سوريا‭ ‬وفى‭ ‬مصر‭ ‬فى‭ ‬الشرق،‭ ‬وفى‭ ‬المغرب‭ ‬الأقصى،‭ ‬فى‭ ‬القسم‭ ‬الغربى‭ ‬من‭ ‬العالم‭ ‬الإسلامى‭.‬

ثم‭ ‬يأتى‭ ‬هذا‭ ‬العصر،‭ ‬قبل‭ ‬هذا‭ ‬العصر‭ ‬الحديث‭ ‬كان‭ ‬التراث‭ ‬محفوظا‭ ‬ولكنه‭ ‬كان‭ ‬نائما،‭ ‬وكان‭ ‬مهملا،‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬أحد‭ ‬يلتفت‭ ‬إليه‭ ‬تقريبا،‭ ‬وكان‭ ‬كما‭ ‬قلت‭ ‬لحضراتكم‭ ‬كالجذوة‭ ‬التى‭ ‬تعيش‭ ‬تحت‭ ‬الرماد‭ ‬لم‭ ‬تنطفئ‭ ‬ولكنها‭ ‬لا‭ ‬تنشر‭ ‬لهبها‭ ‬ولا‭ ‬تنشر‭ ‬نورها‭ ‬وإنما‭ ‬تظل‭ ‬مستورة‭ ‬تحت‭ ‬الرماد،‭ ‬هذ‭ ‬العصر‭ ‬الحديث‭ ‬عندما‭ ‬جاء،‭ ‬وجدنا‭ ‬أدبنا‭ ‬العربى‭ ‬قد‭ ‬فقد‭ ‬كل‭ ‬قوته‭ ‬القديمة‭ ‬التى‭ ‬صورتها‭ ‬لكم‭ ‬الآن،‭ ‬وفقد‭ ‬عالميته‭ ‬وأصبح‭ ‬أدبا‭ ‬محليا،‭ ‬أصبح‭ ‬هناك‭ ‬أدب‭ ‬فى‭ ‬مصر،‭ ‬وأدب‭ ‬فى‭ ‬سوريا،‭ ‬وأدب‭ ‬فى‭ ‬العراق،‭ ‬واخر‭ ‬فى‭ ‬تونس‭ ‬وفى‭ ‬المغرب،‭ ‬وهكذا،‭ ‬ولكن‭ ‬هذه‭ ‬الآداب‭ ‬كلها‭ ‬كانت‭ ‬آدابا‭ ‬محلية‭ ‬كما‭ ‬يقال،‭ ‬لا‭ ‬يتجاوز‭ ‬حدود‭ ‬البلاد‭ ‬العربية‭ ‬إلى‭ ‬العالم‭ ‬الخارجى‭.‬

وفى‭ ‬أثناء‭ ‬هذه‭ ‬العصور‭ ‬الوسطى‭ ‬التى‭ ‬قضى‭ ‬فيها‭ ‬على‭ ‬الأدب‭ ‬العربى‭ ‬بها‭ ‬الخمود،‭ ‬قويت‭ ‬أوروبا،‭ ‬قويت‭ ‬بفضل‭ ‬النهضة‭ ‬الأولى‭ ‬التى‭ ‬أتاحها‭ ‬لها‭ ‬الأدب‭ ‬العربى،‭ ‬ثم‭ ‬قويت‭ ‬بفضل‭ ‬النهضة‭ ‬الثانية‭ ‬التى‭ ‬أتيحت‭ ‬لها‭ ‬بعد‭ ‬سقوط‭ ‬القسطنطينية‭ ‬فى‭ ‬يد‭ ‬الترك‭ ‬العثمانيين،‭ ‬وكنا‭ ‬نحن‭ ‬فى‭ ‬غاية‭ ‬الضعف‭ ‬وفى‭ ‬غاية‭ ‬الخمود،‭ ‬وكذلك‭ ‬ترون‭ ‬الواجب‭ ‬الخطير‭ ‬الذى‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬نثبت‭ ‬له‭ ‬وأن‭ ‬ننهض‭ ‬به،‭ ‬وأن‭ ‬نؤديه‭ ‬لأنفسنا‭ ‬أولا،‭ ‬ولتراثنا‭ ‬العربى‭ ‬القديم‭ ‬ثانيا،‭ ‬وللإنسانية‭ ‬آخر‭ ‬الأمر‭.‬

هذا‭ ‬الواجب‭ ‬هو‭ ‬إحياء‭ ‬هذا‭ ‬التراث‭ ‬القديم‭ ‬من‭ ‬جهة،‭ ‬وأن‭ ‬نضيف‭ ‬إليه‭ ‬من‭ ‬عند‭ ‬أنفسنا‭ ‬ـ‭ ‬من‭ ‬جهة‭ ‬أخرى‭ ‬ـ‭ ‬لنزيده‭ ‬وننميه‭ ‬ونقويه،‭ ‬ونرد‭ ‬إليه‭ ‬مكانته‭ ‬العالمية‭ ‬ونجعله‭ ‬أدبا‭ ‬لا‭ ‬ينتفع‭ ‬به‭ ‬أصحابه‭ ‬وحدهم،‭ ‬وإنما‭ ‬ينتفع‭ ‬به‭ ‬أصحابه‭ ‬وينتفع‭ ‬به‭ ‬العالم‭ ‬الخارجى‭ ‬على‭ ‬اختلاف‭ ‬أجناسه‭ ‬وعلى‭ ‬اختلاف‭ ‬حضاراته‭.‬

فهو‭ ‬يحتاج‭ ‬أولا‭ ‬الى‭ ‬أن‭ ‬ننشر‭ ‬كل‭ ‬هذا‭ ‬التراث‭ ‬المكدس‭ ‬فى‭ ‬المكتبات،‭ ‬فى‭ ‬أقطار‭ ‬العالم‭ ‬العربى،‭ ‬ننشره‭ ‬ونفسره‭ ‬ثم‭ ‬نضيف‭ ‬إليه‭ ‬من‭ ‬عند‭ ‬أنفسنا‭ ‬أدبا‭ ‬حديثا‭ ‬جديدا‭ ‬لا‭ ‬تنقطع‭ ‬صلته‭ ‬بالأدب‭ ‬العربى‭ ‬القديم،‭ ‬ورلكنها‭ ‬تتصل‭ ‬به‭ ‬من‭ ‬جهة،‭ ‬وتزيد‭ ‬عليه‭ ‬وتضيف‭ ‬إلى‭ ‬من‭ ‬جهة‭ ‬أخرى،‭ ‬ولا‭ ‬ينبغى‭ ‬أن‭ ‬نعيش‭ ‬فى‭ ‬هذه‭ ‬العزلة‭ ‬التى‭ ‬نعيش‭ ‬فيها‭ ‬الآن،‭ ‬أو‭ ‬نوشك‭ ‬أن‭ ‬نعيش‭ ‬فيها،‭ ‬لا‭ ‬ينبغى‭ ‬أن‭ ‬نعيش‭ ‬فى‭ ‬هذه‭ ‬العزلة،‭ ‬نستعير‭ ‬كل‭ ‬ما‭ ‬نحتاج‭ ‬إليه‭ ‬من‭ ‬الحضارات‭ ‬الأخرى‭ ‬الغربية‭ ‬فى‭ ‬أوروبا‭ ‬وفى‭ ‬أمريكا،‭ ‬ولا‭ ‬يستعير‭ ‬أحد‭ ‬منا‭ ‬شيئا‭. ‬فنحن‭ ‬بهذه‭ ‬الطريقة‭ ‬نرضى‭ ‬لأنفسنا‭ ‬أن‭ ‬نكون‭ ‬عيالا‭ ‬على‭ ‬الغرب،‭ ‬وما‭ ‬عهد‭ ‬العرب‭ ‬فى‭ ‬أنفسهم‭ ‬أن‭ ‬يكونوا‭ ‬عيالا‭ ‬على‭ ‬أحد‭ ‬فى‭ ‬وقت‭ ‬من‭ ‬الأوقات‭ ‬كانوا‭ ‬يأخذون‭ ‬من‭ ‬اليونان،‭ ‬ومن‭ ‬الفرس،‭ ‬ومن‭ ‬الهند،‭ ‬ومن‭ ‬أمم‭ ‬أخرى‭ ‬كثيرة،‭ ‬ولكنهم‭ ‬كانوا‭ ‬يعطون،‭ ‬فلنأخذ‭ ‬من‭ ‬الغرب‭ ‬إذن،‭ ‬ولكن‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬نأخذ‭ ‬منه‭ ‬وأن‭ ‬نعطيه‭. ‬والذى‭ ‬أتاح‭ ‬لنا‭ ‬أن‭ ‬نجاهد،‭ ‬وأتاح‭ ‬لنا‭ ‬أن‭ ‬نكافح،‭ ‬وأتاح‭ ‬لنا‭ ‬أن‭ ‬نصارع‭ ‬الأجنبى‭ ‬لنستخلص‭ ‬منه‭ ‬استقلالنا‭ ‬السياسى‭ ‬فى‭ ‬الشرق،‭ ‬وفى‭ ‬المغرب‭ ‬فى‭ ‬الغرب،‭ ‬هو‭ ‬الذى‭ ‬سيتيح‭ ‬لنا‭ ‬أن‭ ‬نجاهد‭ ‬وأن‭ ‬نكافح،‭ ‬لنرد‭ ‬إلى‭ ‬أدبنا‭ ‬العربى‭ ‬حياته‭ ‬وقوته‭ ‬ونشاطه‭.‬

