[x]

ثقافة

رجاء.. كُفّوا عن السرقة

4-6-2016 | 16:09
في العاشر من مايو 2016 نشرتُ بصحيفة القدس العربي مقال ًا نقديًا عن رواية الكاتب اليمني حبيب عبد الرب سروري الأخيرة "حفيد سندباد)". ولكم صعقتُ وأنا أكتشف، بعد أربعة أيام فقط، على صفحات جريدة العرب الدولية مقال ًا عن نفس الرواية لصاحبته مبروكة علي ّ عنوانه (حفيد السندباد: رواية البحث عن الإنسان" يَنقُل بالحرف والأفكار معًا نفس ما ورد في مقال ي السابق الذكر، دون أدنى إشارة إلى المرجع وصاحب ال مقال ، كما تقتضيه أخلاق ومبادئ الكتابة والنشر.


لو اكتفت صاحبة ال مقال فقط بمحاكاة مقال ي من حيث محتواه وتركيبته الفكرية لاعتبرت ذلك منها اجتهادًا على الأقل في تلخيص أفكار ال مقال ونشرها بأسلوبها الخاص، لكن السييء في الأمر أنها نقلت حرفيًا مقاطع وجملًا بعينها ونسَبتها إليها. ولعمري هذه سرقة مكشوفة واضحة مُخجلة في حق صاحب ال مقال وصاحب الرواية وهيئة تحرير الصحيفة اللندنية، وقرائها يخاصة. كما تعد سطوًا على الملكية الفكرية والأسلوبية لصاحب ال مقال .

ولأن الذي يسرق بيضة قد يسرق ثورًا، كما يقول المثل الفرنسي، فقد تساءلت إن كانت هذه السرقة هي الأولى من نوعها في قائمة ما نشرته هذه "الكاتبة" من مقال ات،وقمتُ بالاطلاع على مقال اتهاالمنشور أغلبُها في نفس الصحيفة التي "تكتب" بها، فصعقتُ أكثر حين وجدتُ أن مقال اتها تلك نقلٌ حرفيّ من هنا وهناك لفقرات بعينها وَرَدَت سابقا في مقال ات كتّاب آخرين.

وكي يشهد القارئ بنفسه على هذا العمل الشنيع المنافي لأخلاقيات الكتابة والنشر، فإني أحيله على بعض هذه السرقات، وهي جزء فقط من كـمّ هائل من الفقرات والجمل سرقتها "الكاتبة" من مقال ات كُتاب آخرين بذلوا مجهودًا في القراءة والتفكير وتحرير مقال اتهم:

ورد في مقال ي السابق الذكر: "بنيتها الحكائية تستند إلى شخصيات مركزية أربع: علوان الجاوي، يمني شاهد على التحولات السياسية التي عصفت باليمن منذ النصف الثاني من القرن العشرين. يغادر إلى باريس للدراسة..."، وكتبت السيدة مبروكة علي ّ: "تستند البنية الحكائية للرواية، الصادرة أخيرًا عن دار الساقي، إلى أربع شخصيات رئيسية وهي علوان الجاوي، يمني شاهد على التحولات السياسية التي عصفت باليمن منذ النصف الثاني من القرن العشرين، يغادر إلى باريس للدراسة...".

أقول في مقال ي "وتشبعا أيضًا بالفكر الغربي الذي منحه تكوينًا جامعيًا في مجال الإلكترونيات، وضمن له منصب أستاذ في أرقى الجامعات الباريسية...."، وتقول "الكاتبة": "علوان متشبع أيضًا بالفكر الغربي الذي منحه تكوينًا جامعيًا في مجال الإلكترونيات، ليصبح أستاذًا جامعيًا في أرقى الجامعات الباريسية".

كما أقول: "فينتهي به الأمر، وهو العاشق المتيم بعالم الإلكترونيات والإعلاميات، إلى اتخاذ إنسان آلي (روبوت) رفيقًا له في البيت، يخدمه ويسهر على وضعه الصحي ويبرمج بشكل دقيق مسار حياته اليومية، ابتداء من خروجه من البيت حتى عودته إليه."، وتنقل مبروكة علي ّ: "فينتهي به الأمر وهو العاشق المتيم بعالم الإلكترونيات والإعلاميات إلى اتخاذ إنسان آلي (روبوت) رفيقًا له في البيت يخدمه ويسهر على وضعه الصحي ويبرمج بشكل دقيق مسار حياته اليومية، ابتداء من خروجه من البيت حتى عودته إليه."

