ثقافة وفنون

ثلاثة أسئلة للبحر

4-7-2016 | 10:49

أرشيفية

مفرح سرحان
لمعت ببريق فضي وقت أن نزع عنها قميصه المبلل بالعرق، تفحصها جيدا وقد تحولت عن لونها الرمادي.. لم تكن وحيدة.. الشعرة البيضاء أنجبت عائلة عجوز في صدره الصغير.. سترهم بكلتا يديه واستودعهم للخفاء تحت ثيابه الممزقة.


يجر قدميه الثقيلتين ثمة ما يعلق بهما.. تفحصهما فلم يجد غير البحر اللجي وكائنات تتغذى على ساقيه.. على مقربة منه كانت حلقةالسمك تفوح منها روائح كثيرة إلا رائحة السمك، واصل الجر محتملا دغدغات ولسعات ما تحت الماء ومضى يصارع.

بعد عامين في اليم، وعامين آخرين ربما أكثر أو أقل، لم يستدل إلى وجهته، حتى قرون استشعاره فقدت روائح حلقة السمك.. الذين كانوا يتعاطون الفوسفور على الشاطئ صنعوا بحرا في الخلاء وشجرًا ومدينة لمضاجعة الحياة في هدوء.. فرك بوصلته مزيلا ما عكر وجهها فبدت من دون مؤشر سوى وجه غابر متجهم صحراوي ينبت أشواكا بيضاء، وفوقه مليون شعرة بيضاء ناصعة تنتظم في فروة خروف بشري.

ارتعد فسقطت بوصلته في الماء، فشل في استعادتها.. حك رأسه بيديه المبللتين آملا أن يزيل ما علق بشعره من أوساخ الرحلة المجهولة، لم يعثر على وسخ.. شد ما استطاعت يداه أن تقتلعا من رأسه، فوجدها خصلات واهنة عجوز.

دار كثيرا في البقعة التي لم يبارحها.. الأمواج تتراقص وتتلاطم وتستعرض عضلاتها الشابة.. الكائنات الصغيرة التي كانت تتغذى على ساقيه أضحت قروشا وحيتانا.. عندما همت بالتهامه بصق أحدهم في وجهه ورمقه بعين بحرية تحتقر هزالة جسده.. لم يعد يصلح أن يكون من طائفة "المقبلات".

الفقاريات التي كان ينتمي إليها فقدها أجداده الضفادع وعائلته نفقت في البحر، ورتبة الحيتان الزرقاء ترفض الاعتراف به.. البحر في سعة الأفق.. غطاء السماء ليس له نهاية، حتى معالم مدينته تاهت.. الكرة الأرضية هذا اليم وتلك السماء وبينهما بقايا حيوان وثلاثة ألغاز: من أنا؟ من أين؟ ولأين".. حضر الجسد وغاب مقوده، وفشل أن يحدد موقعه على "جوجل إيرث".. امتلأ بالماء وغط في نوم اليقظان قبل أن يتحلل.

اقرأ ايضا:

ثقافة وفنون

ليس بخارج منها

الاكثر قراءة

مواقيت الصلاة

اسعار العملات

درجات الحرارة