وإنى‭ ‬لأسعد‭ ‬الناس‭ ‬بأن‭ ‬أشرف‭ ‬بإلقاء‭ ‬هذه‭ ‬المحاضرة‭ ‬بين‭ ‬يدى‭ ‬صاحب‭ ‬السمو‭ ‬الملكى‭ ‬وبين‭ ‬أيديكم،‭ ‬لأنى‭ ‬أرى‭ ‬فى‭ ‬جلالة‭ ‬الملك‭ ‬وفى‭ ‬سمو‭ ‬ولى‭ ‬العهد‭ ‬رمزا‭ ‬أى‭ ‬رمز‭ ‬لهذا‭ ‬الكفاح،‭ ‬ولهذا‭ ‬الجهاد‭. ‬وأثق‭ ‬فى‭ ‬أن‭ ‬سمو‭ ‬الأمير‭ ‬ولى‭ ‬العهد‭ ‬خير‭ ‬من‭ ‬يستمع‭ ‬لهذه‭ ‬الدعوة،‭ ‬وخير‭ ‬من‭ ‬يستقبلها‭ ‬كما‭ ‬ينبغى‭ ‬أن‭ ‬تستقبل،‭ ‬وخير‭ ‬من‭ ‬يعين‭ ‬على‭ ‬إحياء‭ ‬الأدب‭ ‬فى‭ ‬المغرب‭. ‬وسيشارك‭ ‬فى‭ ‬إحياء‭ ‬الأدب‭ ‬العربى‭ ‬فى‭ ‬جميع‭ ‬أقطار‭ ‬العروبة‭ ‬كلها،‭ ‬وأنا‭ ‬أجدد‭ ‬لسموح‭ ‬ولحضراتكم‭ ‬أصدق‭ ‬الشكر‭ ‬وأخلص‭ ‬التحية‭.‬

كل‭ ‬شىء‭ ‬يدعونا‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬نعيد‭ ‬النظر‭ ‬فى‭ ‬تراثنا‭ ‬القديم،‭ ‬نعيد‭ ‬النظر‭ ‬فيه‭ ‬لأننا‭ ‬نحبه‭ ‬ونريد‭ ‬أن‭ ‬نستخلص‭ ‬صفوته،‭ ‬ونريد‭ ‬أن‭ ‬نزيل‭ ‬عنه‭ ‬ما‭ ‬لصق‭ ‬به‭ ‬وما‭ ‬ران‭ ‬عليه‭ ‬من‭ ‬الأوهام‭ ‬والأساطير‭ ‬والخرافات‭. ‬وأؤكد‭ ‬لكم‭ ‬أنكم‭ ‬إذا‭ ‬أعدتم‭ ‬النظر‭ ‬فى‭ ‬تاريخ‭ ‬الأدب‭ ‬العربى‭ ‬والتمستموه‭ ‬فى‭ ‬شعر‭ ‬الشعراء‭ ‬لا‭ ‬فى‭ ‬حديث‭ ‬الرواة،‭ ‬والتمستموه‭ ‬فى‭ ‬الدواوين‭ ‬لا‭ ‬فيما‭ ‬يختصر‭ ‬من‭ ‬الدواوين‭ ‬ستجدون‭ ‬متعة‭ ‬أى‭ ‬متعة،‭ ‬وستجدون‭ ‬نعمة‭ ‬أى‭ ‬نعمة،‭ ‬ستشعرون‭ ‬أنكم‭ ‬تستكشفون‭ ‬التاريخ‭ ‬العربى‭ ‬من‭ ‬جديد‭.‬

وقد‭ ‬قلت‭ ‬لكم‭ ‬فى‭ ‬أول‭ ‬هذا‭ ‬الحديث‭ ‬إنى‭ ‬قد‭ ‬أحببت‭ ‬دائما‭ ‬أن‭ ‬أثير‭ ‬المشكلات‭ ‬وأن‭ ‬أثير‭ ‬القلق‭ ‬من‭ ‬حولى‭. ‬وإنى‭ ‬لأرجو‭ ‬أن‭ ‬أكون‭ ‬قد‭ ‬أثرت‭ ‬بين‭ ‬أيديكم‭ ‬من‭ ‬المشكلات‭ ‬ونشرت‭ ‬حولكم‭ ‬من‭ ‬القلق‭ ‬ما‭ ‬يدعوكم‭ ‬إلى‭ ‬ألا‭ ‬تقرأوا‭ (‬الأغانى‭) ‬إلا‭ ‬لتقرأوه‭ ‬ليس‭ ‬غير،‭ ‬ولتأخذوا‭ ‬منه‭ ‬بعض‭ ‬ما‭ ‬تحتاجون‭ ‬إليه‭ ‬من‭ ‬العلم،‭ ‬ولا‭ ‬تتخذوه‭ ‬وحده‭ ‬مصدرا‭ ‬للتاريخ‭ ‬الأدبى‭ ‬فالكذب‭ ‬فى‭ ‬كتاب‭ ‬الأغانى‭ ‬كثير،‭ ‬والانتحال‭ ‬فيه‭ ‬كثير،‭ ‬والتزوير‭ ‬على‭ ‬القدماء‭ ‬فيه‭ ‬كثير‭ ‬أيضا،‭ ‬والخير‭ ‬كل‭ ‬الخير‭ ‬فى‭ ‬أن‭ ‬نلتمس‭ ‬الأدب‭ ‬العربى‭ ‬فى‭ ‬النصوص‭ ‬القديمة‭ ‬نفسها‭ ‬وفى‭ ‬دواوين‭ ‬الشعراء‭ ‬وفى‭ ‬رسائل‭ ‬الكتاب‭ ‬لا‭ ‬فى‭ ‬ما‭ ‬يحكى‭ ‬عن‭ ‬الكتاب‭ ‬والشعراء‭. ‬وإذا‭ ‬فعلنا‭ ‬هذا‭ ‬كنا‭ ‬أولا‭ ‬قد‭ ‬أنصفنا‭ ‬أدبنا‭ ‬العربى‭ ‬وطهرناه‭ ‬من‭ ‬الأوهام‭ ‬والأساطير،‭ ‬وكنا‭ ‬ثانيا‭ ‬قد‭ ‬أحييناه‭ ‬الحياة‭ ‬الجديرة‭ ‬به،‭ ‬وكنا‭ ‬ثالثا‭ ‬قد‭ ‬رددنا‭ ‬على‭ ‬أنفسنا‭ ‬عقولنا،‭ ‬وقد‭ ‬بحثنا‭ ‬كما‭ ‬ينبغى‭ ‬للعلماء‭ ‬أن‭ ‬يبحثوا،‭ ‬وخرجنا‭ ‬من‭ ‬هذا‭ ‬التقليد‭ ‬الطويل‭ ‬الذى‭ ‬أفسد‭ ‬علينا‭ ‬كثيرا‭ ‬من‭ ‬أمرنا‭ ‬إلى‭ ‬الآن‭.‬

أما‭ ‬بعد‭ ‬فإنى‭ ‬أجدد‭ ‬التحية‭ ‬وأجدد‭ ‬الشكر‭ ‬وأعتذر‭ ‬إليكم‭ ‬من‭ ‬هذا‭ ‬الحديث‭ ‬الذى‭ ‬أطلت‭ ‬فيه‭ ‬وأرجو‭ ‬ألا‭ ‬أكون‭ ‬قد‭ ‬أثقلت‭ ‬عليكم‭ ‬بهذا‭ ‬الإسراف‭.‬

‬محاضرة الدار البيضاء.. «حول‭ ‬‮‬الأدب‭ ‬العربى ‬فى‭ ‬مصر‭ ‬قديما‭ ‬وحديثا»

.. سيداتى،‭ ‬سادتى..

