بالفيديو..صاحب فكرة تدمير الساتر الترابى لـ "بوابة الأهرام": الشباب الذى حارب معنا موجود مثله الآن

10-8-2011 | 11:21

باقى زكى

 

حوار: سمر نصر.. تصوير: أيمن حافظ

فى عمر الشعوب أيام لا تنسى. وتظل محفورة فى الذاكرة لعقود طويلة، لأنها مرتبطة بأحداث فاصلة تهم الأمم والشعوب. ومن هذه الأحداث يوم العبور العظيم عام 1973. ففى العاشر من رمضان حقق المصريون معجزات لا يزال يقف العالم أمامها مشدوها ومتمعنا فى معنى ومغزى النصر، الذى قام به رجال القوات المسلحة. النصر الذى تكاتفت حوله جميع السواعد للوصول إليه. وقد كانت عملية تدمير الساتر الترابى من أروع البطولات التى ظهرت فى هذه المعركة. لذلك التقت "بوابة الأهرام" اللواء أركان حرب باقي زكي يوسف، صاحب فكرة فتح ثغرات فى هذا الساتر الذى أقامه العدو الإسرائيلى من أجل فصل سيناء عن مصر. وتطرق الحوار إلى نقاط كثيرة من أجل معرفة الأسرار والخلفيات التى وقفت وراء هذا العمل، الذى كان نقطة البداية الحقيقية لما تلاه من بطولات مصرية.


* من أين جاءت فكرة التخلص من الساتر الترابى؟
- فى إبريل 1964، انتدبت للعمل فى السد العالى من القوات المسلحة. والأعمال هناك كانت كلها تتم بنظام معين، وبتكنولوجيا معينة. السد العالى كان عبارة عن رمل وزلط وحجر. وفى 5 يونيو 1967 حدثت النكسة، فقررت القوات المسلحة آنذاك إنهاء عمل كل الضباط المنتدبين فى الخارج فى كافة المؤسسات الحكومية. وعدت مرة أخرى للقوات المسلحة. وتم تعيينى رئيس مركبات فى أحد التشكيلات التى كانت موجودة غرب قناة السويس. وبطبيعة عملى كنت أمر على صف عربات الوحدة التابعة للتشكيل الذى أترأسه. وفى هذا الوقت كان الجيش الاسرائيلى لا يزال فى مرحلة بناء الساتر الترابى الذى كان جزءا حصينا من خط بارليف الدفاعى، والذى كان عبارة عن كثبان رملية طبيعية، وكثبان رملية نتيجة حفر القناة على الشاطىء الشرقى للقناة، العدو قام بتعلية هذه السواتر الترابية بتشكيلاتها القديمة والحديثة وأوصله الى ارتفاعات تصل إلى 12 أو20 مترا ارتفاع وبعرض 8 الى 12 مترا من السويس إلى بورسعيد.

