ثقافة وفنون

عن "تقشير البصلة": لـ"غونتر غراس"

17-6-2016 | 22:49

غونتر غراس

لينا شدود
"تُحِبُّ الذّاكرة أن تدّخر المعدن الخردة، والأشياء التي تعدُ بالصمود على مرِّ الزمن حتى في حالتها المُتآكلة".


على الأرجح أنّ غونتر غراس قد قرّر كتابة سيرته الذاتيّة في عمله "تقشير البصلة" بعد صراع نفسيّ حاد رغبةً منهُ في التّخلص من كلِّ شوائب الماضي مستخدماً سرداً أخّاذاً يتواترُ ما بين الرّاوي غراس والصبي غونتر المتوحد العنيد غيرَ مُلتزمٍ بالتنسيق الزّمني الصّارم للأحداث، مستخدماً تقنية الفلاش باك..
فجاءت تلك السيرة كاشفة لعمرٍ عاشهُ غراس حيثُ كان الألم والخوف عارمين في الجوار مستخدماً مجاز البصل والكهرمان ببراعة لافتة: "أتلّمَسُ الكهرمان الشفاف على الرف فوق مقعدي، لأتفحصَّ المدى الذي يقاوم إليه إيماني بالفوهرر التصدعات الظاهرة في سطحه".

وحينما بدت لهُ الحياةُ أكثرَ تمهُلاً ومن قلبٍ مُتضرّرٍ إلى حدٍّ ما شرعَ غيرَ عابئٍ بشيءٍ في تقشير بصلته التخييلية بلينٍ وتأنٍّ مُحدِّقاً في مراياه المُقعّرة والمُحدّبة.

ما من شكٍّ في أنّهُ كانَ ماهراً في إخضاعِ صلصال صُورهِ والنقوش النافرة في ذاكرته المُنتفخة بالأحداث والصور، فكانت مهمتهُ شاقة ومؤلمة إلى حدٍّ ما.

متحركاً تارةً إلى الأمام وتارةً نحو الوراء، تقودهُ سلسلة من الظهورات وهي تطوف بقوة عبر قصصٍ غيرَ منتهية حوّلها ببراعةٍ لافتةٍ إلى روايات عظيمة، والمؤلم أنّه حالما نشر عملهُ هذا أُطلِقَتْ الدعوات المُتشدّدة والغاضبة لإعادةِ النظر في أعمال غراس الأدبية في حين أنّ البعض شدّدَ على ضرورةِ إبداءِ الاحترام لتجربتهِ الأدبيّة الوفية لزمنٍ عاشهُ هو وأسلافهُ زمنٍ أخذ قلبهُ وعقلهُ إلى ما لانهاية.

وهكذا في نهاية الرحلة وبعد أن بدأ غراس الرحّالة بالتعب، لم يجدْ ضيراً من الاعتراف بأنّ النظر إلى الوراء هو فقط ما يُبقيه الآن صاحياً.

تعلّم غونتر بالشمِّ والسمع والبصر والتجربة في سن العاشرة، إذ كان جابي ديونٍ واسع الحيلة وكل ما كان يُحصّله كان يُنفقهُ على محابر الرسم والكتب.

وكان من عادته قضاءَ جُلَّ وقته في مكتبة البلدية أو في عليّةِ منزله مُلتهماً الكتب في خزانة والدته، الكتب التي يصفها بأنها الحنطة التي صبَّت في طاحونته.

ومن الجلي أنه كان لوالدته ذلك الجانب الأبهى في بصلته التخييلية، ربما هي التي أرشدته كي يأخذ قلبه وعقله من الأسلاف.

"هي ضميري الجيد المُسترضي، ضميري السيئ المكبوت. هي التي كانت تؤمن بي، هي وادي فرحي ووادي دموعي. أطلقتني لأكتب وأكتب".

بملامح جادّة وكئيبة زادَ منها فمهُ المفتول إلى تكشيرة ونتوء شفتهُ السفلى وفكه البارز، يعود بنا غونتر إلى سن السادسة عشر حيث كان يخدم كجندي احتياطي في سلاح الجو وحيث كان يصطدم بالأشياء وبنقص الأشياء من حوله.