أرجو‭ ‬قبل‭ ‬كل‭ ‬شئ‭ ‬أن‭ ‬تتفضلوا‭ ‬فتقبلوا‭ ‬تحية‭ ‬العروبة‭ ‬الشرقية‭ ‬ترسلها‭ ‬إلى ‬العروبة‭ ‬المغربية‭ ‬صادرة‭ ‬عن‭ ‬أعماق‭ ‬القلب‭ ‬وعن‭ ‬دخائل‭ ‬الضمائر،‭ ‬وأرجو‭ ‬أن‭ ‬تتقبلوها‭ ‬على ‬ألا‭ ‬تستقر‭ ‬فى ‬اسماعكم،‭

كما‭ ‬قلت‭ ‬فى ‬الرباط‭ ‬وإنما‭ ‬تمر‭ ‬فى ‬اسماعكم‭ ‬لتستقر‭ ‬فى ‬أعماق‭ ‬قلوبكم‭ ‬كما‭ ‬صدرت‭ ‬من‭ ‬أعماق‭ ‬قلوب‭ ‬اخوانكم‭ ‬فى ‬الجمهورية‭ ‬العربية‭ ‬المتحدة‭.‬

وإنى ‬الحريص‭ ‬على ‬أن‭ ‬اشكر‭ ‬اجمل‭ ‬الشكر‭ ‬وأصدقه‭ ‬للسيد‭ ‬الوزير‭ ‬ومدير‭ ‬الجامعة‭ ‬الآن،‭ ‬أشكر‭ ‬له‭ ‬أجمل‭ ‬الشكر‭ ‬وأصدقه‭ ‬هذه‭ ‬التحية‭ ‬الكريمة‭ ‬التى ‬تفضل‭ ‬بها،‭ ‬واعترف‭ ‬وأشهد‭ ‬أنى ‬منذ‭ ‬وصلت‭ ‬الى ‬بلاد‭ ‬المغرب‭ ‬لم‭ ‬أجد‭ ‬فيها‭ ‬إلا‭ ‬أحسن‭ ‬لقاء‭ ‬وأحسن‭ ‬ترحيب‭ ‬،‭ ‬لقاء‭ ‬الإخوان‭ ‬للأخ‭ ‬وترحيب‭ ‬الإخوان‭ ‬بالأخ‭ ‬الصديق‭، ‬ومع‭ ‬ذلك‭ ‬فلست‭ ‬أوافق‭ ‬الأستاذ‭ ‬الوزير‭ ‬على ‬ما‭ ‬قال‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬المغرب‭ ‬تلميذ‭ ‬لمصر،‭ ‬فالذى ‬أعرفه‭ ‬أن‭ ‬علومكم‭ ‬وصلت‭ ‬الينا‭ ‬وأن‭ ‬علماءكم‭ ‬وصلوا‭ ‬إلى ‬بلادنا،‭ ‬منهم‭ ‬من‭ ‬استقر‭ ‬فى ‬الإسكندرية‭ ‬وأقرأ‭ ‬تلاميذ‭ ‬من‭ ‬المصريين‭ ‬والشرقيين،‭ ‬ومنهم‭ ‬من‭ ‬استقر‭ ‬فى ‬القاهرة‭ ‬وأقرأ‭ ‬التلاميذ‭ ‬فى ‬الأزهر‭ ‬الشريف،‭ ‬فإذا‭ ‬كان‭ ‬هناك‭ ‬اساتذة‭ ‬وتلامذة‭ ‬فأنتم‭ ‬الأساتذة‭ ‬ونحن‭ ‬التلاميذ‭.‬

وأنا‭ ‬أحب‭ ‬أن‭ ‬تعرفوا‭ ‬شيئا‭ ‬عن‭ ‬إخوانكم‭ ‬فى ‬الجمهورية‭ ‬العربية‭ ‬المتحدة‭ ‬وعن‭ ‬حياة‭ ‬الأدب‭ ‬فيها‭ ‬أثناء‭ ‬هذا‭ ‬العصر‭ ‬الحديث‭ ‬لا‭ ‬لأنى ‬أريد‭ ‬أن‭ ‬احدثكم‭ ‬عن‭ ‬نهضة‭ ‬الأدب‭ ‬هناك،‭ ‬ولكن‭ ‬لأنى ‬أريد‭ ‬أن‭ ‬تعرفوا‭ ‬إخوانكم‭ ‬وأتمنى ‬إن‭ ‬شاء‭ ‬الله‭ ‬أن‭ ‬يزورك‭ ‬الأستاذ‭ ‬الوزير‭ ‬وغيره‭ ‬من‭ ‬قادة‭ ‬الفكر‭ ‬فى ‬هذه‭ ‬البلاد‭ ‬ليتحدثوا‭ ‬الى ‬المصريين‭ ‬والسوريين‭ ‬عن‭ ‬إخوانهم‭ ‬من‭ ‬أهل‭ ‬المغرب‭ ‬فإن‭ ‬الزيارة‭ ‬لابد‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬ترد.

أريد أن تعرفوا أن تراثنا العربى ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬تعرض‭ ‬للخطر‭ ‬العظيم‭ ‬الذى ‬أثاره‭ ‬التتار‭ ‬عندما‭ ‬غزوا‭ ‬العراق‭ ‬وعندما‭ ‬أضاعوا‭ ‬ما‭ ‬أضاعوا‭ ‬من‭ ‬الكتب،‭ ‬وأهدروا‭ ‬وهدموا‭ ‬ما‭ ‬هدموا‭ ‬من‭ ‬الحضارة‭ ‬الإسلامية‭ ‬فى ‬العراق‭. ‬كانت‭ ‬سورية‭ ‬وكانت‭ ‬مصر‭ ‬هما‭ ‬الملجأ‭ ‬الذى ‬لجأ‭ ‬إليه‭ ‬التراث‭ ‬الإسلامى ،‬ونهض‭ ‬السوريون‭ ‬والمصريون‭ ‬يقرأون‭ ‬ما‭ ‬لجأ‭ ‬إلى ‬سوريا‭ ‬ومصر‭ ‬من‭ ‬هذا‭ ‬التراث‭ ‬ويجمعونه‭ ‬ويدونونه‭ ‬فى ‬كتب‭ ‬ضخمة‭ ‬تذكرنا‭ ‬بدوائر‭ ‬المعارف‭ ‬أو‭"‬الأنسكلوبيديات‮"‬‭ ‬فى ‬هذه‭ ‬الأيام‭ ‬،‭ ‬فنرى‭ ‬‮"‬النويري"‬‭ ‬يؤلف‭ ‬‮"‬نهاية‭ ‬الأرب‮"‭ ‬فى ‬نحو‭ ‬ثلاثين‭ ‬مجلدا‭ ‬ونرى ‬‮»‬العمري‮«‬‭ ‬يؤلف‭ ‬‮»‬مسالك‭ ‬الأمصار‮«‬،‭ ‬ونرى ‬القلقشندي‮«‬‭ ‬يؤلف‭ ‬‮»‬صبح‭ ‬الأعشي،‭ ‬ونرى "‬ابن‭ ‬منظور‮"‬‭ ‬يؤلف‭"‬لسان‭ ‬العرب‮"‬،ونرى ‬غير‭ ‬هؤلاء‭ ‬نرى ‬ابن‭ ‬حجر‭ ‬فى ‬الفقه‭ ‬والحديث‭ ‬وتلاميذ‭ ‬ابن‭ ‬حجر‭ ‬ونرى ‬آخر‭ ‬الأمر‭ ‬‮»‬السيوطي‮«‬‭ ‬وما‭ ‬أكثر‭ ‬ما‭ ‬جمع‭ ‬السيوطى ‬من‭ ‬الكتب‭ ‬القديمة‭ ‬فى ‬كتبه‭ ‬التى ‬ألفها‭ ‬وملأ‭ ‬بها‭ ‬البلاد‭ ‬الشرقية‭. ‬فى ‬أثناء‭ ‬هذه‭ ‬النهضة‭ ‬التى ‬إن‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬أدبية‭ ‬خالصة‭ ‬فقد‭ ‬كانت‭ ‬نهضة‭ ‬علمية،‭ ‬وإلى ‬جانبها‭ ‬كانت‭ ‬نهضة‭ ‬فنية‭ ‬يراها‭ ‬كل‭ ‬من‭ ‬زار‭ ‬القاهرة‭ ‬وكل‭ ‬من‭ ‬زار‭ ‬دمشق‭ ‬ورأى ‬ما‭ ‬فى ‬المدينتين‭ ‬من‭ ‬الآثار‭ ‬الإسلامية‭ ‬ومن‭ ‬المساجد‭.‬