باقى زكى


أثناء مرورى بالقرب من هذه المنطقة، كنت أرى الساتر الترابى وهو فى مرحلة البناء، وبدأوا فى تعليته، وجعلوه مائلا بنسبة 80 درجة حتى يتماشى مع قاع القناة، فأصبح بذلك مانعا شديد للغاية بعدما تم وضع ألغام ومفرقعات ومدافع داخله. وخطر على بالى فكرة، أنه لو كان الساتر الترابى فى أسوان، لكانت خراطيم المياه التى تجرف الرمال الى قاع السد العالى ممكن أن نستفيد منها فى مقاومة هذا الساتر الترابى. وهذا كان أقصى تفكير لى.
* أما وأنه ليس فى أسوان، ماذا فعلت بعد ذلك؟
- فى مايو 1969 جاءتنا الأوامر بعبور قناة السويس، وفى أثناء جلوسى مع قائد الفرقة، عرضت فكرتى الخاصة بالساتر الترابى. وقام رؤساء العمليات بشرح الموقف كاملا أمام الفرقة بتفاصيل شديدة الدقة؛ نشأته، طبيعته، مكوناته، التجهيزات الهندسية والقتالية الموجودة فيه، والتجارب التى يمكن إجراؤها للتغلب عليه، والتى كانت كلها نابعة من المدرسة الإستراتيجية العادية التقليدية العالمية، والتى كانت ستتم إما بالصواريخ أو المدفعية أو الطيران. وبتجربة كل هذه الطرق وجدنا أن المدة التى سنستغرقها فى فتح الثغرات فى الساتر الترابى ستكون ما بين 12 الى 15 ساعة، بدون وجود دبابات أو مدفعية تغطي الجنود. المشكلة كانت صعبة للغاية علاوة على إن الخسائر التقديرية كانت على أقل تقدير قد تصل الى 20 ألف شهيد على الأقل لحين إتمام هذه المهمة.
* كيف تغلبت عل كل هذه التفاصيل؟
- طبعا فى البداية استفزتنى جدا، وهو ما دفعنى لأن رفعت يدى طالبا الحديث من قائد الفرقة اللواء سعد زغلول عبد الكريم أثناء أحد الاجتماعات فرد على "إيه يا باقى، ما أنت اللى هتتكلم وتشيل الهم الأكبر فى النهاية"، فقاطعته (وقتها كنت برتبة مقدم ) "لا أنا هتكلم دلوقتى عن الساتر الترابى" . وطلبت الحديث طارحا فكرتى الخاصة بفتح ثغرات داخل الساتر الترابى، وبدأت قائلا "الساتر الترابى مبنى فى الأساس على رمل، قديمة ومتوسطة وجديدة وتم وضع كل التحصينات داخله، مضخات ماصة كابسة، يتم وضعها على زوارق خفيفة، تسحب المياه من القناة وتضخها على الساتر الترابى مباشرة خاصة بعد أن قام العدو بتعليته وتمييله، وعلى رأى المدفعية أصبح فى "السوادة" أى مرمى المدفع وأصبح فى حضن مدافع المياه لأن الساتر الترابى على الحافة وبنفس درجة الميل.

باقى زكى



* هناك فرق بين الكلام النظرى والعملى .. كيف استطعت تسهيل المهمة وتوصيل الفكرة بصورة سلسة؟
- سبق أن حصل واشتغلنا بهذه الطريقة فى السد العالى. وهذا كان مفتاح الكلام، لقد نزعنا نحو 10 ملايين متر مكعب من الرملة بهذه الطريقة، كنا نأخد المياه من النيل، نسحبها بالطلمبات ونوجه مدافع المياه التى تشبه "البشبورى" على جبال الرملة من النوع المناسب للسد العالى ويحيط بها أحواض الخليطة، والمياه تنزل الرملة بتاعة الجبل فى حوض الخليطة وبعدين "الطرومبات" تشفط الخليطة من الأحواض الى جسم السد العالى، الرملة تنزل والمياه تمشى فى النيل، ولو المشوار طويل لأن الجبل طبيعى يكون بعيد نحط طلمبات لتقوية المساعدة على تدفق المياه المخلوطة، باستخدام مواسير 60 سم. وكانت الخليطة نسبتها من الرملة والمياه بنسبة تتراوح من 5 الى 10% فقط.
لكن الوضع فى الساتر الترابى مختلف، وكل ما نحتاجه طلمبات تسحب المياه وتضخها على الساتر الترابى وتنزل الرملة بالمياه بوزنها، يعنى المرحلة الأولى من عملية التجريف فقط التى كنا نقوم بها فى السد العالى. ببساطة نستغل قوة إندفاع المياه اللى نضخها علشان تحرك وتشيل الرملة الى قاع النيل" عندما يتم توجيه مضخات المياه على الساتر الترابى المياه تتحرك الرملة وتنزل بكل ثقلها فى قاع قناة السويس. وبعد أن أنهيت كلامى بدأ قائد التشكيل فى فتح باب المناقشة فى هذه الفكرة. وصمت الجميع، فتساءلت " هو أنا خرفت ولا إيه؟".

