إلى أين تذهب المجموعات الشعرية المكتوبة للأطفال؟

4-7-2016 | 20:23

 
في الآونة الأخيرة شاركتُ في أكثر من ورشة عمل شعرية وفنية للأطفال، وسمعت وشاهدت إبداعا جميلا لهم سواء في الشعر أو اللوحات المرسومة بعناية وحماسة وحب.


غير أني لمست أن اللوحات والرسوم تكون في الغالب أكثر تعبيرا عن روح الطفولة من كلمات الشعر، فمعظم هؤلاء الأطفال الذين لديهم موهبة أو ملكة الشعر لا يعبرون عن مراحل عمرهم السنية ولا عن تجاربهم الحياتية ولا عن ثقافتهم ونظرتهم للحياة أو للأصدقاء والجيران أو حتى أفراد الأسرة وزملاء المدرسة، أو حتى قضاياهم الصغيرة..

فأطفالنا ينظرون للحياة من خلال منظور الكبار، فنراهم يعبرون مثلا عن الحب بمفهوم الكبار ومصطلحاتهم، لا بما يتمشى مع سنهم وتجاربهم البسيطة، أو التي تعد ساذجة، من وجهة نظر الكبار، على الرغم من مرور الكبار ببعض هذه التجارب الساذجة سواء في الحب أو غيره.

إن أطفالنا عندما يكتبون أو يبدعون إنما يأخذون شيئا من الأغنيات التي يستمعون إليها وشيئا من المحفوظات المقررة عليهم في المدارس، وشيئا من القراءة الحرة التي قد يلجأ إليها بعضهم.

وفي بداية عملي مع إحدى الورش الأدبية للأطفال طلبت أن يسمعني أحدهم شعرا، فقال لي أحد الأطفال إنه يحفظ شعرا لأحمد شوقي، قلت: جميل، وظننت أنه سيلقي شعرا من قصائد شوقي التي كتبها للأطفال، فإذا به يلقي في انفعال زائد قصيدة "نهج البردة" التي يقول شوقي في مطلعها:
ريم على القاع بين البان والعلم ** أحل سفك دمي في الأشهر الحرم

وفي الوقت الذي أعجبت فيه بهذا الطفل الذي يحفظ قصيدة صعبة عليه لأحد الشعراء الكبار، وصفقت له وكذلك زملاؤه في ورشة شعر الأطفال، كنت أشك في فهمه للكثير من مفردات القصيدة.
سألته: هل هذه القصيدة مقررة عليكم في المدرسة؟ فقال: لا.

وعرفت منه أن أباه هو الذي حفَّظه إياها. فقلت: جميل. وبادرته بالسؤال: هل تعرف معنى البانِ والعلمِ؟ فقال: لا.

الشيء الآخر الذي ألاحظه أنه في احتفاليات الطفولة لا نجد من يردد مثل هذه الأشعار المكتوبة لهم. وعلى سبيل المثال في احتفالية أقامتها هيئة قصور الثقافة للأطفال في مصر بمناسبة اختيار القدس عاصمة للثقافة العربية ردد فريق كورال الأطفال بعض أغنيات فيروز وعبدالوهاب وعبدالحليم ووردة، وكلها أغان جاهزة كلمات وألحانا وتوزيعا موسيقيا، فقط بقليل من التدريب للأطفال سيكونون جاهزين للمشاركة أمام الحضور من الكبار الذين يصفقون بحرارة لهؤلاء الأطفال.

ونسي الجميع أن هذه الأغنيات وغيرها والتي أصبحت جزءا من تراثنا وأمجادنا وعبرت عن مراحل تاريخية معينة وعن مواقفنا وانتصاراتنا، تفتقد روح الطفولة، ولا تتوجه في الأساس إلى عالم الطفولة، ومازالت أغنيات محمد فوزي مثل "ماما زمنها جاية"، أو "ذهبَ الليلُ طلع الفجر"، وأغنيات أخرى لعفاف راضي ووردة وعلي الحجار مازالت هي المعبرة عن عالم الطفل والطفولة، غير أنها لا تُقدم في حفلات الأطفال.

ولأن الميدان يكاد يكون خاليا فقد ظهرت بعض الأغاني الهابطة جدا والمضحكة (وشر البلية ما يضحك) التي تقدم على أنها للأطفال (لا أريد ذكر بعضها) والتي انتشرت سريعا للأسف، لخلو الميدان من الأغاني الحقيقية للأطفال.