غونتر الذي تربّى على الحقائق في الكتب لم يكن يوماً إلّا مُشكِكاً وقلقاً..
"ما الذي كنت أُؤمنُ بهِ قبل أن أُؤمن بالفوهرر فقط؟".

لم يُنكّر غونتر يوماً أنّه كان عضواً في شبيبةِ هتلر، أيّ نازياً شاباً ومؤمناً حتى النهاية.
في إحدى قشور بصلتهِ نتحسسُ ذاتهُ المُمزّقة المرتدية بزة نظامية وهي تَنسلُّ مُبتعدة.

"حاولتُ أن أُنمّي الكراهية الضرورية للدماء الزرقاء الحسنة الصيت، لكنني في الحقيقة كنتُ مُمَزّقاً".

يتغيّر ترتيب القشور فيتذكر غونتر مُكوثهُ في السقيفة قرب دلاء الماء والقليل من المطافئ وبرميل الرمل فتضطرب الذاكرة قليلاً ونعودُ لنسمع معهُ فرقعة رسالة التجنيد في الجيب الصدري لسترته الضيقة ووقوف والده في وداعه، والدهُ هو عينه الرجل الذي أراد قتلهُ بخنجر شبيبة هتلر وطعنه مرات كثيرة في خاطره.
"هل رددت له التلويحة من النافذة المفتوحة وهو يصغر ويصغر؟"

قشور هنا وهناك، مابين غرور الشباب والإحساس المُتكرر بالعار بعد الحرب، يتساءل هل كنتُ أنا ابن السبعة عشر عاماً واعياً للانهيار القادم.

يفتقد هنا غراس مفكرتهُ التي ضاعت منه فأصابت بعض القشور بالغبش والارتباك.
"كان كلّ شيء يتداعى، لا شيء يسير كما خُطِطَ له".

صحيح أنّ غونتر لم يعد يبني قلاعاً من الرمل الرطب على شاطئ البلطيق إلّا أنّه كان يختفي أحياناً بين الكثبان أثناء خدمته ليخربشَ قصائد خريفيّة في مفكرته؛ مفكرته التي يفتقدها كثيراً.

فيما بعد وجد غونتر نفسهُ في قبضة الحرب وبقوّة في مجموعة صغيرة بلا مقاتلين ولا مدفعية ثقيلة كانوا يُسمَون "بكوماندو الصعود إلى السماء" أي كتيبة الانتحار.

وحينما بدا له الموت محققاً التقى بملاكه الحارس التائه مثلهُ ونجيا معاً ومن ثمّ تَمَّ أسرهما في معسكر مخيف حيث كان الجوع يلسع، الجوع معلم غونتر الأول. ها هي البصلة التي كانت تُؤسس ذاكرتهُ تشير إلى أنّ جوعه قد دفعهُ إلى أخذ دورة في الطبخ النظري.
يقول غونتر:
"معسكر بالاتيناته العليا قد شرط حليماتي الذوقية مدى الحياة".

وإلى وقت طويل ظل الشيف الذي كان يُشرف عليه يحدّق في أصابعه كلما أعدّ طبقاً ما. وبينما كانت الحرب مُستعرة كان غونتر ومن معه في المعسكر يشعرون بالأمان أكثر من المدنيين. إلى أن أُطلِقَ سراحهُ في منطقة الاحتلال البريطاني، هنا كان عليه أن يُجرِّب وحيداً ذاك الكم المجهول من الحرية، إلى أن وجد عملاً في منجم. فكرة العمل تحت قشرة الأرض أسعدتهُ إذ كان يودُّ أن يبقى بعيداً. كلّ ما يذكرهُ من عملهُ في المنجم هو الجري عبر الأنفاق الجافة والركب المُتأذيّة والنقاشات المُستعرة بين الديمقراطيين والنازيين والشيوعيين.
حرص غونتر ألا يصطف مع أي طرف يقول غونتر:
" مُغلقاً أذنيّ فقط عندما حاول النّازيون أن يستميلوني بشعار (لا تقل مات ابداً)".