باقى زكى


* لم توضح لنا كيف سينهار الساتر الترابى؟
- عملية انهيار الساتر الترابى كان من المقرر لها أن تحدث بنظرية المقذوف. وفى المراحل الأولى من العبور سنكون بحاجة الى مجنزرات، لأن الثغرة عندما تنفتح ستكون متأثرة بعملية التجريف، لذا لزم دخول مجنزرات مما يسمح بعمل التهذيب والتمهيد اللى ممكن توضب أرضية الثغرة بحيث لا يغرز العجل عند دخوله الثغرة. وبالانتقال للحديث عن الطلمبات، أوضحت لهم أن طلمبات السد العالى كبيرة وتعمل بالكهرباء لأنها مصممة لتتناسب مع أعمال التجريف فى السد العالى، وتم استخدام طلمبات ميكانيكية صغيرة قادرة على إنها تعطى الضغط الجوى الكبير بحجم صغير، مما يسهل نقلها الى الشاطىء البعيد وتأمين سلامتها وسلامة الأطقم التى تعمل عليها. ثم إقتنع قائد التشكيل بأن هذه التجارب ممكن أن تفضى بنتائج جيدة إذا تم تجربتها، كما إنها ستكون مفاجأة للعدو.
* هل كانت مجرد فكرة غير مكتملة فى ذهنك وغير مخطط لكيفية تنفيذها؟
- كانت مجرد فكرة بداخلى، تفجرت فجأة بمجرد سماعى قدر الخسائر التى من الممكن أن يتعرض لها الجيش مع وجود احتمالية لخسائر كبيرة فى الأرواح، فأعلنتها لقائدى.
* متى بدأت فى التنفيذ أنت ورفاقك؟
- أول ثغرة تم فتحها الساعة السادسة يوم 6 أكتوبر 1973 وفى تمام الساعة العاشرة مساء، نجحنا فى فتح نحو 60 ثغرة من الثغرات المقرر فتحها فى الساتر الترابى شرق قناة السويس وما يوازى نسبة 75 % من الثغرات التى كان من المقرر فتحها والساعة 8 ونصف مساء يوم 6 أكتوبر عبر أول لواء مدرع من داخل معبر القرش شمال الإسماعيلية. فى توقيت مبكر عن التوقيت المقرر بكثير.
* البعض يشبه ما حدث يوم 25 يناير وما تلاه من تطورات بما حدث من معجزة فى العاشر من رمضان؟
- حرب أكتوبر 1973 ، علمتنا أن مفيش حاجة اسمها مستحيل، وثورة 25 يناير بدأت زى ما كلنا شفناها انتفاضة شبابية طالعة طبيعية من داخل قلب الشباب، كان لها سقف قد يكون كان محدودا فى البداية، لكن النتائج التى حققها الله لنا من الثورة كانت أكبر بكثير من التى كنا نتوقعها، وكلل جهد الثوار بتلك النتيجة التى وصلت اليها الثورة الآن. دفع الثمن شهداء، ومصابون وأكمل الله جهد الشباب، وبإذن الله ستكتمل الثورة كيفما يشاء الله وليس كما نريدها حتى نحن. ومهما حدث من مشكلات لا أشِعر بالقلق لأن الله هو صانع هذه الثورة وسيكملها على أكمل وجه. فالثورة كانت غاية فى النبل والإخلاص.

