في ذكرى غسان كنفاني

9-7-2016 | 13:54

 
إنها الذكرى الرابعة والأربعون لاغتيال الروائي القاص الصحفي الناقد العربي الفلسطيني غسان كنفاني، على يد جهاز المخابرات الإسرائيلية، الموساد، في 8 يوليو 1972، عندما كان عمره 36 عامًا وذلك بتفجير سيارته في بيروت. ويومها قالت جولدا مائير إن قتل غسان كنفاني يعادل تحطيم كتيبة دبابات عربية.

في ذلك الفيلم الأمريكي الكندي "ميونيخ " الذي كتب روايته توني كوشنر، و(إيريك روث)، بالاعتماد على معلومات عميل الموساد يوفال أفيف في كتابه "الانتقام" وأخرجه المخرج اليهودي الأمريكي الأشهر ستيفن سبيلبرج، عام 2005، ما زلت أذكر ذلك القاتل الموسادي الأكبر المكلف بقتل غسان كنفاني واثنى عشر قائدًا مقاومًا عربيًا فلسطينيًا، وذلك ردًا على عملية كوماندوز الألعاب الأوليمبية في ميونيخ عام 1972، الذي اختارته جولدا مائير، ودعته لزيارتها شخصيًا، وصبت له القهوة بيدها، إكرامًا وتقديرًا لجهوده "العظيمة" الموكولة إليه، والتي سيقوم بها، ولكنه قبل أن يبدأ العملية، نقل زوجته وابنته من فلسطين إلى مانهاتن - نيويورك، حسب فيلم (ميونيخ) وعندما أنهى مهمته البشعة، رفض العودة إلى ما تسمى إسرائيل، وقرر البقاء في الولايات المتحدة، وعندما سأله ضابط الارتباط الموسادي عن سبب رفضه العودة، قال إن عمليات القتل هذه لا فائدة ترجى منها، فكلما تقتلون شخصية فلسطينية "سيئة" تحل محلها شخصيات أسوأ، وإن قضيتكم هذه قضية فاشلة ولا نهاية لها، وبناء على رأيه المناهض للصهيونية هذا، قرأت أنه قد تم تغريم سبيلبيرج مبلغ مليون دولار للمنظمة الصهيونية العالمية آنذاك.

واليوم – لا، بل وكل يوم- نتذكر الشهيد غسان كنفاني بصفته أديبًا كبيرًا، وكاتبًا صحفيًا عملاقًا، عمل في بيروت مسئولًا عن القسم الثقافي في مجلة "الحرية "(1961) التي كانت تنطق باسم حركة القوميين العرب، ثم أصبح رئيس تحرير جريدة (المحرر) اللبنانية، وأصدر فيها(ملحق فلسطين)، وكان عضوًا في أسرة تحرير مجلة "الرأي" في دمشق، وعضو أسرة تحرير مجلة "الحرية" في بيروت، ورئيس تحرير ملحق "الأنوار" اللبنانية، وحين تأسست الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، عام 1967، قام بتأسيس مجلة ناطقة باسمها حملت اسم "مجلة الهدف" وترأس تحريرها.

أعتقد أن الميزة الأولى لغسان كنفاني، وشهرته لم تأت من كل هذا بقدر ما جاءت من كونه أول من كتب لنا، وعرّفنا على أدباء الأرض المحتلة 1948، الذين لم نكن نعرفهم، ومنهم محمود درويش وسميح القاسم، وتوفيق زياد، وتوفيق فياض وغيرهم، وضرب بذلك المثل الأعلى في النقد الأدبي الذي يكتشف الأدباء الجدد، وليس بعض النقاد العرب الذين لا ينقدون سوى نجيب محفوظ ومحمود درويش، والذين تجدهم يلهثون خلف من يحصل مؤخرًا على جائزة.

كان غسان الناقد هو المكتشف لأدب فاق كل تصور، وانتشر وما يزال ينتشر مرموقًا إلى يومنا هذا، بصفته "أدب المقاومة".

ولا يكفي- ونحن نتذكر- أن نذكر أن غسان كنفاني ولد في عكا عام 1936، وفي عام 1948 أُجبر هو وعائلته على النزوح، فعاش في سوريا حيث حصل على شهادة البكالوريا السورية عام 1952. وفي عام 1953 انضم إلى حركة القوميين العرب، ثم عمل معلمًا في الكويت.