فى ‬أثناء‭ ‬هذا‭ ‬أقبل‭ ‬الترك‭ ‬العثمانيون‭ ‬على ‬مصر‭ ‬فهدموا‭ ‬الحضارة‭ ‬الإسلامية‭ ‬فى ‬الشرق‭ ‬العربى ‬كما‭ ‬هدموا‭ ‬الحضارة‭ ‬البيزنطية‭ ‬فى ‬قسطنطينية،‭ ‬وجرى ‬هذا‭ ‬كله‭ ‬فى ‬أقل‭ ‬من‭ ‬قرن‭ ‬واحد،‭ ‬هدموا‭ ‬هاتين‭ ‬الحضارتين‭ ‬ولم‭ ‬يؤتوا‭ ‬العالم‭ ‬حضارة‭ ‬تقوم‭ ‬مقام‭ ‬إحداهما،‭ ‬فضلا‭ ‬على ‬أن‭ ‬يؤتوا‭ ‬العالم‭ ‬حضارة‭ ‬تقم‭ ‬مقام‭ ‬الحضارتين‭ ‬جميعاً‭.‬‬

ذلك‭ ‬لأن‭ ‬الترك‭ ‬العثمانيين‭ ‬عندما‭ ‬اقبلوا‭ ‬على ‬مصر‭ ‬فى ‬القرن‭ ‬السادس‭ ‬عشر‭ ‬فقطعوا‭ ‬كل‭ ‬صلة‭ ‬بينها‭ ‬وبين‭ ‬العالم‭ ‬الخارجي،‭ ‬قطعوا‭ ‬الصلة‭ ‬بينها‭ ‬وبين‭ ‬العالم‭ ‬العربى ‬شرقاً‭ ‬وغربا،‭ ‬وقطعوا‭ ‬الصلة‭ ‬بينها‭ ‬وبين‭ ‬العالم‭ ‬الغربى ‬الأوروبى ‬وكانت‭ ‬قبل‭ ‬الغزو‭ ‬العثمانى ‬متصلة‭ ‬بالعالم‭ ‬العربى ‬فى ‬الشرق‭ ‬وفى ‬الغرب‭ ‬ومتصلة‭ ‬بالعالم‭ ‬الأوروبى ‬المسيحى ‬بواسطة‭ ‬التجارة‭ ‬وبواسطة‭ ‬المعاهدات‭ ‬السياسية‭ ‬،‭ ‬وما‭ ‬إلى ‬ذلك،‭ ‬فكان‭ ‬الأدب‭ ‬فى ‬تلك‭ ‬الأيام،‭ ‬قبل‭ ‬الغزو‭ ‬العثمانى ‬،‭ ‬له‭ ‬حظ‭ ‬من‭ ‬حياة‭ ‬مهما‭ ‬تكن‭ ‬فقد‭ ‬كانت‭ ‬قوية‭ ‬خصبة‭ ‬منتجة،‭ ‬وما‭ ‬أكثر‭ ‬ما‭ ‬يقال‭ ‬عن‭ ‬عصر‭ ‬المماليك‭ ‬فى ‬مصر‭ ‬وسوريا،‭ ‬فكثير‭ ‬من‭ ‬الذين‭ ‬يؤرخون‭ ‬الأدب‭ ‬يقولون‭: ‬إن‭ ‬هذا‭ ‬العصر‭ ‬قد‭ ‬كان‭ ‬عصر‭ ‬ضعف‭ ‬وخمود‭ ‬لجذوة‭ ‬الأدب‭ ‬العربي،‭ ‬ولكننا‭ ‬عندما‭ ‬نحقق‭ ‬النظر‭ ‬فى ‬شئون‭ ‬الأدب‭ ‬فى ‬سوريا‭ ‬وفى ‬مصر‭ ‬أيام‭ ‬المماليك‭ ‬نرى ‬أن‭ ‬الأدب‭ ‬العربى ‬أشبه‭ ‬شئ‭ ‬بالجذوة‭ ‬التى ‬تكاثر‭ ‬عليها‭ ‬الرماد‭ ‬فهى ‬محتفظة‭ ‬بقوتها‭ ‬ومحتفظة‭ ‬بما‭ ‬فيها‭ ‬من‭ ‬القدرة‭ ‬على ‬الانتشار‭ ‬والإضاءة‭ ،‬وأصبح‭ ‬كتابنا‭ ‬فى ‬تلك‭ ‬الأيام‭ ‬يبداون‭ ‬ويعيدون‭ ‬فى ‬الفاظ‭ ‬مزوقة‭ ‬منمقة‭ ‬لا‭ ‬تؤدى ‬شيئا،‭ ‬‭ ‬وإنما‭ ‬كانوا‭ ‬غارقين‭ ‬فى ‬شئ‭ ‬يشبه‭ ‬هذيان‭ ‬المحموم،‭ ‬كذلك‭ ‬كانت‭ ‬حياة‭ ‬الأدب،‭ ‬أيها‭ ‬السادة،‭ ‬فى ‬ذلك‭ ‬العصر‭ ‬التركى ‬العثماني‭.‬