باقى زكى


* هل يمكن أن تمكن الثورة الشعب المصرى من استعادة روح حرب أكتوبر؟
- نحن نعيش فى أجواء مثل أجواء العاشر من رمضان. والشباب الذى كان موجودا معنا فى الحرب موجود مثله الآن وهو الذى شارك فى الثورة . لو أحد كان كتب ما حصل فى الثورة المصرية قبل ما تحصل لم يكن سيتم تصديقه، وربنا قال "اسعى يا عبد وأنا أعينك". وفى اعتقادى أن الثورة ستكتمل بصورة أروع مما نتوقع لأن الله هو صانعها ولن يتركها حتى تكتمل. لذلك يجب أن نستمر فى سعينا لتحقيق أهدافها دون ملل.
( هنا روى المهندس باقى زكى قصة سيدة مسنة تبلغ من العمر ما يقارب 90 عاما، جاءت الى مكان بالقرب من جبهتهم وهى تحمل سلة من الخبز الساخن. وقال لها باقى لماذا تجهدين نفسك هكذا؟. فردت عليه "لا يا ابنى أنا ابنى معاكم فى الجيش ولما أكلكم كأن ابنى أكل بالظبط.. وقال هذه هى روح المصريين التى تظهر دائما فى الشدائد).
* اللواء أركان حرب سعد عبد الكريم قال إنك قدمت الطفاشة التى فتحت باب مصر، ما هى الروشتة التى تنصح باتباعها خلال الفترة المقبلة؟
- أحكى لك قصة الطفاشة أولا، اللواء سعد زغلول عبد الكريم قائد قوات حرس الحدود عرض الفكرة على الرئيس الراحل جمال عبد الناصر وقال إنها مقدمة من المقدم باقى زكى يوسف. اللواء سعد زغلول قال لى "يا باقى أنا أمضى إمضاءة من أشرف الإمضاءات العسكرية. أنت قدمت لنا الطفاشة اللى فتحت باب مصر". وبعد ذلك ذهبت الى اللواء عبد المنعم عماصى أطلب منه تسجيل الفكرة، فقال لى "باقى مفيش فكرة تتسجل إلا لما تتنفذ، لما تتنفذ تعالى وأنا أسجلها لك". وبعد تنفيذ الفكرة ونجاحها، أرسلناها الى اللجنة الفنية ووقع عليها، وكذلك وافقت عليها اللجنة الفنية بوزارة الدفاع.

باقى زكى


فى تقديري أن النظام السابق كان كابوسا وتمت إزالته، وعندما يكون الكابوس عامل ضغط لذا ترتب عليه نوع من الخلخلة، الناس كانت محرومة من الكلام، ومن التنفس، الناس بقت بتتكلم ومش مصدقة انها بتتكلم. نحن الآن بنمر بفترة من النقاهة. ولا يوجد حلول بالمسطرة وإنما يجب أن تكون تفاعلية لأننا لا نستورد الفكر أو السياسة، نحن نستخرج الفكر من كلامنا مع بعض. فالفكرة بنت الأرض.
* هل تشعر أنه تم تجاهلك خلال الفترة الماضية ولم يتم تكريمك بصورة لائقة؟
- تكريمى الحقيقى كان عندما عشت اللحظة التى رأيت فيها فكرة من أفكارى تنقذ البلد. أنا لا أحتاج بعد كده ولا ورقة ولا شهادة، لأن ربنا أكرمنى جدا بفكرة الساتر الترابى، فبدلا من 20 ألف شهيد عاد 20 ألف بطل. ربنا منحنى الفكرة ومنحنى حق تماما.

باقى زكى



اللواء أركان حرب المهندس باقى زكى يوسف فى سطور:
- تخرج في كلية الهندسة جامعة عين شمس عام 1954.
- التحق فى العام نفسه بالقوات المسلحة كضابط مهندس فى سلاح المركبات.
- إنتُدب للعمل بمشروع السد العالى من عام 1964 وحتى النكسة 1967.
- كان رئيسا لأحد التشكيلات بالجيش الثالث الميدانى وكان رئيسا لفرع مركبات الجيش الثالث فى حرب أكتوبر عام 1973.
- خرج من الجيش برتبة لواء عام 1984، وحصل على نوط الجمهورية من الطبقة الأولى على أعمال استثنائية فى حرب أكتوبر.