ولعلي أنتهز الفرصة لأوجه الدعوة لشركات الإنتاج الجادة أن تتجه للبحث عن النصوص الجيدة سواء الفصحى أو العامية الموجهة للأطفال والتي تحمل قيما وفنا، وهي موجودة بكثرة، للاختيار من بينها، وإنتاجه وتقديمه للأطفال، إذا أردنا أن ننشيء جيلا واعيا بأهمية الكلمة المغناة.

واضح أن هناك إشكالية ما في المدارس والمنازل، فالشعر الذي يكتبه شعراء الأطفال للأطفال لا يذهب إليهم، أو لا يعبر عنهم، سواء في مقاعد الدرس أو في البيوت والمنازل المحبة للشعر. فأين تذهب إذن دواوين شعراء الأطفال المطبوعة؟ ومن يتلقاها؟

الشاعر أحمد سويلم يقول: الشعر فن الطفل الأول. وهو أسبق الفنون جميعا إلى عقل ووجدان الطفل. ودليلنا على ذلك أن الطفل حينما يبكي وتسرع أمه تهدهده بكلمات غير مفهومة منغمة فيصمت عن البكاء متأثرا بالموسيقى التي هي قوام الشعر الفني.

وعن طريق الشعر نهذب وجدان الطفل ونربيه على القيم. والطفل يغني الشعر ويرقص عليه ويسعد به.

لكن هذه القيم لا تتحقق إلا بعناصر مهمة أهمها على الإطلاق اختيار المستوى االلغوي المناسب لأي مرحلة عقلية يكتب لها الشاعر. ثم تأتي العناصر الأخرى مثل اختيار البحور الشعرية ومحتوياتها. والفكرة غير المستهلكة من عالم الطفل والصور البسيطة وغيرها من العناصر التي تتوقف على موهبة الشاعر وإخلاصه للطفل.

وفى عام 1984 وجهت دعوة للشعراء لكي يكتبوا للأطفال واستجاب الكثيرون وتتابعت الأجيال. وصدرت أعمال كثيرة في المؤسسات الحكومية والخاصة في مجالات مختلفة منها المقطوعة القليلة الأبيات، والقصيدة العمودية والحديثة والقصة الشعرية والمسرحية الشعرية. وهو كم هائل يعرض في المكتبات والمعارض السنوية.

والسؤال هل يدرك مفتشو التربية والتعليم ما صار عليه شعر الاطفال من خلال هذه التجارب القيمة؟

للأسف مازالت مناهج الشعر تقف عند منتصف القرن العشرين وتتجاهل إلا نادرا هذه التجارب الجديدة. وهذا سر تعقد التلاميذ من المناهج المتخلفة. وليس معنى هذا أننا ضد شعرائنا الكبار في المناهج لكن يجب الاستعانة بالجديد أيضا.

أنا معك إن شعرنا لا يقترب إلى عتبة المدارس، وقد قمنا على مدى سنوات طويلة بمحاولات لهذا الاقتراب دون جدوى.

وأقترح ان نبدأ حملة ضد هذه الحالة المتردية التي تجعل الطفل ينبذ الشعر واللغة والإبداع حتى تفيق الترببة والتعلبم وتؤمن أن الشعر عنصر مهم في تكوين هوية الطفل.

أما الشاعر أحمد محمود مبارك فيقول إن دواوين الشعر الذي يكتب للأطفال تذهب إلى شارع النبى دانيال (ويقصد بائعي الكتب القديمة في هذا الشارع الحيوي الذي يعادل الآن ميدان الأزبكية بالقاهرة).

ويرى الكاتب الأردني صبحي فحماوي أن الأم لا تقرأ، ولا تفهم الأشعار، ولا توجه أطفالها لقراءة الشعر، وبالتالي تضيع دواوين شعر الطفولة.

الكاتب الشربيني المهندس يرى أن في هذا السؤال: عودة الى حديث من يكتب للأطفال؟

وترى الكاتبة صفاء عبدالمنعم أن هذه الدواوين المكتوبة للأطفال تظل "حبيسة الأوراق فى المكتابات أو المخازن".
ويقول الشاعر والروائي سمير الفيل: ده صحيح. لي تجربة في قول الشعر في حصص القراءة والمحفوظات بابتدائي منذ سنة 1971 حتى 2005 بعدها توجهت لتوجيه المسرح المدرسي.