لم يملَّ غونتر من بحثهِ الدّائم في اللوائح التي كانت تُنشرْ أسبوعياً بحثاً عن عائلتهِ وخلافاً لأي منطق بقي يتصورهم في البيت، لاحقاً عرف أنهم نجحوا في الانتقال من منطقة الاحتلال السوفييتي إلى منطقة الاحتلال البريطاني.
أراد غونتر أن يصبح نحّاتاً وهنا في قشرة أخرى برز جوعهُ الثاني إلى الفن فعمل كبنّاء ونحّات حجر.
يتساءل غونتر
"هل سألتزم بقصِّ الحجر أم أجري عبر حياتي الجوانية قطعة قطعة؟".

إلى جانب مواظبته على دروس الرقص إذ أنهُ أراد أن يحتفي ببقائه على قيد الحياة. ها هو ينحت الصلصال بأصابعه العشرة منتشياً بنعيمٍ يتدفق في روحهِ أشبه بما كان يشعر به وهو طفل يبني القلاع الرملية على أحد شواطئ البلطيق.
غونتر المهووس بالفن والجائع للحب والمجنون بالرقص يأخذ قرارهُ بأن يهجر مهنة نحت الحجارة لصالح الكتابة.. الكتابة واقفاً لأنهُ كان قد اعتادَ العمل على قدمَيه في النحت.

ومن ثم يفسر لنا انجذابه المديد هو وأقرانه إلى ما كان يُرمز إليه بالوجودية المستوردة من فرنسا في ذاك الوقت، وتكييفها مع الشروط الألمانية ومن ثم ارتدائها كقناع في تلك الفترة إذ كان من المفترض أن يخاطر الجنس البشري بوجوده، ويذكرُ لنا أن الشاعر بن والفيلسوف هايدغر قد وفّرا كل ما يلزم من أفكار لأجل هذا المزاج القيامي.

ها هو يسيرُ على خُطى التوتونيين وأباطرة هوهنشتاوفن وعابدو فن دويتشرويمر.. حيث كانت وجهتهُ باليرمو.
في روما تمكن من مشاهدة النسخ الأصلية للوحات فَتنَتهُ سابقاً، فعاشَ حياةً زاخرة بالتجارب وغنيّة بصداقات كانت تظهر في رواياتهِ تباعاً. كل كتاباته أثناء أسفارهِ كانت تَلمُساً للطريق نحو الأمام أي محاولات كي يجد نفسهُ.
"كانت محاولاتي لأجد نفسي أو أحداً ما كنت أريدُ أن أكونهُ، لكن من هو الذي كنت أريد أن أكونهُ؟"

في نهاية المطاف وصل إلى برلين حيث الدمار.
"وسرعان ما صرت أجرش نتفا من الآجر بين أسناني".

فكتب قصيدة "سيدة الدبش العظيمة تتكلم" حيث يقول في المقطع الأخير
"برلين تقبع هناك مُبعثرة /الغبار يتطاير/ ثم يسود الهدوء السيدة العظيمة للدبش تطوف".

فيما بعد تعرّف على طالبة الرقص آنا شفاوت التي صارت زوجتهُ . ومن حسن حظهِ أن خزانة كتب حمييه كانت مهر آنا، بالإضافة إلى آلة كاتبة نقّالة من طراز أوليفييتي كهدية لعرسه والتي جعلت منه كاتباً كما يؤكد.
كتب غونتر مسرحيات قصيرة الحبكة وقصائد شاذة عن المألوف ونثراً قاسياً أما رسائلهُ السياسيّة فكانت حادّة النغمة أكثر مما ينبغي.

غونتر الذي لم يواجه أية مشكلة في الكتابة من الغسق إلى الشفق صفحة تلو أخرى حيث كانت الكلمات والصور تدفع بعضها البعض.

هنا ارتأى أن يتوقف عن سرد سيرته ولكنه كان يسردها واعياً أو غير واع في كل أعماله الإبداعية.
ومنذ ذاك الوقت فصاعداً عشت من صفحة إلى صفحة وبين الكتاب والكتاب، كان عالمي الجواني لا يزال غنياً بالشخصيات، لكن لأتكلم عن ذلك كله، فإنني لا أمتلك البصل ولا الرغبة".

-----
= لينا شدود (شاعرة وكاتبة من سوريا)
= "تقشير البصلة"، سيرة ذاتية ومذكرات لغونتر غراس، صدرت في 2014 عن دار دال للنشر والتوزيع بسوريا، ترجمة: عدنان محسن.

اقرأ ايضا:

مواقيت الصلاة

اسعار العملات

درجات الحرارة