ثم أقول: "يسهر بهلول على الاعتناء الكامل بعلوان: يسمعه موسيقى، يتحاور مع الثلاجة "الذكية" ويقوم بإرسال طلبات شراء حاجيات البيت من أطعمة"، "شخصية بهلول وهو إنسان آلي مهمته الاعتناء بعلوان، يسمعه موسيقى، يتحاور مع الثلاجة "الذكية" ويقوم بإرسال طلبات شراء حاجيات البيت من أطعمة"، وتسرق هي: "نجد أيضًا شخصية بهلول، وهو إنسان آلي مهمته الاعتناء بعلوان، يسمعه موسيقى، يتحاور مع الثلاجة "الذكية" ويقوم بإرسال طلبات شراء حاجيات البيت من أطعمة".

ثم أكتب: "وفي كل تحديث حسب البرامج الإلكترونية الجديدة تنمو لدى بهلول قدرات هائلة في خدمة صاحب البيت، حتى أنه صار يعانقه "بكل حميمية" أثناء عودته إلى البيت، وفوق هذا كله تظهر على بهلول علامات الحزن والقلق والفرح."، وتسرق هي دون تقديم ولا تأخير بين الحزن والقلق والفرح وكلمات أخرى: "ومع كل تحديث حسب ما هو جديد تتشكل لدى بهلول قدرات هائلة في خدمة صاحب البيت لتصل إلى مرحلة المعانقة أثناء عودته إلى البيت، وحتى أنه بدأت تظهر على بهلول علامات الحزن والقلق والفرح".

وحين بدأت في البحث عن طريق السيد جوجل، جازاه الله خيرًا وحفظه من كل سارق أثيم، وجدت أنه يكفي فقط أن نأخذ بشكل اعتباطي أية جملة أو مقطع من مقال صاحبتنا حتى نجد له نسخة أصلية في صحيفة أخرى أو موقع إلكتروني أو دردشة فيسبوكية. وإليكم بعض الأدلة:

في مقال ها المنشور يوم 3 مارس 2016 بنفس الصحيفة تحت عنوان: "بجرة حرب واحدة، بعض من الحب في بشاعة صور الحرب"، الذي خصته لمجموعة نسرين أكرم الشعرية، نقرأ أن قصائد الشاعرة "لا تكتفي بتصوير الموت مباشرة والخراب المادي، إنها تروي حكايات الحب التي قضى عليها الرحيل والآمال المندثرة سحقًا، والمقاهي المطفأة بعد أن كانت تشكل مهرجانات محلية للناس في السهرات الحلوة" ،وهذا مقطع منقول حرفيًا، وبالفاصلة والنقطة، من تغطية قصيرة بعنوان: "نسرين أكرم خوري، البساطة التي تتفجر إيحاءً ورموزًا"، نشرها الكاتب جورج جحا يوم 27 مايو 2015 على موقع رويترز عربي.

ومن نفس مقال جورج جحا سرقتْ أيضابالحرف: "تتسم ببساطة فنية أخاذة تتفجر إيحاء ورموزًا وصورًا لتصف عمل الحرب في النفس والعالم المحيط بها". ثم كتبتْ في نفس ال مقال : " القارئ أمام قصائد المجموعة سيشعر أنه أمام شاعرة اختارت البوح بلغة في غاية البساطة، لغة صادمة تستفزّ حاسّة القارئ وتنهمر بغزارة كالمطر"، وهي جملة سرقتْها من مقال نضال القاسم "السمات الأسلوبية والصور الشعرية في "شِراك الصقيع" لعيد النسور"، المنشور بصحيفة الرأي بتاريخ 21 أغسطس 2015، جاء فيه: "وقد تحسّ وأنت تقرأ قصائد المجموعة أنك أمام شاعر يحاول البوح بما في خاطره بلغة في غاية البساطة (...) لغة صادمة تستفزّ حاسة القارئ وتنهمر بغزارة كالمطر...".

وفي مقال ها "قصص العرب السريالية عن أوجاع الحرب السورية" المنشور بصحيفة العرب بتاريخ 30 أبريل 2016، تصل الكاتبة بالسرقة إلى حد "فني" بعيد فتبدّل تشيخوف بتاج الدين الموسى، وتسلخ الباقي من مقال الكاتب عبد الغني سهاد المنشور بموقع من المحيط إلى الخليج بتاريخ 11 أغسطس 2011 والذي جاء فيه: "من يتابع كتابات تشيخوف يلحظ صلة جدلية مباشرة بين الضحك والألم، الحزن والسخرية، مما جعل سخريته توصف بالكوميديا السوداء". وتكتب صاحبتنا: "من يتابع كتابات مصطفى تاج الدين الموسى لا يمكن أن يفوته ملاحظة الصلة الجدلية المباشرة بين الضحك والألم، الحزن والسخرية، مما جعل سخريته توصف بالكوميديا السوداء" !!!!