فعندما‭ ‬أقبل‭ ‬الفرنسيون‭ ‬الى ‬مصر،‭ ‬يخيل‭ ‬إلى ‬أنهم‭ ‬طرقوا‭ ‬باب‭ ‬العروبة‭ ‬المصرية‭ ‬طرقاً‭ ‬عنيفا،‭ ‬أيقظ‭ ‬النيام،‭ ‬فهم‭ ‬قد‭ ‬اقبلوا‭ ‬بأشياء‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬المصريون‭ ‬يقدرون‭ ‬أنها‭ ‬موجودة‭ . ‬وهم‭ ‬قد‭ ‬عرضوا‭ ‬على ‬المصريين‭ ‬ألواناً‭ ‬من‭ ‬العلم‭ ‬وألوانا‭ ‬من‭ ‬النشاط‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬المصريون‭ ‬يعرفون‭ ‬أنها‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬توجد‭ ‬فى ‬بلد‭ ‬من‭ ‬البلاد،‭ ‬عرضوا‭ ‬عليهم‭ ‬ـ‭ ‬أول‭ ‬ما‭ ‬عرضوا‭ ‬ـ‭ ‬المطبعة‭. ‬وكان‭ ‬المصريون‭ ‬لا‭ ‬يعرفون‭ ‬إلا‭ ‬أن‭ ‬الكتب‭ ‬تكتب‭ ‬بالأيدى ‬وتستنسخ‭ ‬وتذاع‭ ‬على ‬هذا‭ ‬النحو‭ ‬البسيط‭ ‬الضئيل‭. ‬فلما‭ ‬رأوا‭ ‬عمل‭ ‬المطبعة‭ ‬ونشر‭ ‬الآثار‭ ‬والمكتوبات‭ ‬دهشوا‭ ‬لهذا‭ ‬أشد‭ ‬الدهش،‭ ‬ثم‭ ‬عرضوا‭ ‬عليهم‭ ‬بعض‭ ‬التجارب‭ ‬العلمية‭: ‬تجارب‭ ‬الكيمياء‭ ‬والطبيعة‭ ‬فخيل‭ ‬إلى ‬الذين‭ ‬رأوا‭ ‬هذه‭ ‬التجارب‭ ‬أن‭ ‬هؤلاء‭ ‬الفرنسيين‭ ‬كانوا‭ ‬أصحاب‭ ‬سحر‭ ‬لا‭ ‬أصحاب‭ ‬علم،‭ ‬وكذلك‭ ‬استيقظ‭ ‬المصريون‭ ‬وقاوموا‭ ‬الفرنسيين‭ ‬أشد‭ ‬المقاومة‭ ‬حتى ‬أدرك‭ ‬الفرنسيون‭ ‬ألا‭ ‬مقام‭ ‬لهم‭ ‬بأرض‭ ‬مصر‭ ‬فزالوا‭ ‬عنها‭ ‬ولم‭ ‬يقيموا‭ ‬فيها‭ ‬إلا‭ ‬ما‭ ‬يقرب‭ ‬من‭ ‬ثلاثة‭ ‬اعوام‭. ‬زالوا‭ ‬عنها‭ ‬ولكنهم‭ ‬كانوا‭ ‬قد‭ ‬أيقظوها‭ ‬وقد‭ ‬نبهوها‭ ‬إلى ‬أنها‭ ‬كانت‭ ‬بمعزل‭ ‬من‭ ‬حياة‭ ‬قوية‭ ‬نشيطة،‭ ‬توجد‭ ‬فى ‬بعض‭ ‬البلاد‭ . ‬ومنذ‭ ‬أوائل‭ ‬القرن‭ ‬الماضى ‬بدأ‭ ‬المصريون‭ ‬يرسلون‭ ‬أبناءهم‭ ‬إلى ‬الخارج،‭ ‬يرسلونهم‭ ‬إلى ‬إيطاليا‭ ‬وإلى ‬فرنسا‭ ‬وإلى ‬بريطانيا‭ ‬العظمى ‬،‭ ‬ليعلموا‭ ‬علم‭ ‬هذه‭ ‬البلاد،‭ ‬وليتعلموا‭ ‬فى ‬مدارسها‭ ‬وجامعاتها‭ ‬وليعودوا‭ ‬بما‭ ‬تعلموا‭ ‬لينشروه‭ ‬فى ‬بلادهم،‭ ‬وكثرت‭ ‬هذه‭ ‬البعثات‭ ‬التى ‬كانت‭ ‬تسافر‭ ‬إلى ‬هذه‭ ‬البلاد،‭ ‬وإلى ‬فرنسا‭ ‬خاصة‭ ‬وفى ‬الوقت‭ ‬نفسه‭ ‬انهزمت‭ ‬جيوش‭ ‬نابليون‭ ‬فى ‬أوائل‭ ‬القرن،‭ ‬وضاق‭ ‬كثير‭ ‬من‭ ‬الفرنسيين‭ ‬ببلادهم‭ ‬هذه‭ ‬المنهزمة،‭ ‬التى ‬احتلها‭ ‬العدو،‭ ‬فجعلوا‭ ‬يخرجون‭ ‬من‭ ‬بلادهم‭ ‬ويهاجرون‭ ‬إلى ‬بلاد‭ ‬مختلفة‭. ‬وجاء‭ ‬فريق‭ ‬منهم‭ ‬إلى ‬مصر‭ ‬فاستغلت‭ ‬مصر‭ ‬مقدم‭ ‬هؤلاء‭ ‬،‭ ‬استغلت‭ ‬بعضهم‭ ‬فى ‬تنظيم‭ ‬جيشها،‭ ‬واستغلت‭ ‬بعضهم‭ ‬فى ‬تنظيم‭ ‬مدارسها،‭ ‬ومن‭ ‬ذلك‭ ‬الوقت‭ ‬نشأ‭ ‬فى ‬مصر‭ ‬تياران‭ ‬أحدهما‭ ‬يأتى ‬من‭ ‬أعماق‭ ‬التاريخ‭ ‬الإسلامى ‬والآخر‭ ‬يأتى ‬مما‭ ‬وراء‭ ‬البحر،‭ ‬فأما‭ ‬التيار‭ ‬الأول‭ ‬الذى ‬كان‭ ‬يأتى ‬من‭ ‬أعماق‭ ‬التاريخ‭ ‬الإسلامي،‭ ‬فكانت‭ ‬تصوره‭ ‬هذه‭ ‬الكتب‭ ‬العربية‭ ‬القديمة‭ ‬التى ‬كانت‭ ‬نائمة‭ ‬فى ‬المساجد‭ ‬،‭ ‬فى ‬مكتبات‭ ‬المساجد،‭ ‬لايكاد‭ ‬أحد‭ ‬يقرؤها‭ ‬ولايكاد‭ ‬أحد‭ ‬ينظر‭ ‬فيها‭. ‬جعلت‭ ‬هذه‭ ‬الكتب‭ ‬تأخذ‭ ‬طريقها‭ ‬الى ‬المطبعة‭ ‬قليلا‭ ‬قليلا،‭ ‬وجعل‭ ‬الناس‭ ‬يشترونها‭ ‬ويقرأونها‭ ‬وينظرون‭ ‬فيها‭ ‬شيئا‭ ‬فشيئا،‭ ‬وجعل‭ ‬هذا‭ ‬التيار‭ ‬يقوى ‬ثم‭ ‬يقوى ‬حتى ‬استأثر‭ ‬بعقول‭ ‬فريق‭ ‬من‭ ‬المصريين‭ ‬واستأثر‭ ‬بأوراقهم‭ ‬ثم‭ ‬استأثر‭ ‬بألسنتهم‭ ‬وأقلامهم‭ ‬آخر‭ ‬الأمر‭. ‬