الكاتب السيد نجم يرى أنها "والله قضية تستحق المناقشة".

أما الشاعر عبدالرحمن البجاوي فيضيف: حتى كتب المرحلة الابتدائية فقيرة في نصوصها الأدبية والدينية والفكرية.
الكاتب محمد يوسف يتذكر قائلا: كان فيه نشيد من ثلاث سنوات على ثالثة ابتدائي يتحدث عن الحواس الخمس وألغي لأنه كان حلو (ابصر بالعينين نحلا / فوق زهور/ أسمع بالأذنين شقشة العصفور / بلسانى اتذوق طعم السكر).

ويضيف: كان عندنا في السبعينيات شعرا يقول: ان الذى يرتب متاعه لا يتعب / وكل شيء عنده فى موضع اعده / متى يعد اليه يجده فى يديه / من غير شيء يفقده / ولا زمان يجهده / حسن نظام العمل / يضمن نيال الامل.
أما الأديب حسن اللمعي فيقول في سخرية عن دواوين الأطفال أنها: تذهب الى جمعية أصحاب المعاشات!

الشاعر والزجال محمد طعيمة يقول: الأستاذ أحمد فضل شبلول نفذ الى قلب الحقيقة "وأبيت ان تخلص - بمقدماتك هذه - اليها. برامج اﻹذاعة والتلفزيون من قديم تواصلهم مع اﻷطفال بالمنظوم العامي الذي تتفهمه سيدات اﻷسرة المصرية محدودي ثقافة لغة الضاد وأمثلة على هذا (هيا حاﻻ باﻻ هنوا أبو الفصاد) ومن اﻷغاني الشهيرة وكلها من كلمات المبدع الشاعر حسين السيد (ماما زمانها جاية/ ذهب الليل/ حبيبة امها / قمورتي الحلوة بقت طعمة) ولصلاح جاهين (يا ماما يا امايا يا ماماتي) نعم أستاذ شبلول مؤتمرات ومهرجانات ﻷغنية الطفل تخلو من واقعية تفاعلات المنظوم العامي في هذا الشأن وبالتالي ينفصم عن التلقي وظل مجرد "ملء ساعات ارسال" وحاولت في مؤتمر أقيم بالإسكندرية ان أنبه وأنوه ولكنه الانفصام فهل مازلت تسأل وتتساءل أستاذ شبلول. أري أنك تومئ باﻹجابة في طيات أسألتك".

ويضيف الشاعر محمط طعيمة: الخلط جلي بين خطاب البلدان العربية بلغة الضاد وبين خصوصية مصرية عتيقة وعميقة تتداولها اﻷسرة المصرية تلبي ظمأ أطفالها بمجرد أن يغمغم "إمبو" هي كلمة مصرية أقدم من عصر فلاحنا المصري الفصيح "خونانوب" قبل الميلاد بآﻻف السنين.

المسرحي عبدالعزيز عبدالظاهر يقول: بل أين تذهب الأشعار التى تكتب للكبار يا أستاذى لقد أصبحنا شعبًا لا يقرأ كبيره وصغيره.

الشاعر المعروف فؤاد حجاج يقول: هو ده السؤال الذي ألح كثيرا وزي ما قال سارتر (لمن نتوجه).
ويرى الشاعر محمد سعد بيومي أن الطباعة تجارة والكتابة للطفل فن له أصحابه ومثل هذه الدواوين كغيرها من كثير من الإبداعات، فالقراء شحيحون، ومن يقرأ قليلا ما يتفاعل علاوة على عوامل أخرى.

الناقد شوقي عبدالحميد يقول إن كتب الأطفال على أرفف مكتبات الهيئات الحكومية .. أو مخازنها.

الإعلامية منار فتح الباب قالت: بعض أناشيد الشاعر الراحل أحمد زرزور كانت ضمن منهج المرحلة الابتدائية لكن التلاميذ للأسف يرددون كالببغاء.
------
أحمد فضل شبلول
(شاعر وكاتب مصري)

اقرأ ايضا:

الأكثر قراءة