والميزة الثانية لغسان، هي إصدار رواياته التسع؛ "رجال في الشمس"، "ما تبقى لكم"، أم سعد" عائد إلى حيفا"، "العاشق"، "الأعمى والأطرش"، " برقوق نيسان"، "الشيء الآخر" التي صدرت بعد استشهاده، في بيروت، 1980، ثم رواية "من قتل ليلى الحايك؟"، إضافة إلى 5 روايات غير كاملة نشرت في مجلده الروائي الكامل الموسوم بـ"الآثار الكاملة؛ (روايات)" فكانت منارة إبداعية يستنير بها القراء، ومدرسة واقعية يتعلم منها الكتاب العرب عمومًا والفلسطينيون على وجه التحديد.

وتصور روايته الشهيرة "رجال في الشمس" مرحلة من حياته وحياة الفلسطينيين في الكويت وكيف كانت عودته منها إلى دمشق في سيارة قديمة عبر الصحراء، وتصور ضياع الفلسطينيين في تلك الحقبة، وتحول قضيتهم من قضية السعي نحو العودة، إلى قضية البحث عن لقمة العيش، موضحًا بذلك أنهم قد ضلوا الطريق.

وأما روايته "ما تبقى لكم" التي تعد مكملة لرواية "رجال في الشمس" فيكتشف فيها شخص الرواية أن الطريق إلى فلسطين لا يتم إلا من خلال المقاومة والعمل الفدائي. وهو بذلك يستبدل واقع الشتات الفلسطيني بحل اسمه "المقاومة" من أجل العودة إلى الوطن المحتل.

ولا شك أن قصص غسان كنفاني الكثيرة، والتي صدرت في مجلد واحد أيضًا، كانت مدرسة ممتعة ومفيدة، تعلم منها كثير من الأدباء والكتاب العرب، ويكاد يحفظها كثير من الفلسطينيين عن ظهر قلب، نذكر منها مجموعة؛ " موت سرير رقم12" الصادرة عام 1961 والتي استوحاها من مرضه في المستشفى، ومجموعة "أرض البرتقال الحزين" والتي تصور قصصها تشرد أهله وعائلته من عكا وسكناهم في منطقة الغزية في بيروت عام 1963".

وما تلاها من مجموعات؛ "عالم ليس لنا"، عن الرجال والبنادق، قصة فيلم "المخدوعون"، ومجموعة قصص "القميص المسروق" وقصص أخرى كانت كلها مستوحاة من أشخاص حقيقيين. وأصدر مجموعة قصصية للأطفال عام 1978 بعنوان "أطفال غسان كنفاني".

وإضافة لروياته وقصصه، كتب كنفاني الكثير من الدراسات والأبحاث، نذكر منها دراسة بعنوان؛ "ثورة فلسطين 1936" (نشرت في مجلة شؤون فلسطينية). وكتب دراسة هاجم فيها نظام عبد الكريم قاسم قائد ثورة 58 العراقية بتوقيع "أبو العز".

ويعتبر غسان كنفاني أول من كتب عن حالة اللاسلم واللاحرب التي يعيشها العرب بعد احتلال فلسطين 1948، واستغرب كيف يرضى العرب على هذا الاحتلال، ولا يفعلون تجاهه أي فعل وطني.

وعن شخصية كنفاني الإنسان؛ يشهد كل من عرفه أنه كان رجلًا متواضعًا، مخلصًا لعمله وقضيته، ولم يكن له عدو شخصي؛ إذ كان نظيف اليد، إذ عرضت عليه الاف ثم ملايين الدولارات، ولكنه رفضها، بينما كان يستدين العشرة ليرات لبنانية من زملائه لنهاية الشهر.

ولا ننسى أن غسان كنفاني كان فنانًا يرسم لوحات جميلة، نشاهدها في معارض وبيوت كثيرة، ونذكر أنه كتب مسرحيات مهمة نذكر منها "القبعة والنبي"، "جسر إلى الأبد"، "الباب".

وأصدر كتابًا بعنوان "دراسة في الأدب الصهيوني"، وكتابًا بعنوان "أدب المقاومة في فلسطين المستقلة"، وآخر بعنوان "الأدب الفلسطيني المقاوم تحت الاحتلال 48-68".

وعن الجوائز التي كانت تعطى ببراءة في تلك الأيام، نال في 1966 جائزة أصدقاء الكتاب في لبنان عن روايته "ما تبقى لكم"، ونال اسمه "جائزة منظمة الصحفيين العالمية" في 1974، وحاز اسمه بعد وفاته على (جائزة اللوتس) في 1975، ومنح اسمه (وسام القدس للثقافة والفنون) في 1990، والمفاجئ المذهل؛ أنه في 1972 انفجرت عبوة ناسفة كانت قد وضعت في سيارته تحت منزله فاستشهد مع ابنة شقيقته لميس حسين نجم (17 سنة).

اقرأ ايضا:

الأكثر قراءة