وفى ‬أثناء‭ ‬ذلك‭ ‬كان‭ ‬التيار‭ ‬الآخر‭ ‬يأتى ‬من‭ ‬وراء‭ ‬البحر‭ ‬ويقوى ‬كذلك‭ ‬شيئا‭ ‬فشيئا‭. ‬جعل‭ ‬المصريون‭ ‬يتعلمون‭ ‬اللغة‭ ‬الفرنسية‭ ‬ثم‭ ‬جعلوا‭ ‬يتعلمون‭ ‬غيرها‭ ‬من‭ ‬اللغات‭ ‬الأوروبية،‭ ‬وبخاصة‭ ‬اللغة‭ ‬الإنجليزية،‭ ‬وجعلوا‭ ‬يترجمون‭ ‬بعض‭ ‬الكتب‭ ‬التى ‬كانت‭ ‬تأتيهم‭ ‬من‭ ‬فرنسا‭ ‬ومن‭ ‬بلاد‭ ‬الإنجليز‭ ‬،‭ ‬وجعلت‭ ‬العقول‭ ‬والقلوب‭ ‬والأذواق‭ ‬المصرية‭ ‬تتأثر‭ ‬بهذين‭ ‬التيارين‭: ‬بالتيار‭ ‬الذى ‬يأتى ‬من‭ ‬أعماق‭ ‬التاريخ‭ ‬العربى ‬الإسلامي،‭ ‬والتيار‭ ‬الذى ‬يأتى ‬من‭ ‬وراء‭ ‬البحر،‭ ‬وجعلت‭ ‬قلوب‭ ‬المصريين‭ ‬وعقولهم‭ ‬وأذواقهم‭ ‬تلائم‭ ‬بين‭ ‬التيارين‭ ‬وتنشئ‭ ‬منهما‭ ‬شخصية‭ ‬جديدة‭ ‬للأدب‭‬، فيصف‭ ‬طموح‭ ‬مصر‭ ‬إلى ‬الاستقلال‭ ‬ويصف‭ ‬طموح‭ ‬مصر‭ ‬الى ‬الحرية‭ ‬ويصف‭ ‬الحرب‭ ‬وقد‭ ‬خاض‭ ‬غمارها‭ ‬فى ‬غير‭ ‬موطن،‭ ‬ويصف‭ ‬الطبيعة‭ ‬ويحرض‭ ‬على ‬الثورة،‭ ‬ويشارك‭ ‬فى ‬الثورة‭ ‬العرابية‭ ‬التى ‬كانت‭ ‬سبب‭ ‬النكبة،‭ ‬نكبة‭ ‬مصر‭ ‬بالاحتلال‭ ‬البريطاني،‭ ‬ونجده‭ ‬لا‭ ‬يكتفى ‬بتقليد‭ ‬القدماء‭ ‬ولكنه‭ ‬يختار‭ ‬من‭ ‬شعر‭ ‬القدماء‭ ‬مجموعة‭ ‬ضخمة‭ ‬تنشر‭ ‬بعد‭ ‬وفاته‭ ‬فى ‬أربعة‭ ‬مجلدات‭.‬. وعلى ‬نحو‭ ‬السيرة‭ ‬التى ‬سارها‭ ‬البارودى ‬فى ‬أدبه‭ ‬وفى ‬شعره‭ ‬خاصة،‭ ‬ينهض‭ ‬أو‭ ‬يظهر‭ ‬شعراء‭ ‬آخرون‭ ‬يذهبون‭ ‬نفس‭ ‬المذهب‭ ،‬ونرى ‬حافظا‭ ‬ثم‭ ‬شوقى ‬وغير‭ ‬حافظ‭ ‬وشوقى ‬من‭ ‬شعرائنا‭ ‬فى ‬آخر‭ ‬القرن‭ ‬الماضى ‬وأوائل‭ ‬هذا‭ ‬القرن،‭ ‬حتى ‬أتيح‭ ‬لمصر‭ ‬فى ‬هذا‭ ‬العصر‭ ‬الحديث‭ ‬ما‭ ‬لم‭ ‬يتح‭ ‬لها‭ ‬أثناء‭ ‬العصر‭ ‬الإسلامى ‬كله،‭ ‬فمصر‭ ‬لم‭ ‬يتح‭ ‬لها‭ ‬الامتياز‭ ‬فى ‬الشعر‭ ‬فى ‬عصورها‭ ‬الإسلامية‭ ‬المختلفة،‭ ‬كان‭ ‬الشعر‭ ‬عراقيا‭ ‬أول‭ ‬الأمر‭ ‬،‭ ‬وكان‭ ‬نجديا‭ ‬وحجازيا‭ ‬ثم‭ ‬صار‭ ‬الشعر‭ ‬سوريا‭ ‬أيام‭ ‬بنى ‬العباس‭ ‬فى ‬القرن‭ ‬الثالث‭ ‬ما‭ ‬بعده‭ ‬أيام‭ ‬أبى ‬تمام‭ ‬والبحترى ‬ثم‭ ‬المتنبى ‬وأبى ‬العلاء‭ ‬المعري،‭ ‬وصار‭ ‬الشعر‭ ‬أندلسيا‭ ‬ومغربيا‭ ‬وظلت‭ ‬مصر‭ ‬قليلة‭ ‬الحظ‭ ‬من‭ ‬الشعر،‭ ‬منذ‭ ‬الفتح‭ ‬العربى ‬الى ‬العصر‭ ‬التركى ‬العثمانى ‬إلى ‬أواسط‭ ‬القرن‭ ‬التاسع‭ ‬عشر‭ ‬لكن بفضل‭ ‬هذه‭ ‬النهضة‭ ‬الحديثة‭ ‬،‭ ‬وبفضل‭ ‬التقائها‭ ‬بين‭ ‬التيارين‭: ‬التيار‭ ‬القديم‭ ‬الإسلامى ‬والتيار‭ ‬الحديث‭ ‬الغربي‭‬ أصبحت‭ ‬مصر‭ ‬ولها‭ ‬مدرسة‭ ‬شعرية‭ ‬للمرة‭ ‬الأولى ‬فى ‬تاريخها‭ ‬الأدبى ‬العربي،‭ ‬وبهذه‭ ‬المدرسة‭ ‬التى ‬نسميها‭ ‬بالمدرسة‭ ‬المصرية‭ ‬التقليدية‭ ‬فى ‬الشعر،‭ ‬بهذه‭ ‬المدرسة‭ ‬الشعرية‭ ‬ختم‭ ‬الشعر‭ ‬العربى ‬فى ‬مصر‭ ‬،‭ ‬فلم‭ ‬يكد‭ ‬هؤلاء‭ ‬الشعراء‭ ‬يتركون‭ ‬هذه‭ ‬الحياة‭ ‬الدنيا‭ ‬الى ‬العالم‭ ‬الآخر‭ ‬حتى ‬عادت‭ ‬مصر‭ ‬إلى ‬ما‭ ‬كانت‭ ‬عليه‭ ‬قبل‭ ‬وجود‭ ‬هذه‭ ‬المدرسة،‭ ‬قليلة‭ ‬الحظ‭ ‬من‭ ‬الشعر‭. ‬يوجد‭ ‬فيها‭ ‬الذين‭ ‬يقولون‭ ‬القصائد‭ ‬وينشئون‭ ‬القصص‭ ‬التمثيلية‭ ‬على ‬نحو‭ ‬ما‭ ‬كان‭ ‬يصنع‭ ‬شوقي،‭ ‬ولكن‭ ‬كل‭ ‬هؤلاء‭ ‬الشعراء‭ ‬لا‭ ‬يبلغون‭ ‬مبلغ‭ ‬الشعراء‭ ‬التقليديين‭ ‬الذين‭ ‬ذكرتهم‭ ‬آنفا‭ ‬البارودى ‬وحافظ‭ ‬وشوقى ‬وإسماعيل‭ ‬صبرى ‬وخليل‭ ‬مطران‭ ‬وسائر‭ ‬شعراء‭ ‬هذه‭ ‬الطبقة‭.‬

إنما‭ ‬الفن‭ ‬الأدبى ‬الذى ‬امتازت‭ ‬فيه‭ ‬مصر‭ ‬امتيازا‭ ‬ظاهراً‭ ‬حقاً‭ ‬هو‭ ‬فن‭ ‬النثر،‭ ‬فقد ‬جعل المصريون ‬يقرأون‭ ‬للكتاب‭ ‬القدماء‭ ‬ويقرأون‭ ‬للكتاب‭ ‬الأوروبيين‭ ‬ويحاولون‭ ‬أن‭ ‬ينشئوا‭ ‬لأنفسهم‭ ‬نثراً‭ ‬يتبع‭ ‬مذهب‭ ‬القدماء‭ ‬فى ‬اللفظ‭ ‬وفى ‬الأسلوب‭ ‬ولكنهم‭ ‬يؤدون‭ ‬بهذا‭ ‬اللفظ‭ ‬وبهذا‭ ‬الأسلوب‭ ‬معانى ‬لم‭ ‬تخطر‭ ‬للقدماء‭ ‬لأنها‭ ‬معان‭ ‬جديدة‭ ‬جاء‭ ‬بعضها‭ ‬من‭ ‬الغرب‭ ‬الأوروبى ‬وابتكر‭ ‬بعضها‭ ‬فى ‬مصر.‬

ففى ‬أوائل‭ ‬هذا‭ ‬القرن‭ ‬يظهر‭ ‬كتاب‭ ‬صغير،‭ ‬جعل‭ ‬ينشر‭ ‬فى ‬صحيفة‭ ‬أسبوعية‭: ‬كان‭ ‬اسمها‭ ‬‮»‬مصباح‭ ‬الشرق‮«‬‭ ‬وهذا‭ ‬الكتاب‭ ‬كان‭ ‬ينشر‭ ‬أحاديث،‭ ‬وكان‭ ‬يسمى ‬حديث‭ ‬عيسى ‬بن‭ ‬هشام‭ ‬ويكتب‭ ‬على ‬أسلوب‭ ‬الهمذانى ‬وعلى ‬طريقته‭ ‬ولكنه‭ ‬يصل‭ ‬الحياة‭ ‬الاجتماعية‭ ‬ويعرض‭ ‬عليها‭ ‬قصة‭ ‬طويلة‭ ‬على ‬طريقة‭ ‬الأوروبيين‭‭.‬