كما تسرق في ال مقال نفسه حرفيًا، وبالفاصلة والنقطة أيضًا، مقاطع أخرى من إعلان صحفي عن صدور الكتاب يجده القارئ بموقع سوريتنا بتاريخ 9 ماي ،2016 من هذه المقاطع مثلًا: "بنى مصطفى تاج الدين الموسى أقاصيص مجموعته (...) على البسيط والمدهش والغرائبي معًا، والدهشة تتولد أساسًا من هذا الالتقاء بين الواقع والخيال حتى لا تعرف الفاصل بينهما، الحقيقة الإنسانية بالنسبة إلى الكاتب توجد عند البشر البسطاء".

وحين يكتب الكاتب المغربي جميل حمداوي مقال ًا عن مجموعة قصصية لعبد العزيز غوردو في موقع "ندوة" الذي يسهر عليه الشاعر المصري سيد جودة يقول فيه: "وقد استخدم الكاتب أبنية سردية متعددة الأشكال، إذ وظف البناء الدائري "العزافة" والبناء الجدلي المتماثل في "السيد السنونو" والبناء النفسي "القطار في السادسة مساءً" والبناء المفتوح "المجذوب" وهذا التعدد في الأبنية السردية وتنويع معمار القص دليل على مدى تمكن الكاتب من أدواته القصصية وتقنياته الحكائية وانفتاحه على الإبداع القصصي والروائي العربي والعالمي"، تكتب صاحبتنا عن مصطفى تاج الدين الموسى نفس الشيء مع تغيير عناوين النصوص القصصية: "كما استخدم الكاتب أبنية سردية متعددة الأشكال، كالبناء الجدلي في قصة "نص ساعة احتضار"، والبناء النفسي في "عشر صور للحب" و"في أثناء الأخبار العاجلة"، والبناء المفتوح في قصة "مشهد سينمائي من الحرب"، هذا التعدد في الأبنية السردية وتنويع معمار القص دليل على مدى تمكن الكاتب من أدواته القصصية وتقنياته الحكائية وانفتاحه على الإبداع القصصي والروائي العربي والعالمي".

هكذا يصبح القاص تاج الدين الموسى نسخة أصلية لعبد العزيز غوردو و مبروكة علي نسخة أصلية لجميل حمداوي!

وليست الصحف العربية والمواقع والمدونات الإلكترونية وحدها المصدر الذي يلهم صاحبتنا ويمدها بما لذ وطاب من مجهودات الآخرين التي تسطو عليها بنَهم، إنما الدردشات العابرة في الشبكات الاجتماعية هي أيضًا لا تسلم من سرقات "الكاتبة" المحترفة في مجال السرقة الأدبية.

ففي مقال ها المنشور بصحيفة العرب عن رواية " خرائط التيه " ل بثينة العيسى بتاريخ 2 مارس 2016 نجد فقرات بكاملها نقلتها "بِأمانة" عن انطباعات كتبها إبراهيم عادل في الفيسبوك عن نفس الرواية يوم 23 أكتوبر 2015، حيث يقول: "أعجبني جدًا تقسيم الرواية على فصول قصيرة، بدت كأنها فلاشات مكثفة؛ لأن المشاهد لا تحتمل المزيد من التفاصيل، بدت أيضًا لغة الحوار مشذبة وذكية كثيرًا، وتحمل في طياتها أضعاف ما تشي به، ولا سيما حوارات سمية وزوجها..."

وكتبت صاحبتنا: " بثينة العيسى قسمت الرواية إلى فصول قصيرة، بدت وكأنها فلاشات مكثفة؛ لأن المشاهد لا تحتمل المزيد من التفاصيل، بدت أيضًا لغة الحوار مشذبة وذكية كثيرًا، وتحمل في طياتها أضعاف ما تصرّح به، ولا سيما حوارات سمية وزوجها...". هكذا دون أدنى حرج ولا احترام لصاحب ال مقال وأخلاقيات الكتابة.

إن المطلع على مقال ات "الكاتبة" سينتبه إلى أن هذه الأخيرة المختصة في الكتابة عن الإصدارات الجديدة لا تقرأ الكتب التي تكتب عنها؛ لأنها لا تضيف أبدًا شيئًا جديدًا إلى ال مقال ات التي تسرق منها الأفكار والفقرات. إنها تكتفي فقط بما كُتب عن هذه الكتُب فتلخّص بعض أجزائه وتنقُل الباقي حرفيًا من هنا وهناك.

رجاءً أوقفوا هذا النزيف المضرّ بالملكية الفكرية للكاتب وبمصداقية القارئ وبمهنية الصحف والمجلات العربية! رجاءً كفوا عن السرقة!

محمد ميلود غرافي

(شاعر وأكاديمي مغربي
مقيم بفرنسا)

مواقيت الصلاة

اسعار العملات

درجات الحرارة