"المدينة ..الشبح" معرض يكشف تناقضات القاهرة ويخاطب أذن المتلقي

8-9-2011 | 14:21

المدينة الشبح

 

محمد سعد

يضع معرض التجهيز الصوتي "المدينة.. الشبح" الذي يختتم اعماله اليوم بمركز سعد زغلول الثقافي أمام تناقض يبدو هائلاً ما بين القاهرة، المدينة التراثية العريقة وبين المعرض الذي يؤرخ لذاكرتها الصوتية عبر أساليب ما بعد حداثية، على الرغم من أن المعرض ذاته لا يتوقف عند هذا التناقض بل يتجاوزه فوراً إلي طموحه في توثيق الذاكرة الصوتية للقاهرة ضمن مشروع ترعاه المؤسسة الثقافية السويسرية في إطار مشروع "الذاكرة الثقافية".

يقوم علي تنفيذ المعرض أربعة فنانين هم المصريين د. نهلة مطر ومروان فوزي والسويسريين فرانسيسكا باومان وألفريد تسيمرلين وينتمي إلي فئة فنون التجهيز أو الأعمال المركبة Installation وهو نوع جديد نسبياً من الفنون ظهر في أواخر الستينيات من القرن العشرين كثورة علي الأشكال الحداثية للفن.

المدينة الشبح


والمعروف أن حركة ما بعد الحداثة التي ينتمي العرض إليها نشأت قبل أن تتبلور كمفهوم في صورة رد فعل علي الحرب العالمية الثانية لنقد خطاب الحداثة الأوروبية الذي أشاع قيم العقلانية والحرية والعلم والحضارة وهدمته الحرب بأهوالها لتنشأ محلها حركة جديدة غزت مجالات الفنون والآداب والفلسفة وبدأت تكسر الأفكار المستقرة حول الفن وغيره من المجالات لتستبدل ما بعد الحداثة الإختلاف والتناقض بالإنسجام والتناغم والوضوح وتحل علاقات جديدة محل العلاقات القديمة وكان الفن أحد أساليب بناء تلك العلاقات الجديدة.
ويبدأ العرض بنفق طويل أشبه بممر أولي ذي إضاءة أرضية خافتة تعزل المتلقي عن العالم الخارجي لتهيئ له الإندماج مع التجربة الصوتية ، ثم يمتد النفق إلى فضاء آخر محاط بأصوات القاهرة في خلطة تجمع ، أصوات ثورة ميدان التحرير مع بائعي العرقسوس، وأصوات قداس الأحد وآذان الفجر، خرير مياه مقياس النيل وأوراق أشجار ، ثم ينتهي النفق إلي غرفة يسميها القائمون على المعرض ب" قدس الأقداس " لتكمتل بذلك تجربة صوتية تحمل معها ذاكرة أصوات المدينة.
وتأتي فرادة تجربة المعرض في قدرته على عرض الأصوات التي نسمعها كل يوم وكأننا نسمعها لأول مرة بفضل آلية " التجهيز الصوتي "التي تقوم بعملية يطلق عليها الفيلسوف الألماني "إدموند هوسرل" التقويس وتعني عزل الظاهرة بعيداً عن سياقها لفهمها جمالياً بمعزل عما علق بها من شوائب الحياة اليومية.
ويكسر فن التجهيز العلاقة التقليدية بين متلقي الفن والعمل الفني كما يكسر علاقة أكثر أهمية وهي علاقة الملكية أيضاً، ففنون التجهيز شأنها شأن فنون ما بعد حداثية عديدة غير قابلة للإقتناء ، فمعظم تلك العروض لا يمتلكها الفنان نفسه، فهي عروض وقتية تفكك بعد إنتهاء وقتها ، فمعرض "المدينة.. الشبح" سيتحول بعد إنتهاؤه إلي مجموعة أخشاب سندت النفق المؤدي إلي قدس الأقداس وبعض السماعات والأكثر أنه في حالة العروض الأدائية لا يوجد منتج بل عارض فقط ومن منا يمتلك عارضاً؟.
ويؤدي كسر علاقة الملكية تلك إلي مفارقة كبرى ، ففي الوقت الذي يعد فيه فن التجهيز فناً راقياً أو رفيعاً لا يمكن لأبناء الطبقة الرأسمالية إقتناؤه ولو علي سبيل الوجاهة، وهنا تنفصم علاقات الفن بالطبقة الإجتماعية مؤسسة لعلاقات جديدة.
ووفقا لما سبق يمثل المعرض حالة ما بعد حداثية بإمتياز، على الرغم من أنه" غير معقد من حيث بناؤه إلا أن صعوبة التعامل معه تأتي علي مستوي آخر فهو يصل بالموسيقي/الصوت إلى مستوى أعلى من التجريد بحيث يختفي فيه مصدر الصوت فلا يعود المتلقي/المستمع يعرف مصدره ولا أين يبدأ وينتهي فهو يترك مع المجهول.
فالعرض يتكون من عدة شرائط صوتية تبثها أجهزة كمبيوتر موصولة بسماعات تختفي وراء وفوق هيكل النفق الطويل نسبياً وتتراوح مددها ما بين 7 دقائق إلي الساعة والنصف لا يمكن السيطرة عليها أبداً، فليس بإستطاعة الفنان تحديد النقطة التي سيبدأ المتلقي فيها الإستماع ولا إلي جوار أي سماعة سيكون المتلقي واقفاً حين يمتزج صوت هتافات ميدان التحرير مع أصوات بائع العرقسوس ولا حين يتمكن المتلقي من سماع أصوات أذان الفجر تتماهي مع قداس الأحد.
في تلك الحالة يتشتت المعني وتتكسر الدلالة ولا يبقي أمام المتلقي إلا أن يصنع سرديته الصوتية الخاصة من بين الوسيط الذي صنعه له الفنان، ومهما حاول المتلقي أن يسعي وراء الرسالة الأصلية التي تركها الفنانون الأربعة وراء المعرض فسيبدو كالباحث وراء سراب إذ لا رسالة أصلية ولا معني خفي وضعه الفنانون هناك، فكل ما هنالك هو النص الصوتي الذي سيصنعه المتلقي بأذنيه. وكما ترى الفنانة نهلة مطر فأن معارض التجهيز الصوتي فرصة لإعادة إحياء الأذن بعد سيطرة الثقافية البصرية وفي إعادة إحياء الأذن لذة حسية نستشعرها لحظة استقبال الصوت عبر الأذن والجسد بما يمكننا من فهم إيماءات العمل الفني بطريقة مختلفة عن الطريقة المعهودة.
ومن ناحية أخرى، تبدو فكرة التوثيق لذاكرة القاهرة الصوتية أو تسجيل تاريخ صوتي للقاهرة غريبة على المزاج المصري ، فهل هناك تاريخ غير التاريخ الرسمي الذي نعرفه، يريد المعرض أن يلفت نظرنا له أو بالأحري آذاننا إليه فهناك تواريخ أخري تحت ذلك التاريخ وبعبارة الأنثروبولوجي الشهير "فرانز بواس" التي سأستخدمها في غير موضعها هنا "لا يوجد تاريخ وإنما غبار من التواريخ"، فللقاهرة تاريخ صوتي وبصري وإنساني مواز لتلك التواريخ الرسمية وربما يفوقها أهمية ومصداقية.

الأكثر قراءة