وتمضى ‬أعوام‭ ‬وإذا‭ ‬كاتب‭ ‬آخر‭ ‬يظهر‭ ‬وهو‭ ‬مصطفى ‬لطفى ‬المنفلوطي،‭ ‬وإن‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬مصطفى ‬لطفى ‬المنفلوطى ‬يعرف‭ ‬لغة‭ ‬الأوروبيين‭ ‬فإنه‭ ‬كان‭ ‬يعيش‭ ‬بين‭ ‬الذين‭ ‬يعرفون‭ ‬لغة‭ ‬الأوروبيين‭ ‬كان‭ ‬عنوانها‭ ‬‮»‬النظرات‮«‬‭ ‬ثم‭ ‬جعل‭ ‬تترجم‭ ‬له‭ ‬كتب‭ ‬فرنسية‭ ‬ترجمة‭ ‬عادية‭ ‬ويؤديها‭ ‬هو‭ ‬بلغته‭ ‬العربية‭ ‬الرائقة‭ ‬الجميلة‭ ‬على ‬الأسلوب‭ ‬العربى ‬القديم‭ ‬، ولكن‭ ‬الحرب‭ ‬العالمية‭ ‬الأولى ‬تفجع‭ ‬مصر‭ ‬بنوع‭ ‬خاص،‭ ‬ولا‭ ‬تكاد‭ ‬تنقضى ‬حتى ‬يثور‭ ‬المصريون‭ ‬مطالبين‭ ‬بالاستقلال‭ ‬وتكون‭ ‬ثورتهم‭ ‬عنيفة‭ ‬حقاً،‭ ‬ولم‭ ‬تخل‭ ‬من‭ ‬سفك‭ ‬دماء‭ ‬بين‭ ‬المصريين‭ ‬والإنجليز‭ ‬المحتلين،‭ ‬وهذه‭ ‬الثورة‭ ‬التى ‬كانت‭ ‬فى ‬أول‭ ‬أمرها‭ ‬سياسية‭ ‬لم‭ ‬تلبث‭ ‬أن‭ ‬تصبح‭ ‬ثورة‭ ‬سياسية‭ ‬وفكرية‭ ‬بالمعنى ‬الواسع‭ ‬الدقيق،
.. ويثورون‭ ‬على ‬الأساليب‭ ‬القديمة‭ ‬فى ‬الشعر‭ ‬وفى ‬النثر،‭ ‬فتنشأ‭ ‬طائفة‭ ‬تعبث‭ ‬بشوقى ‬وحافظ‭ ‬وبالمدرسة‭ ‬الشعرية‭ ‬التقليدية‭ ‬وتريد‭ ‬أن‭ ‬تنشئ‭ ‬شعراً‭ ‬جديداً‭ ‬تذهب‭ ‬فيه‭ ‬مذهب‭ ‬الشعراء‭ ‬الأوروبيين‭ ‬وتنشأ‭ ‬فى ‬مصر‭ ‬ثورة‭ ‬عنيفة‭ ‬بين‭ ‬القدماء‭ ‬والمحدثين،‭ ‬فهناك‭ ‬أصحاب‭ ‬المذهب‭ ‬القديم‭ ‬الذين‭ ‬يحافظون‭ ‬على ‬الكتابة‭ ‬العربية‭ ‬كما‭ ‬ورثت‭ ‬عن‭ ‬الجاحظ‭ ‬وابن‭ ‬المقفع‭ ‬وعن‭ ‬الهمذانى ‬وعن‭ ‬الحريرى ‬ومن‭ ‬إليهما‭. ‬وآخرون‭ ‬يريدون‭ ‬أن‭ ‬يطلقوا‭ ‬أنفسهم‭ ‬على ‬سجيتها‭ ‬وأن‭ ‬يؤدوا‭ ‬المعانى ‬كما‭ ‬يجدونها‭ ‬فى ‬نفوسهم،‭ ‬لايتكلفون‭ ‬ولايتعلمون‭ ‬ولا‭ ‬يلتزمون‭ ‬شيئا،‭ ‬إلا‭ ‬أن‭ ‬يكونوا‭ ‬معربين‭ ‬حين‭ ‬يكتبون‭ ‬،‭ ‬واضحين‭ ‬للذين‭ ‬يقرأونهم‭ ‬أو‭ ‬يسمعونهم،‭ ‬ثم‭ ‬لا‭ ‬يريدون‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬هذا‭. ‬وتقوى ‬هذه‭ ‬الثورة‭ ‬شيئا‭ ‬فشيئا‭ ‬حتى ‬تسيطر‭ ‬على ‬الحياة‭ ‬الفكرية‭ ‬المصرية‭ ‬أثناء‭ ‬العصر‭ ‬الأول‭ ‬للثورة‭ ‬المصرية‭ ‬من‭ ‬انتهاء‭ ‬الحرب‭ ‬العالمية‭ ‬الى ‬نحو‭ ‬ثلاثين‭ ‬وتسع‭ ‬مائة‭ ‬والف‭ ‬،‭ ‬وبعد‭ ‬ذلك‭ ‬تفرض‭ ‬على ‬مصر‭ ‬الوان‭ ‬من‭ ‬الاستبداد‭ ‬الداخلى ‬والخارجى ‬ايضا‭: ‬تعاون‭ ‬بين‭ ‬القصر‭ ‬الملكى ‬وبين‭ ‬الانجليز‭.‬

وتفرض‭ ‬احكام‭ ‬عرفية‭ ‬تحجر‭ ‬على ‬الأفكار‭ ‬وتمنع‭ ‬الناس‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬يعربوا‭ ‬على ‬ذات‭ ‬نفوسهم‭ ‬كما‭ ‬يحبون،‭ ‬ونجتهد‭ ‬نحن‭ ‬الكتاب‭ ‬والشعراء‭ ‬فى ‬تلك‭ ‬الأيام‭ ‬فى ‬أن‭ ‬نخادع‭ ‬السلطان‭ ‬وفى ‬أن‭ ‬نعبث‭ ‬بالأحكام‭ ‬العرفية‭ ‬وفى ‬أن‭ ‬نؤدى ‬ما‭ ‬نريد‭ ‬على ‬رغم‭ ‬القوانين‭ ‬المفروضة‭ ‬وعلى ‬رغم‭ ‬الأحكام‭ ‬العنيفة‭ ‬التى ‬كانت‭ ‬تفرض‭ ‬علينا،‭ ‬ونصل‭ ‬إلى ‬التغلب‭ ‬على ‬الحكام‭ ‬أيضا، ‬ولا‭ ‬أنسى ‬كتاباً‭ ‬كتبته‭ ‬أنا‭ ‬فى ‬ظل‭ ‬أقوى ‬ما‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬من‭ ‬قسوة‭ ‬الأحكام‭ ‬العرفية‭ ‬ولكنه‭ ‬كان‭ ‬كتاباً‭ ‬لم‭ ‬أصارح‭ ‬فيه‭ ‬أحداً‭ ‬بشئ‭ ‬،‭ ‬وقلت‭ ‬فيه‭ ‬مع‭ ‬كل‭ ‬ما‭ ‬أريد‭ ‬أن‭ ‬أقول،‭ ‬وسميته‭ ‬‮»‬جنة‭ ‬الشوك‮«‬‭ ‬لأن‭ ‬هذا‭ ‬الكتاب‭ ‬كان‭ ‬يتألف‭ ‬من‭ ‬مقطوعات‭ ‬قصار‭ ‬ليس‭ ‬فيها‭ ‬مقطوعة‭ ‬إلا‭ ‬وفيها‭ ‬غمزة‭ ‬لحاكم‭ ‬أو‭ ‬لملك‭ ‬أو‭ ‬لوزير‭.‬.. وفى ‬أثناء‭ ‬هذا،‭ ‬أيها‭ ‬السادة،‭ ‬نشأ‭ ‬فى ‬مصر‭ ‬فى ‬الأدب‭ ‬العربى ‬فنان‭ ‬جديدان‭ ‬لم‭ ‬يألفهما‭ ‬الأدب‭ ‬العربى ‬من‭ ‬قبل،‭ ‬أما‭ ‬أحدهما‭ ‬فمن‭ ‬القصص‭ ‬الطويل‭ ‬والقصير‭ ‬،‭ ‬القصاص‭ ‬تحرروا‭ ‬من‭ ‬السجع‭ ‬ومن‭ ‬تقليد‭ ‬الكتاب‭ ‬القدماء‭ ‬وأنشؤوا‭ ‬لأنفسهم‭ ‬لغتهم‭ ‬الخاصة‭ ‬العربية.

وإذا‭ ‬أتيح‭ ‬لكم‭ ‬أن‭ ‬تقرؤوا‭ ‬ما‭ ‬ينشر‭ ‬فى ‬مصر‭ ‬من‭ ‬القصص‭ ‬الآن‭ ‬فإنى ‬أحب‭ ‬أن‭ ‬تقرؤوا‭ ‬ما‭ ‬يكتبه‭ ‬كاتب‭ ‬مصرى ‬من‭ ‬الكتاب‭ ‬الشبان‭ ‬الذين‭ ‬تخرجوا‭ ‬فى ‬جامعة‭ ‬القاهرة‭ ‬وهو‭ ‬نجيب‭ ‬محفوظ،‭ ‬كتب‭ ‬طائفة‭ ‬من‭ ‬القصص‭ ‬أعتبرها‭ ‬أنا‭ ‬أروع‭ ‬ما‭ ‬أنتج‭ ‬فى ‬الأدب‭ ‬المصرى ‬الحديث‭: ‬كتب‭ ‬قصصاً‭ ‬وهو‭ ‬يتحرى ‬حين‭ ‬يكتب‭ ‬أن‭ ‬يختار‭ ‬شارعاً‭ ‬من‭ ‬شوارع‭ ‬القاهرة‭ ‬أو‭ ‬حياً‭ ‬من‭ ‬أحيائها‭ ‬ويختار‭ ‬فى ‬هذا‭ ‬الحى ‬أسرة‭ ‬من‭ ‬الأسر‭ ‬ويكتب‭ ‬تاريخ‭ ‬الأسرة‭ ‬وبكتابة‭ ‬تاريخ‭ ‬الأسرة‭ ‬يصور‭ ‬تاريخ‭ ‬الحى ‬ويصور‭ ‬تاريخ‭ ‬القاهرة‭ ‬ويصور‭ ‬تاريخ‭ ‬الأحداث‭ ‬السياسية‭ ‬التى ‬كانت‭ ‬تحدث‭ ‬فى ‬القاهرة،‭ ‬وإذا‭ ‬أتيح‭ ‬لكم‭ ‬أن‭ ‬تقرؤوا‭ ‬هذه‭ ‬السلسلة‭ ‬التى ‬كتبها‭ ‬باسم‭ ‬‮»‬قصر‭ ‬الشوق‮«‬‭ ‬وباسم‭ ‬‮»‬بين‭ ‬القصرين‮«‬‭ ‬و«السكرية‮«‬‭ ‬فسترون‭ ‬قصصاً‭ ‬عربية‭ ‬أصيلة‭ ‬بأدق‭ ‬معانى ‬الكلمة‭.‬

أما‭ ‬الفن‭ ‬الآخر‭ ‬فهو‭ ‬فن‭ ‬التمثيل‭: ‬الأدب‭ ‬التمثيلي،‭ ‬فقد‭ ‬جعل‭ ‬بعض‭ ‬كتابنا‭ ‬ينشئون‭ ‬قصصاً‭ ‬تمثيليا،‭ ‬ونشأ‭ ‬عندنا‭ ‬كاتب‭ ‬ـ‭ ‬كلكم‭ ‬سمع‭ ‬اسمه‭ ‬فيما‭ ‬أظن‭ ‬ـ‭ ‬هو‭ ‬‮»‬توفيق‭ ‬الحكيم‮«‬‭ ‬هو‭ ‬الذى ‬وظف‭ ‬التمثيل‭ ‬فى ‬اللغة‭ ‬العربية‭ ‬وجعله‭ ‬مصرياً‭ ‬بالمعنى ‬الدقيق‭ ‬لهذه‭ ‬الكلمة‭: ‬أنشأ‭ ‬طائفة‭ ‬من‭ ‬القصص‭ ‬التمثيلية،‭ ‬أكثرها‭ ‬يقرأ‭ ‬ولايكاد‭ ‬يمل،‭ ‬وهو‭ ‬قد‭ ‬أنشأ‭ ‬طائفة‭ ‬من‭ ‬القصص‭ ‬كلها‭ ‬جيد‭ ‬وكلها‭ ‬رائع.. ونحن‭ ‬الآن‭ ‬أمام‭ ‬حكومة‭ ‬جديدة‭ ‬فى ‬مصر‭: ‬حكومة‭ ‬الثورة‭ ‬،‭ ‬وقد‭ ‬التزمت‭ ‬إحياء‭ ‬التراث‭ ‬العربى ‬ووضعت‭ ‬نظاماً‭ ‬خاصاً‭ ‬لنشر‭ ‬هذا‭ ‬التراث،‭ ‬وإلى ‬جانب‭ ‬ما‭ ‬تفعله‭ ‬الحكومة

وسألنى ‬سائل‭ ‬فى ‬جريدة‭ (‬العلم‭)‬،‭ ‬هل‭ ‬سنظل‭ ‬نذكر‭ ‬القدماء‭ ‬ونذكر‭ ‬أبا‭ ‬تمام‭ ‬وأمثاله؟‭ ‬أو‭ ‬هل‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬نعيد‭ ‬النظر‭ ‬فى ‬مقاييسنا‭ ‬وفى ‬أحكامنا‭ ‬وفى ‬تفكيرنا؟

وأجيب‭ عن ‬هذا‭ ‬السؤال‭ ‬بأننا‭ ‬سنظل‭ ‬نذكر‭ ‬قدماءنا‭ ‬نظل‭ ‬نذكرهم‭ ‬وسنظل‭ ‬نحفظهم‭ ‬وندرسهم،‭ ‬وهم‭ ‬قد‭ ‬عاشوا‭ ‬إلى ‬الآن‭ ‬وما‭ ‬نريد‭ ‬أن‭ ‬نحتمل‭ ‬الإثم‭ ‬فنقضى ‬عليهم‭ ‬بالموت،‭ ‬ولو‭ ‬حاولنا‭ ‬ذلك‭ ‬لما‭ ‬بلغنا‭ ‬منه‭ ‬شيئا،‭ ‬لأنهم‭ ‬كانوا‭ ‬أقوى ‬من‭ ‬الزمن،‭ ‬وأقوى ‬من‭ ‬الدول،‭ ‬وأقوى ‬من‭ ‬الخطوب‭ : ‬عاشوا‭ ‬وسيعيشون‭ ‬،‭ ‬ولكنى ‬لا‭ ‬أريد‭ ‬أن‭ ‬نقتصر‭ ‬ولا‭ ‬أن‭ ‬نكتفى ‬بذكر‭ ‬القدماء‭ ‬وحفظهم‭ ‬ودرسهم،‭ ‬وإنما‭ ‬أريد‭ ‬أن‭ ‬نعرف‭ ‬كل‭ ‬ماعند‭ ‬الغرب‭ ‬،‭ ‬نعرفه‭ ‬معرفة‭ ‬المتقصى ‬المتعمق،‭ ‬وأن‭ ‬نجمع‭ ‬مانعرفه‭ ‬مما‭ ‬عند‭ ‬الغرب‭ ‬إلى ‬ما‭ ‬نعرفه‭ ‬من‭ ‬أمر‭ ‬قدمائنا،‭ ‬وأن‭ ‬نكون‭ ‬لأنفسنا‭ ‬شخصيتنا‭ ‬الجديدة‭ ‬القوية‭ ‬المستقلة‭ ‬وأن‭ ‬نضيف‭ ‬إلى ‬ما‭ ‬تركه‭ ‬العرب‭ ‬لنا‭ ‬تراثاً‭ ‬جديداً،‭ ‬فلا‭ ‬ينبغى ‬أن‭ ‬نورث‭ ‬أبناءنا‭ ‬ما‭ ‬ورثناه‭ ‬فحسب‭ ‬وإنما‭ ‬ينبغى ‬أن‭ ‬نورث‭ ‬أبناءنا‭ ‬ما‭ ‬ورثناه‭ ‬وما‭ ‬أنتجناه‭ ‬نحن،‭ ‬ويمضى ‬الأمر‭ ‬على ‬هذا‭ ‬الحال‭ ‬وترقى ‬الحياة‭ ‬العقلية‭ ‬والأدبية‭ ‬العربية‭ ‬بمقدار‭ ‬ما‭ ‬ترقى ‬الحياة‭ ‬العلمية‭ ‬كلها‭ ‬وبمقدار‭ ‬ما‭ ‬ترقى ‬الحياة‭ ‬السياسية‭.‬

وإنى ‬لسعيد‭ ‬أيها‭ ‬السادة‭ ‬بأن‭ ‬ألقيت‭ ‬اليكم‭ ‬بهذه‭ ‬الأحاديث‭ ‬التى ‬تضطرب‭ ‬دائما‭ ‬فى ‬أعماق‭ ‬نفسى ،‬فهذا‭ ‬البلد‭ ‬هو‭ ‬أجدر‭ ‬البلاد‭ ‬العربية‭ ‬بأن‭ ‬يكون‭ ‬فى ‬مقدمة‭ ‬الحماة‭ ‬للتراث‭ ‬العربي‭. ‬وفى ‬مقدمة‭ ‬البلاد‭ ‬التى ‬تحيى ‬العقلية‭ ‬العربية‭ ‬الجديدة‭ ‬وتشارك‭ ‬فى ‬إنشاء‭ ‬الشخصية‭ ‬العربية‭ ‬الجديدة‭.‬

ويكفى ‬أن‭ ‬أقول‭ ‬هذا‭ ‬وأن‭ ‬اعتمد‭ ‬فيه‭ ‬على ‬جلالة‭ ‬الملك‭ ‬المعظم‭ ‬وعلى ‬سمو‭ ‬ولى ‬العهد‭ ‬وعلى ‬الأستاذ‭ ‬السيد‭ ‬محمد‭ ‬الفاسى ‬وأمثاله‭ ‬من‭ ‬أعلامكم‭ ‬ويكفى ‬أن‭ ‬أنشد‭ ‬فى ‬هذا‭ ‬المقام‭:‬

إذا‭ ‬أيقظتك‭ ‬خطوب‭ ‬الزمان‭ ‬فنبه‭ ‬لها‭ ‬عمراً‭ ‬ثم نم

وقد‭ ‬نبهت‭ ‬عمر‭ ‬ولكنى ‬أعدكم‭ ‬أننى ‬إن‭ ‬شاء‭ ‬الله‭ ‬لن‭ ‬أنام‭.‬

شارك برأيك

توقع من سيتوج بكأس الأميرة الإفريقية ؟

مادة إعلانية

[x]